الإنسان ومخاطر التطور
د. عون الشريف قاسم
يوحي ظاهر الحال بأن مقدرات الحضارة الحديثة موجهة لتدريب ملكات الإنسان وتثقيف عقله . فانتشار التعليم النظامي وتعدد وسائل الاتصال الحديثة من إذاعة وتلفزيون وسينما وصحافة والشبكة العنكبوتية وما إليها جعلت الثقافة والمعرفة في متناول الرجل العادي بعد أن كان ذلك مقصورا على طبقات بعينها في المجتمع . ومن هنا ذهب الذاهبون إلى أن وجهة التطور ستصبح عقلية لاجسدية .
ولكن المشاهد في معظم المجتمعات يوضح أن مجرى الحياة الحديثة يميل في كثير من مظاهره إلى اللا عقلية . فقد كان من نتائج نجاح فكرة الديمقراطية أن اتجهت الطبقات الحاكمة إلى غزو الحياة العقلية للجماهير وتشكيلها بالطريقة التي تضمن لها استمرار السلطة . فالإنسان في عصر الحرية والديمقراطية ليس في حاجة كبيرة إلى وسائل القرون الوسطى في القهر والاستعباد فقد ابتكر العلم الحديث من الوسائل الخفية على التأثير على الجماهير ما لا يرقى مستواه تعذيب أو إرهاب . فقد وضح أن الإنسان العاقل يختلف عن الحيوان بتميزه بملكة التفكير قد يؤتى من هذه الناحية ومن مأمنه يؤتي الحذر . إذ التفكير مهمة شاقة تكلف الإنسان الشطط وتقلق راحته . ونحن في معظم أوقات حياتنا نحلم أحلام اليقظة ونجتر ذكريات الماضي أو نقلد ولانفكر تفكيرا جديا إلا مضطرين . ومعظم نشاطنا العقلي قوالب جاهزة يصنعها أجماع المجتمع . وقد وضح أن الإنسان في عمومه ميال إلى التقليد سريع إلى تقبل الإيحاء الخفي ومن هنا نجح الشيطان في مهمته في إغراء الناس إذ إنه يوسوس في صدور الناس وكاد المصلحون أن يفشلوا إذ أنهم يصدعون بما أمروا بتبليغه من هداية .
العلم وحرية الرأي :
فحرية الرأي وحرية الاختيار التي هي عماد الشخصية الإنسانية معرضة في عالمنا الحديث ليس فقط لأخطار الكبت والاضطهاد والمصادرة التقليدية التي تقوم على القوة والبوليس , وإنما هي معرضة خاصة في المجتمعات الديمقراطية إلى خطر أخطر وأضل سبيلا وذلك باستغلال استعداد الإنسان للإيحاء والتلقي . وذلك يوحي إلى الجماهير بشتى وسائل الإعلام برأي بعينه لأنه يخدم مصالح معينه . ومن أوحى لك بأمر وجعلك تنفذه فقد أجرم في حقك وإن كنت أنت المجرم الفعلي , ولافرق كبيراً بين هذا النوع من الإيحاء وفكرة التنويم المغناطيسي حيث تنشل قوى الفرد ويفعل مايوحى به المنوم , وواضح أن الموحي يستغل ضعفاً بشرياً عاما لابد من التنبيه إليه إذا أريد للناس أن يحكموا عقولهم لاعقول الأخرين المغرضة . لقد وضع العلم في أيدي المتسلطين وسائل رهيبة في هذا المجال يمكنهم بواسطتها إحداث مايشاءون من انطباعات في عقول ضحاياهم واستغلوا وسائل الإعلام المختلفة التي توحي إلى الناس إيحاء دون عنف وطبقوا في ذلك النتائج الخطيرة التي كشف عنها علم النفس فيما يسمونه بسايكولوجية الأعماق التي بدأ استغلالها أولا في الدعاية للسلع ثم لترويج الحروب وانتهت في بعض الحالات بتغيير عقول الناس فيما يسمونه بغسيل المخ .
العنف والمزيد منه :
إن الاعتماد على العنف لا ينجم إلا المزيد من العنف ,ومستقبل البشرية الآن وعلى المدى البعيد يقبع فيما يظهر على كف عفريت مارد , وليس فيما يظهر خياليا كما كان الشأن بالماضي , بل هو عفريت حقيقي يتمثل بالسلاح الذري . وصنع هذا السلاح وتخزينه يتطلب تمركزا في الاقتصاد والسياسة والحياة العقلية أيضا . وضرورات هذا التمركز تتطلب توجيه الرأي العام الوجهة التي ترتئيها الدوائر الحاكمة والمصالح التي تستفيد من أمانيات المجتمع المادية . وواضح أن التقدم العلمي الآن في معظم صوره وأضخمها نحو عجلة الحرب والتسلط لابد أن يترك كل ذلك آثاره الخطيرة على حياة الأفراد والجماعات .
