عرض مشاركة واحدة
قديم 04/Apr/2009, 05:29 PM   #1 (permalink)
د. أنس بن محمود
المشرف العـام
 
الصورة الرمزية د. أنس بن محمود
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الرياض + الأحساء
المشاركات: 1,642
Thanks: 799
Thanked 967 Times in 386 Posts
معدل تقييم المستوى: 10
د. أنس بن محمود will become famous soon enough
افتراضي أهميّةُ الترجمةِ في نشْرِ العِلمِ ورفعِ مستوى التعليمِ



أهميّة الترجمة في نشر العلم ( 1 / 2 )


قَدْ يبدو غريباً هَذا العنوان الذي اختاره لمحاضرتي اليوم، أستاذنا الدكتور عبد اللطيف بربيش. فماذا الذي بقي لنا أن نقوله ونحن عَلَى مشارف القرن الحادي والعشرين، عن أهمية الترجمة في نشر العلم ورفع مستوى التعليم؟!
عَلَى أنها غرابة لا تلبث أن تنقشع حينما نستذكر أننا نتحدث عن هذه الأمة التي تنتمي إِلَى اللسان العربي، وتتحدث - قالوا - بلغة العرب، وتجترّ أمجاداً صنعتها أمة غَبَرَتْ، لا يكاد يصل بينها وبينها إلا وشيجة نسب أرماث، يوشك أن لا يكتشفها المرء إلا بشق الأنفس.
وإنَّما أعني بالأمة التي غَبَرَتْ، تلك الأمة الوَسَط، التي تربَّعت عَلَى عرش العلم والحضارة سبعة قرون وُسطى مُزْدَهِرات، حفظت للبشرية فيهن حكمةَ الأولين والآخِرين... لا يضرُّها من أيِّ وعاءٍ خَرَجَتْ، وأفاضت عَلَى الدنيا من الإبداع كله والخير كله، ما مكَّن العالم الآخر الذي أصبح يُقال له العالم الأول، من أن يخرج من مُدْلَهِمِّ ظلماته التي تخبَّط فيها طوال قرونه الوُسطى النَحِسات، ويتبوّأ مكانة الوارث لهذه الحكمة والعلوم والإبداع، بل مكانةَ السيد الفرد الذي يريد أن يَحْتَجِنَ لنفسه العلمَ كُلَّ العلم، والحكمةَ كُلَّ الحكمة، ويُلقي إِلَى العالم الثالث الذي هُوَ نحن بفُتات موائده، ويسمح - إن سمح - له بنقل محصول العلم الذي يُقال له التكنولوجيا، ضنيناً عَلَيه بنقل حاقِّ العلم، كاتماً ما آتاه اللَه من فضله.
أما هذه الأمة التي نحن منها، فهي خَلْقٌ جديد، بدأ يتولّد مع انهيار ملك العباسيين بالمشرق والموحّدين بالمغرب، وتلك أواخر القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي. ولقَدْ واصل هَذا الخلق تولّده، بل قل: امّساخه، سبعة قرون عجافاً حتى بلغ طور الإنسان العربي في مطالع هَذا القرن... وَهُوَ إنسان قابع، قانع بما يتناثر عَلَيه من فتات الآخرين... إنسان لم يُهزم أمام الآخرين بقَدْر ما هُزِم أمام نفسه... ولقَدْ زاد من وقع هذه الهزيمة وساهم في ترسيخ عقابيلها، أنه حين أفاق من صدمتها بعد سبات عميق، وجد نفسه في مواجهة حضارة جبّارة تتضاخم وتتعاظم بسرعة لا يكاد يلحق بها الخيال، وظنّ أن لا طاقة له بِهَذا الجالوت وجنوده، فقنع من الغنيمة بالإياب، وأخلد إِلَى الأرض، وأصبح قصارى ما يطمح إليه أن يعيش طفيلياً عَلَى هَذا المخلوق الجبار الذي أصابه بالانبهار.
