عرض مشاركة واحدة
قديم 18/Mar/2010, 05:11 PM   #1 (permalink)
د. أنس بن محمود
المشرف العـام
 
الصورة الرمزية د. أنس بن محمود
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الرياض + الأحساء
المشاركات: 1,642
Thanks: 799
Thanked 967 Times in 386 Posts
معدل تقييم المستوى: 10
د. أنس بن محمود will become famous soon enough
افتراضي التماسك النصي عند النحويين العرب

التماسك النصي عند النحويين العرب


د. أنس بن محمود فجّال


لعل من أبرز مآخذ النصيين الغربيين على من سبقهم من المدارس اللسانية كونهم اتخذوا من الجملة الوحدة الكبرى في التحليل اللغوي ، وقد تبعهم المحدثون العرب الذين اهتموا بعلم اللغة النصي ، فردّدوا ما قال أولئك ، متّهمين النحو العربي بأنّه نحوُ جملةٍ ، وأنّه لم ينظُرْ إلى النصوص على أنّها وحدةٌ متماسكةٌ .
وحقيقةُ الأمرِ أنّه ينبغي أن ننظرَ إلى هذا الادّعاء بشيء من التريّث والاستقراء لما جاء من عند النحويين العرب من إشارات ترتبط بهذا الموضوع ، كما فعلوا مع غيرهم من البلاغيين والمفسّرين ، حيث أثبتت البحوث في هذا الميدان أن للبلاغيين والمفسرين العرب دورًا كبيرًا في الوقوف على كثير من قضايا التماسك النصّي .
وما قدمه محمّد خطابي في دراسته الرائدة عن انسجام الخطاب خيرُ دليل على ما نحن بصدده ، فقد تتبع الإسهامات العربية التي عُنيت بالتماسك النصي ، وعرض لجهود البلاغيين والنقّاد والمفسّرين ، وبيّن إسهام كلِّ فريق ، معضدًا ذلك بكثير من الشواهد والنقول ([1]).
لكنّه غيّب جهود النحويين فيما قدّمه ، ممّا يوهم بعدم اهتمام النحويين العرب بقضية التماسك النصي ، وهو أمر ألمح إليه إلماحًا ، وصرّح به د. محمد العبد في قوله : « لا يكادُ يتقدّم أحدٌ من النحاة أو اللغويين باختبار قواعده أو مسائله اللغوية من خلال النصوص الأدبية ذاتها ، ولا تكاد هذه الصورة تلتئم في تراثنا إلّا على يد طائفة من المفسرين ، الذين انطلقوا من منطلق لغويٍّ ، تسانده المعرفةُ البلاغية الواسعةُ ، والذوق السليمُ ، والحِسُّ المرهف »([2]).
والحقُّ أنّ هذه دعوى تحتاجُ إلى دليل ، لما فيها من مخالفة لبديهيّات التأليف النحوي ، إذ إنّ النحويين بدءًا من سيبويه لم يقعّدوا قاعدة – خلا مسائل التمرين – إلا حشدوا لها من النصوص الأدبية – منظومها ومنثورها – ما يؤكّدها ويعزّزها ، ولم يكتفوا بذلك ، بل أكثروا من التدقيق والتحقيق في معرفة النص الأدبي الذي يرومون التقعيد عليه من حيث قائله وزمانه ومكانه ، وبذا يبدو غريبًا كلّ الغرابة الزعمُ بأنّ النحويين لم يختبروا قواعدهم من خلال النصوص الأدبية ([3]).
وإن كان المقصود من تلك الدعوى عدم استشهاد النحويين بنصوص تامّة غير مبتورة، فإنّ ذلك خاضع لطبيعة الاستشهاد نفسه ، إذ يُساق من النص موضع الشاهد لاغير ، ولو أنّهم نقلوا النص كاملًا في كلّ مرة يستشهدون بجزء منه لاختلطت القواعد ، ولألبس على المتعلّم والدارس موطن الاستشهاد ، وبذلك يبطل الهدف من وضعهم الكتب ، إذ الهدف منها تعليمُ الطلاب وتحصين ألسنتهم من الوقوع في اللحن .