لقد رأينا بعيوننا كيف تضلل شعوب العلم في وضح النهار بنشر الأكاذيب والدعايات المغرضة . وقد شاهدت بنفسي ماقامت به الدعاية الصهيونية أبان حرب يونيو في تضليل الشعب البريطاني إلى الحد الذي يدفع به إلى العمل ضد مصالحه الحيوية في الشرق الوسط خدمة للمآرب الصهيونية والاستعمارية . ومثل هذا يحدث على نطاق أوسع في أمريكا وغيرها من الشعوب الغربية . ويكفي ماحدث بالأمس من نازية وفاشية وعنصرية .
وكل ذلك لايتم بالعنف وإنما بوسائل الإغراء والتكرار والإيحاء . فقد أحدثت وسائل الأعلام الحديثة ثورة في ميدان التسلية والترقية والتعليم فحسب , بل امتدت في ميدان القيم والنماذج البشرية التي على الجماهير احتذاءها واتخاذها قدوة . وانصرف الجهد إلى التركيز على المظاهر البراقة واللباقة اللفظية وخداع الجماهير بكافة الحيل والأحاييل . واستطاعت عجلة الدعاية أن تخلق من (
الفسيخ شربات ) حتى في أرقى المجتمعات . ولقد تطور فن الإعلان والإغراء وتطورت البحوث التي تجري عن كيفية السيطرة على الجماهير عن طريق التنويم الجماعي بحيث أصبح خطر الديمقراطية بالكيفية التي تدار بها الآن في معظم المجتمعات الحديثة أكثر من نفعها .
الخطر على حقوق الإنسان:
إن الخطر على حقوق الإنسان ينبع في كثير من الأحيان من داخل الإنسان ذاته، ففي النفس البشرية مواطن ضعف كثيرة وثغرات ينفذ منها أصحاب المآرب من ساسة وتجار وغيرهم . ومع أن هذه الحقوق تبدو ظاهرة وبديهية ومفروغ منها وضرورية لإنسان الغاب كما هي ضرورية لإنسان المدينة الحاضرة إنها لم تتأكد إلا في العصور الحديثة . ومن هنا احتاج الإنسان إلى أن يتعلمها ويتدرب على ممارستها .
ومادامت غاية المجتمع الحديث خلق جنّة على الأرض يجد فيها جميع البشر الشبع والري والكساء والسكن فإمكانيات العلم الحديث الذي سخر طاقات الطبيعة لخدمة الإنسان لا تقف في هذا السبيل عند حد . لقد كانت جمهرة البشرية في ماضيها القريب تكدح طوال حياتها من أجل لقمة العيش وتهلك دون بلوغ غايتها . ولذلك كانت مشغولة بعذابها عن التفكير فيما سواه . واختلف حال البشرية الآن وكفلت وسائل الحياة الحديثة للجماهير مستوى أعلى من الحياة ووفرت كثيرا من الوقت الذي كان يستغرقه الكدح اليومي . وبذلك واجه الرجل العادي مشكلة الفراغ الصحراوي في حياته .
وقد فتحت إمكانيات الحياة الحديثة أمامه الفرص للاغتناء وإشباع كثير من الرغبات التي لم يكن يجد من وقته وإمكانياته مايستطيع به إشباعها . ولكن هذه الرغبات الحسية لا تشبع ومهما أغرق فيها بحيث تصبح حلقة مفرغة لايدري أين طرفاها . فالمتع الحسية لاتنتهي . والإنسان في ذلك كالحيوان تنظم دورته البيولوجية غريزة متحكمة تضبط نشاطه وتحدد مداه . بل هو يعتمد في توجيه عواطفه على عقله وقد رأينا أن التطور العقلي والروحي مواجه بخطر كبير من جراء تطورنا المادي فمن هنا نلحظ هذا الإسراف في إهدار طاقات البشر في المتع الحسية التي أفاءتها علينا الحياة المادية الحديثة .
وكان من آثار ذلك أن أصبحت أهداف الناس محصورة في تحسين أحوالهم المادية فغاية الجميع الثراء والكسب المادي , وأصبح المال رأس كل قيمة واستوى إلهًا معبودا يخضع كل شيء من أجله . ولكنه إله من قش . إذ قيل منهومان لايشبعان طالب علم وطالب مال . وقد وضح أن الجنة الموعودة على الأرض لم تشبع كل طموحات الإنسان بكل أموالها وملذاتها ومتعها الحسية - فماذا بعد أن يشبع الإنسان جنسه ورغبته في المال وما إليه ؟ هل يستمر في الحلقه المفرغة التي لاتنتهي والتي يعقبها اليأس والقنوط والانتحار ؟
= يتبع الخطر المحدق على البشرية :