أصبح كائناً من نمط الفَيْروس، لا يستطيع أن يعيش إلا متطفّلاً... يعتمد في جُلّ تفاعلاته الحيوية عَلَى مادة جينية يستمدّها أو يستعيرها من الكائن الضخم الذي يتطفل عَلَيه، من أجل أن يتكاثر ويتكاثر ويعيش ويعيش بلا هدف... بلا أمل في أن يستطيع الاستقلال بنفسه... أصبح مرتبطاً بالكائن الذي تطفّل عَلَيه، إن سار سار معه نحو غاية لا شأن له بها، وإن انحرف انحرف معه!
هكذا أصبح الإنسان العربي والإنسان المسلم في أخَرة قرونه الوسطى السبعة العجاف... فَقَد زمام المبادرة... أصبح فيروساً حضارياً ينخر في جسم الحضارة ولا يستطيع أن ينهض بنفسه.
أصبح قصارى أمله اليوم أن ينقل التكنولوجيا... أي أن ينقل ما ابتكره غيره، أما أن يحوز العلم نفسه الذي أبدع هذه التكنولوجيا، فَهَذا أمر لا يخطر له عَلَى بال!
أصبح قصارى منشوده أن يجيد لغة عملاق الحضارة، حتى يستطيع أن ينقل من فتات هذه الحضارة أقصى ما تسمح به طاقة الرمّام saprophyte، أما أن يجعل لغته لغة حضارة بحيث يبدع كما أبدع الآخرون، فَهَذا أبعد الأشياء عن منطق نفسية المهزوم.
بل أصْبَحَت أيُّ خلية من خلاياه تحاول أن تفعل شيئاً يوحي بإمكان أن يعيش مستقلاً عن ثويّه الذي يتطفل عَلَيه، محطّ استهجان واستنكار... كيف تجرؤ عَلَى أن تخل برقاده الذي اطمأنّ به، أو أن تفسد عَلَيه لذة سباته العميق.
وحتى لو أتيح لهذه الخلايا الصاحية أن تنجو من استهجانه واستنكاره، فإن العملاق الذي يعولها لا يلبث أن يبطش بها بطشة تدع الحليم حيران... حدثت هذه الصحوات مراراً هنا وهناك في أثناء حقبة الامّساخ، ولكن الجالوت الحضاري عاجلها بضربات قاسيات قاضيات...
وقَدْ كان من أبرز هذه الصحوات قبل قرنين، تلك الصحوة التي حمل لواءها البغدادي صاحب «الخزانة»، والزبيدي صاحب « تاج العروس »، والجَبَرْتي الكبير صاحب المخترعات الميكانيكية والصنائع الحضارية التي تعلمها منه طلاب الإفرنج، «وذهبوا إِلَى بلادهم - كما يقول الجبرتي الابن المؤرخ - ونشروا بها العلم من ذلك الوقت، وأخرجوه من القوّة إِلَى الفعل، [أي حوّلوه من العلم إِلَى التكنولوجيا ] (3)، واستخرجوا به الصنائع البديعة».
هذه الصحوة أحسّ بها - يبدو - ذلك الطاغوت الماجن نابليون، فأجلب عَلَيها بخيله ورَجِله، وغزاها بأساطيله وجحافله، واستطاع أن يقضي عَلَيها بكل شراسة. فكان يأمر عند مطلع كُلّ شمس بقتل خمسة أو ستة من التلامذة النابهين لهؤلاء العلماء الأعلام، ثم طلب من خليفته الهالك كليبر - في ما كتب إليه - أن يجمع خمسمئة أو ستمئة من المماليك أو العرب [أي الأعراب] ومشايخ البلدان، ويسفّرهم إِلَى فرنسا، ليُحجزوا فيها عاماً أو عامين يشاهدون فيهما عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون عَلَى لغتها وتقاليدها، فإذا عادوا إِلَى مصر كان له منهم حزب يضم إليهم غيرهم(1). ولما غادر الفرنسيون مصر صاغرين، حملوا معهم - كما يقول أمين سامي باشا في «تقويم النيل» - «الأوراق والكتب؛ ليس التي تخصُّهم فقط بل كُلّ ما يرونه نافعاً!! ». ثم يقولون لنا: إن نابليون هُوَ الذي فتح أعين هذه الأمة عَلَى حضارة الغرب، وَهُوَ الذي أدخل المطبعة إِلَى بلادنا، مع أننا نجد اليوم بين أيدينا كتاباً مما طبع بمحروسة حلب المحمية، من بلاد الشام، سنة ست وسبعمئة وألف مسيحية، أي قبل أن يُخلق نابليون هَذا بثلاث وستين سنة!