وقد نفى د. سعد مصلوح أيّ صلة للنحو العربي بالدراسة النصيّة ، وذكر أنّ هناك نمطين من النحو :
الأوّل : نحو الجملة .
والثاني : نحو النصّ .
أمّا نحو الجملة فإليه ينتمي النحو العربي بصورته المعروفة ، وهو طراز من التحليل النحوي يقيّد معالجته بحدود الجملة ، ويرى فيها أكبر وحدة لغوية يطمح إلى تحليلها وتقعيدها ، على خلاف بين المدارس اللسانية في مفهوم التقعيد نفسه. وأشار إلى أنّ نحو الجملة يعدّ قواعدها منتهى همّه ومبلغ علمه ، فلا يقرّ للنص بكينونة متميزة توجب معالجة تركيبه معالجة نحوية تستجيب لمقتضيات بنيته ، وتكون مؤهلة لتشخيصها ووصفها ، وبهذا يقع النصّ خارج مجال الدرس النحوي ([4]).
وبالنظر في كتب النحو نجد أنّ النصّ ومعاييره لم يكن خارج مجال الدرس النحوي العربي ، وإنْ غابت المصطلحات الدّالَّةُ عليه ، ولا أقصد بذلك القول إنّ النحويين العرب والبلاغيين والمفسرين قد أرسوا قواعد الدراسة النصيّة كما هي عليه الآن ، بل كانوا على علمٍ بقضيّة ترابط النصّ واعتباره كلًّا متماسكًا ، يرتبط كلّ جزء منه بالآخر ، وكذا أثر السياق والجانب التداوليّ في النص ، نلحظ ذلك كلَّه ضِمنًا في أعمالهم ، ولم يصرّحوا بذلك إلّا في مواطن قليلة ، ومن ذلك :
* قول ابن جنّي ( ت 392 هـ ) : إنّ « الكلام إنّما وُضِع للفائدة ، والفائدةُ لا تُجنى من الكلمة الواحدة ، وإنّما تُجنى من الجُمَلِ ومدارج القول ، فلذلك كانت حالُ الوصلِ عندهم أشرفَ وأقومَ وأعدل من حال الوقف » ([5]).
وإذا كانت الفائدة لا تتحصّل من الكلمة الواحدة ، فإنّ الفائدة التامة كذلك لاتتحقق من خلال جملة واحدة مبتورة من سياقها ، ذلك أنّ المتكلم بحاجة للإبانة عما في نفسه إلى أكثر من جملة ، وهذا ما يمكن فهمه واستنباطه من استخدام ابن جنّي للفظ (الجُمَل) مجموعًا ، ولتفضيله حال الوصل على الوقف ، فالوصل تتابع من الجمل المتماسكة .
كذلك فإنّ للسياق الذي ترد فيه الجملُ دورًا في تحديد المعنى، فقد تعني الاستفهامَ في مقامٍ ، وتعني التعجّب أو غيره في مقام آخر، كما أنّ السياقات قد تتعدّد ، وهذا ما يستفاد من قوله : ( مدارج القول ) الذي استخدمه مجموعًا.
ولعلّ هذا الفهم والاستنباط يخالف ما ذهب إليه بعضُ المحدثين، حيث يرى أنّ التحليل النحوي لدى النحويين القدامى كان يبدأ « باجتزاء الجمل ، وعزلها تقريبًا عن سياقها في النص أو الخطاب »([6])، لكن حقيقة الأمر أنّ النحويين العربَ أَوْلوا السياق الذي ترد فيه الجملة عنايةً كبرى ، ووضحوا ما لا يدع مجالًا للشكّ أهميته في فهم الجمل([7]).
= يتبع

المرجع :
الإحالة وأثرها في تماسك النص في القصص القرآني . د. أنس بن محمود فجّال ، ص 58 . رسالة دكتوراه. جامعة صنعاء . 2009 .
د. أنس بن محمود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس