حجاب المسلمة .... والرأي الآخر
أضيف هذا المقال من موقع الشيخ محمود الزين نظرا لأهميته
. حجاب المسلمة .... والرأي الآخر
. بقلم الدكتور محمود أحمد الزين
في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات داعية إلى قبول الرأي الآخر نرى الواقع يصرخ في وجه المسلمين الذين لهم رأي آخر غير آراء المستبدين في السياسة والعلم والدين : لا .
فكل دعاة قبول الرأي الآخر لا يتعرضون لغير المحجبة ويسلمون بحقها في الحرية مهما أظهرت من مفاتن جسمها ولو اختارت زواج الأمثال ، أما المرأة المحجبة فهي مفترية على العرف والحرية متخفية وراء الدين تنسب إليه تقاليدها وعاداتها فواجب الدولة والعلماء والجامعات العلمية أن تتصدى لها وتقف سداً منيعاً دون شذوذها ، وهذا الموقف العدائي منها هو موقف المنادين بقبول الآخر فيا عجباً لتقلب الموازين والكيل بعدة مكيالات لا بمكيالين فقط ، والنتيجة هي أن قبول الآخر مراد به أن يقبل المسلم الآخرين دون أن يقبلوه بل دون أن يسالموه
ولكي يتأكد كل منصف من هذه النتيجة ينبغي أن ينظر في قضية حجاب المسلمة ونقابها اليوم حيث تصر الجهات الرسمية في عدد من البلاد سياسياً ودينياً على أن النقاب الذي تستر به المسلمة وجهها هو عادة وليس عبادة أي ليس له مستند ديني بناء على رأي بعض الجهات الدينية الرسمية كشيخ الأزهر مع الإعراض عن جهات رسمية أخرى كمفتي السعودية
والقول بأن هذه المسألة أي النقاب عادة أم عبادة لو كان أمراً مستحدثاً لكان ينبغي أن تراعى فيه وجهة نظر هؤلاء وهؤلاء سواء فهي على الأقل رأي آخر مع غض النظر عن الضغوط التي تمارس في هذا الأمر والإغراءات التي تقدم فيه
ولكن هذا الأمر غير مستحدث وبإمكان الباحث عن الحق أن يرجع إلى أي كتاب فقهي خلال 1430هـ عاماً ليجد الموقف الديني الصريح الذي لا اختلاف عليه وهو أن ستر المسلمة وجهها مطلوب منها دينياًُ باتفاق
واختلاف العلماء محصور في نقطة واحدة هي أن الطلب حتمي فيكون النقاب واجباً أو غير حتمي فيكون النقاب مستحباً غير واحب ، والمستحب من أحكام الدين يؤجر عليه فاعله فهو عبادة وليس عادة
والعلماء الأئمة الكبار لهم في ستر الوجه أقوال :
منهم من قال ستر الوجه واجب على كل امرأة صغيرة أو كبيرة جميلة أو قبيحة ، ومعنى ذلك أنه عبادة وليس عادة حسب فهمهم للأدلة الشرعية
وكذلك قول من قال : إنه ليس بعورة لكن يجب ستره على الشابة وعلى الجميلة لدفع فتنة النظر إليهما هو صريح في أنه عبادة وليس عادة ، وحتى غير الجميلة والشابة يستحب لهما ستره عند هؤلاء ، وهم الجمهور الأعظم من العلماء الناظرين في أدلة الشريعة
والقول الثالث هو أنه مستحب لا يجب في حال من الأحوال وهو قول فئة قليلة من العلماء وذلك يعني أنه عندهم عبادة وليس مجرد عادة
وبالمقارنة بين ما قالته الفئات الثلاث وما يقوله اليوم المستبدون من أن ستر الوجه غير واجب ولا مستحب يظهر أن قول هؤلاء المستبدين مخالف لكل الأمة في كل تاريخنا الماضي
ولو سلمنا لهؤلاء بأنه غير واجب ولا مستحب لما كان يحق لأحد أن يعترض دينياً على المرأة المتنقبة لإن المباح لا يحق لأحد أن يرفضه ويجبر الناس على تركه ويستنكره عليهم
ولكن هؤلاء المستبدين في الفتوى يقولون إن المتنقبة تغير حكم الإسلام حين تزعم أن هذا المباح واجب وهذا الزعم جدير بالإنكار
ونعتذر لهؤلاء المستبدين في الفتوى عن قبول هذا القول منهم لإن زعمهم أنه مباح هو قول مخترع لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام فهي إذا زعمت أن النقاب واجب أو مستحب فقد أخذت بقول الأئمة الفقهاء الذين قالوا بالوجوب أو قالوا بالاستحباب ، وأخذت بإجماع الأمة على أن النقاب مطلوب شرعاً ،