هكذا فرّغ هؤلاء أمتنا المُمّسخة من مجدديها الحقيقيين، وجرّدوها من الأوراق والكتب وكل ما يرونه نافعاً، ثم أخذوا أناساً من بني جلدتنا فلقنوهم ثقافتهم هم، وأعادوهم إلينا بما يُراد به القضاء عَلَى ما تبقى، إن كان قَدْ بقي لنا شيء.

* * *

وأنا أرْجُو أن لا أكون قَدْ أمللتكم بهذه المقَدْمة الطويلة، و « المللُ من كواذب الأخلاق » كما قال سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولكني أريت - وأرجو أن أكون مصيباً - أنه لابُدَّ من وضع الأمور في مواقعها الصحيحة قبل أن نعالج موضوع الترجمة الذي نحن بصدده.
ذلك أنه قَدْ سبق لأمتنا تلك التي غَبَرت، أن خاضت تجربة رائدة في الترجمة، لعلها أروع وأغنى تجربة من هَذا القبيل في تاريخ الفكر الإنساني كله. وهي تجربة دامت ثلاثة قرون كاملة، امتدت من القرن الثامن إِلَى القرن العاشر الميلادي، ثم أعقبتها في اتجاهٍ معاكس تجربة أخرى نقلت علوم العرب إِلَى اللاتين عَلَى مدى قرنين من الزمان، هما القرنان الميلاديان الثاني عشر والثالث عشر. وفرقٌ ما بين التجربتين كبير.
فَقَد بدأت أمتنا تلك تنفتح عَلَى العالم من حولها وهي في مرحلة نضج ثقافي وعلمي ظاهرَيْن. وعن قصدٍ ما أقول «ثقافي» و «علمي»، مميزاً - كما ينبغي أن يكون - بين الثقافة وبين العلم، إذ الثقافة مقصورة عَلَى أمة بعينها، والعلم مشاع بين خلق الله جميعاً، يشتركون فيه مهما اختلفت الملل والعقائد.
والثقافة بالنسبة إِلَى الفرد تعني أصولاً ثابتة تنغرس في نفس «الإنسان» منذ مولده ونشأته الأولى حتى يشارف حد الإدراك البيّن، جماعها كُلّ ما يتلقاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلميه ومؤدبيه، حتى يصبح قادراً عَلَى أن يستقل بنفسه. فإذا استقل، استبد عقله بتقليب النظر، وإعمال الفكر، وممارسة التنقيب والبحث، ومعالجة التعبير عن الرأي. ولِلُّغة دورها الأكبر في ترسيخ الأصول التي تنغرس وإيصال المعارف الأولى التي تعين عَلَى التواصل.
هَذا ما كان من أمر ثقافة الفرد. أما ثقافة الأمة فهي حصيلة ثقافات أبنائها، المثقفين بقَدْر مشترك، وهي مرآة جامعة، في حيزها المحدود، كُلُّ ما تشعّث وتشتت وتباعد من ثقافة كُلّ فرد من أبنائها، عَلَى اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة. وجوهر هذه المرآة هُوَ اللغة. وللدين في ثقافة الفرد وثقافة الأمة شأن كبير ودور رئيس، كتابياً كان الدين أم وثنياً أم غير ذلك(1). حتى لقَدْ قال «إليوت» بحق إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران مختلفان لشيء واحد، لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب.
والثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكنها لا تتداخل تداخلاً يفضي إِلَى الامتزاج البتّة، ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئاً إلا بعد عرضه عَلَى أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال، فإن استجاب لأسلوبها قبسته وعدّلته وخلّصته من الشوائب، وإن استعصى نبذته واطّرحته اطّراحاً.
والناظر في ثقافة أمة أخرى غير أمته، إنما ينظر فيها لأحد أمرين: إما ليكسب منه شيئاً لأمته وثقافته، وإما ليناظر ويناقش. وَهُوَ في كلا الأمرين واقع في مأزق ضيق: مأزق اللغة ومأزق الثقافة. لا يستطيع أن يأخذ إلا بمقَدْار ما فهم من لغة غريبة أصلاً عن لغته، ولا يستطيع أن يناقش إلا عَلَى قَدْر ما يتصور أنه استبانه وأدركه من ثقافة غريبة عن ثقافته(1).
وأعود إِلَى أمتنا التي زعمتُ أنها انفتحت عَلَى العالم من حولها، وهي في مرحلة نضج «ثقافي» و «علمي» ظاهرَين.
أما الثقافة فَقَد أنضجها الإسلام، بعد أن قطع كُلّ صلة لهذه الأمة بمعاملات الجاهلية وثارات الجاهلية ومآثر الجاهلية، وأحل محلّ ذلك ثقافة قوامها كتاب، يأمر أول ما يأمر بالقراءة، ويُقسم أول ما يُقسم بالقلم والكتابة، ويدعو في كثير من آياته إِلَى التفكير والتنقيب والبحث في الكون والكائنات، ويفاضل بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وبين الذين أوتو العلم والذين لم يؤتوه... ومؤدّي هَذا الكتاب رسولٌ يفضّل مجلس العلم عَلَى مجلس الذكر، ويقسم الناس إِلَى عالم ومتعلم وهَمَج لا خير فيه، ويوازن بين مداد العلماء ودماء الشهداء، ويجعل الحكمة ضالّة المؤمن أنى وجدها فَهُوَ أولى بها.
وأما العلم فَقَد كان منه بادئ ذي بدء علوم مبتكرة تنظم ضوابط اللغة التي هي قوام الثقافة... وتلك علوم اللغة والنحو والعروض؛ وكان منه علوم تحدد التعامل عَلَى مستوى الفرد والأسرة والمجتمع... وذلك عَلَى علم الفقه؛ وكان منه علوم تضبط فهم مصادر الفكر والتشريع والسلوك وتكفل سلامة النصوص الناظمة لجميع شؤون الحياة... وتلك علوم التفسير والحديث... وكل أولئك علوم عربية إسلامية بحتة، أبدعتها عقول أبناء هذه الأمة عَلَى غير مثال سبق.
وَهَذا هُوَ النضج العلمي والثقافي الذي أتحدث عنه. فهذه العلوم الخاصة التي ابتكرتها هذه الأمة، وابتدعت أصولها ومناهجها، وأرست لها أركان النهج الفكري المستقيم، ونواظم إعمال العقل إعمالاً ليس له حدود... أقول: هذه العلوم الخاصة الأصيلة أعدّت هذه الأمة لاستقبال العلوم التي لم يكن لها بها عَهْد. وتلك الثقافة التي كانت تهيمن عَلَى الضمائر والمواقف، جعلت الأمة تنفتح عَلَى الثقافات الأخرى بلا حرج ولا عُقَد، ولكنها جعلتها كذلك تقف منها موقف العالم المتبصّر وموقف الناقَدْ المستنير. فلم تأخذ من الحضارة اليونانية مثلاً شيئاً من أدب اليونان ولا شعرهم ولا فنّهم ولا دراماهم ولا ميثولوجيتهم، ولكنها اغترفت من هذه الحضارة ما استطاعت من علوم الطب والطبيعة، وتخيّرت وانتقت ما شاءت من الحكمة والفلسفة.
* * *
وقَدْ كان عجباً من العجب لم يشهده التاريخ من قبل أو بعد، أن أمة فاتحة تملي شروط الصلح عَلَى المغلوبين فتطلب إليهم أن يقَدْموا لها كتب العلم والفلسفة غرامة حربية(4)... هَذا ما فعله العرب في صلحهم مع الروم، وَهَذا وحده دليل قاطع عَلَى أنهم كانوا عَلَى استعداد لقبول هذه العلوم، وأنهم كانوا عَلَى قَدْر من التقَدْم الفكري يسمح لهم باستيعاب هذه العلوم، بل غربلتها وانتخالها، بل تثوير أعماقها والخروج منها بمبتكرات لم تخطر عَلَى البال.