وأما الذي غيّر حكم الشرع فهو أنتم (( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ))
أما سمع هؤلاء المستبدون في الفتوى أن من الأئمة من قال بوجوب النقاب أم علموا ولم يقيموا لهذا الرأي وزناً وقضوا على كل الاجتهادات السابقة باجتهادهم المحدث ؟؟ مع أن قواعد العلوم تقول إنه لاينقض اجتهاد باجتهاد ؟! وكيف لم يقيموا لاجتهادات السابقين وزناً ، والعصر عصر قبول الرأي الآخر ؟؟؟
وعلى كل حال فالناس ينادون اليوم بقبول الرأي الآخر حتى إنهم ليمنعون الإنكار على مرتكبي الفواحش لإن لهم حرية الرأي وهذا هو رأيهم فينبغي قبول ذلك منهم بل يمنعون الإنكار على الشواذ في الجنس المغيرين خلق الله ويقولون إن لهم الحرية وهذا رأيهم فينبغي قبولهم على ماهم عليه دون إنكار ولا اعتراض !!!
فيا عجبا!!! أهذا كله حرية يجب قبوله على أنه رأي آخر إلا نقاب المرأة المسلمة فلا يمكن أن يقبل بحال من الأحوال
أليس معنى هذا كله أن قبول الرأي الآخر مطلوب من المسلم دون أن يقبله الآخرون أو يسالموه على أقل التقديرات
هكذا هي حرية العولمة وحرية الحداثة في الفكر والسلوك وكل شؤون الحياة .
ما حكم ستر الوجه والكفين للمرأة علما أننا نسمع من مشايخ كثر أنه لم يرد شيء جازم في هذا الشأن؟
يجيب الدكتور محمود الزين فيقول :
المسائل التي جاءت فيها أدلة جازمة هي المسائل التي أجمعت عليها الأمة ولو أن إنساناً لم يأخذ إلا بالأدلة الجازمة لترك من الدين أكثره وفوت على نفسه المنافع والمصالح التي ينالها من يلتزم بأوامر الله تعالى وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر وضرب له مثالاً يوضحه فقال صلى الله عليه و سلم : { الحلال بين والحرام بين } وهذه هي الأمور التي جاءت فيها أدلة جازمة ثم قال صلى الله عليه وسلم : { و بينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس } وهذه هي الأمور غير الجازمة وهي التي تسمى المسائل الاجتهادية يعمل فيها كل مجتهدٍ بحسب ما يترجح لديه من الأدلة وأما غير المجتهد فيتبع ما قاله المجتهدون فإن لم يعلم قول المجتهدين فعليه أن يأخذ بالاحتياط الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حيث قال صلى الله عليه وسلم : { فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه } أي حصل على البراءة في دينه فلا يحاسبه الله تعالى وحصل على البراءة لعرضه أي سمعته بين الناس فلا يطعنون عليه ولا يجرحونه في الكلام ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم خطورة ارتكاب هذه الشبهات وقرب فاعلها من الوقوع في الحرام الصريح الذي دلت عليه الأدلة الجازمة فقال صلى الله عليه وسلم : { ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام } أي أدى به ذلك إلى سرعة الوقوع في الحرام الصريح الذي دلت عليه الأدلة الجازمة ثم وضح النبي صلى الله عليه وسلم بالمثال فقال صلى الله عليه وسلم : { كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه } يعني الذي يرعى ماشيته قريباً من حدود أراضي الناس تدخل ماشيته في أراضيهم قبل أن يستطيع ردها بسبب شدة الاقتراب ثم قال صلى الله عليه وسلم تحذيراً لأمته : { ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في الأرض محارمه } وقد أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة الاحتياط في الأحكام فقالوا كل ما اختلف فيه العلماء بين الحلال والحرام فينبغي للإنسان أن يتجنبه ليتجنب العواقب الناتجة عنه وكل ما اختلف فيه العلماء بين الوجوب والاستحباب فينبغي للإنسان أن يفعله لينال المنافع الناتجة عن فعله ويتجنب عواقب فواته .