ويمكن أن نلاحظ أن الحركة العلمية في الإسلام سبقت الدراسات الفلسفية. ويوم أن استقر العرب في بلاد فارس ومصر، لفتت أنظارهم حركات علمية في جنديسابور وحرّان والإسكندرية. فحاولوا أن يفيدوا منها، وشغلوا أولاً بما تقتضيه ظروف الحياة. وإنك لترى خالد بن يزيد الأموي يعنى في عهد مبكر بالكيمياء والطب والفلك ويأمر بعض المتخصصين بمصر بترجمة رسائل فيها عن اليونانية أو القبطية. ثم ترى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، يأمر « ابن ماسرجويه » بترجمة كتاب « أهرن القس » في الطب. ويوم أن اتجه المنصور نحو مدرسة جنديسابور التي أسسها كسرى أنوشروان، إنما كان يبحث عن أطباء لا عن فلاسفة، وقَدْ اهتدى إِلَى بني بختيشوع الذين كان لهم شأن في نشأة الدراسات الطبية العربية، وإسهام في حركة الترجمة الكبرى. كما قام في أيامه عبد الله بن المقفع بنقل كتب في المنطق والطب كان الفرس قَدْ نقلوها من اليونانية، كما نقل يحيى بن البطريق كتباً كثيرة لبقراط وجالينوس، أمره المنصور بنقلها.
وحركة الترجمة الكبرى هذه مدينة بوجه خاص لرجال الصدر العباسي الأول. فَقَد جعلوا بغداد مركزاً لحركة من أكبر حركات الترجمة في التاريخ. وكان المترجمون أنفسهم رواداً في ميدان البحث العلمي(4). فيوحنا بن ماسَوَيْه كان طبيباً، ونبغ حتى كان أحد الذين عهد إليهم هارون الرشيد بترجمة ما وجد في كتب الطب القَدْيمة، في أنقرة وعمورية وغيرهما من بلاد الروم، وجعله أميناً عَلَى الترجمة، ورتّب له كتّاباً حاذقين بين يديه. وحنين بن إسحاق العِبادي شيخ المترجمين في الإسلام طبيب، تمكن من اللغات السريانية والفارسية ثم رحل إِلَى بلاد الروم وأقام سنتين في بيزنطة تعلم فيهما اللغة اليونانية وأدبها وحفظ إلياذة هوميروس. ثم ذهب إِلَى البصرة وتلقى العربية عَلَى خير علمائها، فانتهت إليه رياسة العلم بين المترجمين مع إحكامه العربية، وكان فصيحاً بها شاعراً. واتّصل بالمأمون فجعله رئيساً لديوان الترجمة. وقَدْ تخصص في ترجمة كتب بقراط وكتب جالينوس، وجمع منها أكبر عدد ممكن، كما راجع وأَصْلَح ما ترجمه تلاميذه وهي ستة إِلَى السريانية ونحو من سبعين إِلَى العربية. وثابت بن قرّة رياضي ومترجم، ويكاد يتخصص في ترجمة كتب إقليدس وأرخميدس وبطلميوس. كذلك قام قسطا بن لوقا البعلبكي بنقل كتب كثيرة من اليونانية إِلَى العربية، أحصاها ابن النديم بخمسة وثلاثين كتاباً. وقَدْ سبق لقسطا بن لوقا هَذا أن رحل إِلَى بلاد الروم في طلب العلم وكان عالماً باللغات اليونانية والسريانية والعربية. ولم يكن غريباً أن يعنى الكندي، أول مشائي العرب، بالرياضيات والفلك والكيمياء، فَقَد عاصر هؤلاء المترجمين وعاش معهم.
ويبدو أن الترجمات السريانية لكتب بقراط وجالينوس لم تكن دقيقة ولا واضحة. ولما بدأ العرب الترجمة نقلوا عن السريانية بعض هذه الترجمات. ولا يخفى أن الترجمات المزدوجة كثيراً ما تدعو إِلَى الغلط والغموض. ولم يلبث العرب إلا قليلاً ثم عرفوا ما في الترجمات السريانية من ضعف، فعدلوا عنها وأقبلوا عَلَى الكتب اليونانية ينقلونها إِلَى العربية مباشرة. وقَدْ كان ذلك منهم أمراً في غاية الحصافة والحرص عَلَى سواء الصراط. ثم كان ما صنعه حنينُ ابن إسحاق أمراً سديداً كذلك. فَقَد أتقن اليونانية عَلَى أهلها، وأتقن العربية عَلَى خير علمائها، وأتقن الطب إتقاناً صالحاً. ومن أجل ذلك جاءت ترجمته لبقراط وجالينوس ترجمة صحيحة مفَهُوَمة. ولم يحدث مثل ذلك في صقلية والأندلس، حين قام بعض المترجمين بنقل الكتب العربية إِلَى اللاتينية دونما تمكن من اللغة ولا العلم، فجاءت ترجمتهم مشوهة مملوءة بالخطأ.
وقَدْ نبّه عَلَى ذلك الجاحظ في كتاب « الحيوان »(5) فقال: «ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبداً ما قال الحكيم، عَلَى خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيّات حدوده، ولا يقَدْر أن يوفّيها حقوقها، ويؤدِّي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب عَلَى الجَرِيّ؛ وكيف يقَدْر عَلَى أدائها وتسليم معانيها، والإخبار عنها عَلَى حقِّها وصدقها، إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه. فمتى كان رحمه الله تَعالَى ابنُ البِطريق، وابن ناعمة، وابن قرَّة، وابن فِهريز، وثِيُفيل، وابن وُهيلى، وابن المقفَّع، مثل أرسطاطاليس؟ ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟ ».
ثم قال : « ولابدَّ للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواءً وغاية. ومتى وجدناه أيضاً قَدْ تكلّم بلسانين، علمنا أنه قَدْ أدخل الضيمَ عَلَيهما، لأن كُلّ واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عَلَيها. وكيف يكون تمكُّن اللسان منهما مجتمعتين فيه كتمكنه إذا انفرد بالواحدة؟ وإنما له قوة واحدة، فإن تكلَّم بلغة واحدة استُفرغت تلك القوة عَلَيها. وكذلك إن تكلَّم بأكثر من لغتين، عَلَى حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات. وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشدَّ عَلَى المترجم وأجدر أن يخطئ فيه. ولن تجد البتَّة مترجماً يفي بواحدٍ من هؤلاء العلماء ». كذا قال.

* * *

ما يهّمنا أن علماء هذه الأمة وقادتها اتفقوا عَلَى ضرورة نقل هذه الكتب إِلَى العربية، ولم يخطر ببال أحد منهم - في ما نعلم - أن يأمر بنسخ هذه الكتب بلغاتها الأصلية نسخاً متعددة، تكون في متناول طلاب العلم، كما لم يخطر ببال أحد منهم - في ما نعلم أيضاً - أن يأتي بأساتذة من السريان أو اليونان، يلقون عَلَى طلابهم العرب دروساً في هذه العلوم باللغة السريانية أو اليونانية، بَلْهَ أن يقوم أساتذة من العرب بتدريس تلامذتهم هذه العلوم بالسريانية أو اليونانية... بل إننا لنزعم أن لو جمح الخيال بأحد الناس فدعا إِلَى مثل ذلك، لظنه الناس جميعاً ممروراً أو موسوساً أو مخبولاً، ولأودعوه بيمارستاناً من بيمارستانات المجانين. أما العقلاء فإنما يدعون إِلَى نقل هذه العلوم بالترجمة المجوّدة إِلَى لسان العرب، بحيث يستطيع الناس جميعاً قراءتها وفهمها واستيعابها والاستفادة منها. ولست أعني بالعقلاء عقلاء ذلك العصر وحده، فَهَذا عاقل من عقلاء عصرنا هَذا، وَهُوَ الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيات طيب الله ثراه، يقول في رسالة بعث بها قبل نصف قرن إِلَى وزير المعارف المصرية آنذاك :
« إنَّ العلوم اليوم أوروبية وأمريكية ما في ذلك شك، وإن الفروق التي باعدت بين الشرق والغرب في مدلول الإنسانية الراقية إنما يجمعها كلها لفظ العلم. وَهَذا العلم الذي يسخّر السماوات والأرض للإنسان الضعيف، ويذلِّل القطعان الملايين للراعي الفرد، سيبقى غريباً عنا ما لم ننقله إِلَى ملكنا بالتعريب، ونعمِّمه في شعبنا بالنشر، ولا يمكن أن يصلنا به أو يدنينا منه كثرة المدارس ولا وفرة الطلاب، فإن من المحال أن ننقل الأمة كلها إِلَى العلم عن طريق المدرسة، ولكن من الممكن أن ننقل العلم كله إِلَى الأمة عن طريق الترجمة! ».