ومسألة ستر الوجه والكفين قال فيها جماعة من الأئمة إنهما عورة يجب سترهما ولو كانت المرأة قبيحة شوهاء أو عجوز شمطاء وهذا أكثر الأقوال إحتياطاً واستدلوا عليه بجملة من الأدلة من أظهرها قوله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } والله تعالى يحب طهارة القلوب لكل مسلم ومسلمة لا لنساء النبي خاصة وإن كانت الآية وردت خطاباً لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فهذا السبب أي العلة عام يجعل الحكم عاماً كما قال العلماء يحرم على المرأة إذا كلمت الرجال أن تخضع بالقول حتى لا يطمع فيها الذي في قلبه مرض واستدلوا بقوله تعالى : { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } مع أن هذه الآية موجهة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن الله تعالى لا يرضى لامرأة مسلمة أياً كانت أن تكلم الرجل بطريقة تطمعه فيها فالسبب عام فينتج عنه حكم عام لهن ولغيرهن .
وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى وجوب ستر الوجه والكفين من المرأة الشابة أو الجميلة وإن لم تكن شابة دفعاً للفتنة مع قولهم بأن الوجه والكفين ليسا بعورة لأن دفع الفتنة واجب والمراد بوجود الفتنة فيهما أن يكون النظر إليهما يمكن أن يحرك الشهوة عند الرجل الطبيعي وليس كما يظن بعضهم أن يكون محركاً للغريزة بالفعل كما أنه يحرم على الرجل أن يخلو بالمرأة غير المحرم لأنه يمكن أن يقع بينهما الحرام حتى ولو كان ذلك مستبعداً منهما لكونهما في غاية الصلاح مثلاً ولأن وجوب ستر الوجه والكفين عند هؤلاء سببه وعلته دفع الفتنة قالوا لا يجب على من لا يفتتن بها سترهما وبينوا مرادهم بمن لا يفتتن بها فقالوا هي القبيحة الشوهاء والعجوز الشمطاء واستدلوا على ذلك بجملة من الأدلة منها قوله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } قالوا إذا كان الصوت سبباً وعلة لوجوب السؤال من وراء حجاب فجمال الوجه أحق بوجوب الحجاب دفعاً لطمع الذي في قلبه مرض وذلك لأن الفتنة بالنظر إلى الوجه والكفين أشد ثم قالوا وإذا كان هذا الكلام الإلهي موجهاً إلى أطهر نساء الدنيا ورجالها وهم الصحابة فغيرهم أولى وأحق واستدلوا أيضاً بقوله تعالى : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } قالوا إذا نهى الله تعالى عن إبداء صوت الزينة أي الحلي من الخلاخيل فوق الأقدام لما فيه من إمكان تحريك الشهوة فالوجه والكفان أولا بالنهي عن إظهارهما لأن الفتنة فيهما أشد .
وهؤلاء العلماء هم الأكثرون فإذا أضفنا إلى هؤلاء العلماء أولئك الذين ذكروا أولاً أي الذين يقولون بوجوب ستر الوجه والكفين حتى على كلٍ من المرأة القبيحة والعجوز الشمطاء تبين أن القائلين بجواز كشف الوجه والكفين مطلقاً بدون قيود إنما هم قلة نادرة والذين يزعمون أن هذا القول هو الأصح يأخذون جزءاً من قول العالم ويتركون الجزء الذي يوضحه ولو أنهم جمعوا ما تفرق من كلامه لتبينت الحقيقة لهم ولمن يعطونهم الفتوى وقد يحسب هؤلاء أنهم يريدون عدم التشديد على الناس ترغيباً لهم في العمل بأوامر الله تعالى والجواب على هذا هو أن اليسر في اتباع أوامر الله على حقيقتها لأن الحكمة والمصلحة في ذلك ولأن الحرج هو في ترك أوامر الله أو التهرب منها أو بترها ومن قال لا أستطيع العمل بذلك يقال له لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولو علم أن الخلق لا يستطيعون العمل بأحكامه لما كلفهم ومع ذلك يقال أيضاً إن صح قولك لا أستطيع فاعمل بما تستطيع مع الإقرار بأنه ناقص فهو خير لك من الأخذ بالفتوى المبتورة وسل الله عز وجل أن يعينك على ما لا تستطيع والحمد لله رب العالمين .
|