« فالترجمة إذن هي الوسيلة الأولى لدفع القصور عن اللغة، وسدِّ النقص في الأدب، وكشف الظلام عن الأمة... لذلك أرى أن تنشأ دار للترجمة مستقلّة... يكون لها من جلالة القَدْر ونباهة الذكر ما للجامعتَيْن... ثم يختار لها مئتان عَلَى الأقل من المترجمين النابغين في لغتهم وفي اللغات الأوروبية الثلاث، ينقلون الآداب الأجنبية نقلاً كاملاً صحيحاً، فلا يدعون علماً من أعلام الأدب والعلم والفن والفلسفة إلا نقلوا كتبه ونشروها... فإذا فرغت [دار الترجمة] من ترجمة الموجود فرغت لترجمة المستجد، فلا يكون بين ظهور الكتاب في أوروبة وظهوره في مصر إلا ريثما يترجم هنا ويطبع... عَلَى أن ما ينفق في سبيل هَذا العمل العظيم يقل مهما كثر في جانب ما يؤتيه من تجديد اللغة، وتطعيم الأدب. وتعريب العلم، وتعميم الثقافة، وتدعيم النهضة، وتيسير القراءة، وتشجيع القارئ...».
وموقف الأستاذ الزَّيات هَذا، لا يختلف عن موقف خالد بن يزيد، أو المنصور، أو الرشيد، أو المأمون، أو علماء هذه الأمة في جميع العصور، إذ لا يخالف عاقل في أن من المحال أن ننقل الأمة كلها إِلَى العلم عن طريق المدرسة، ولكن من الممكن أن ننقل العلم كله إِلَى الأمة عن طريق الترجمة.
ثُمَّ إن للموضوع بُعْداً تربوياً لا يقلّ عما تقَدْم شأناً وخطراً. فلو أن سائلاً سألك: ما القراءة؟ لكان جوابك: إنها الفهم والاستيعاب. فليست القراءة مجرد عملية بصرية، ولكنها كما يقول كارول Carroll« عملية تتطلب معلومات مرئية ومعلومات لا مرئية non-visual. أما المعلومات المرئية فتأتي من الصفحة المطبوعة، وأما المعلومات اللامرئية فتأتي من الدماغ ».
وهذه المعارف اللامرئية تتمثل في حقيقة الأمر في نوعين من المعارف، يستمد القارئ معظمها من ثقافته، ونعني بهما: تلك التي اختزنها المرء منذ صغره، وأضاف إليها من تجاربه وتعلّمه، وتلك المتعلقة بالنظام اللغوي لديه. فما يضفيه القارئ عَلَى النص من خبرته التعليمية، يحدد إِلَى حد بعيد ما سوف يكتسبه هَذا القارئ من النص الذي بين يديه. فالمعنى - كما يقول أوغستاين وتوماس Augstein & Thomas- «ليس موجوداً عَلَى الصفحة بنفسه، ولكنه يتولد عَلَيها من مادة خام مستقاة من خبرات القارئ ». وَهَذا التولد - كما يقول ويدوسون Widdowson- «عملية ديناميكية تتخلّق فيها المعاني أولاً بأول ».
يتبع =
د. أنس بن محمود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس