إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الأثر العربي في خرافات لافونتين

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الأثر العربي في خرافات لافونتين

    مقدمة
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين هادي الأمة ،ومزيل الغمة ،وعلى آله وصحبه وسلم .
    أما بعد
    فمن المعرفات أن الخرافات موجودة في كل شعب ، وهي تعد من التراث الشعبي المخزون للشعب نفسه . وقد وجدنا في أدبنا القديم قصص وحكايات على ألسنة الحيوانات والنباتات ، وسمعنا من أجدادنا وجداتنا حكايات خيالية على ألسنة حيوانات غريبة قد لا يكون لها أساساً في الوجود ،وحيوانات موجودة وتحمل رموزاً تعبيرية ،تعكس ما يعانيه الواقع من ظلم وجهل واستبداد و...،.فكل هذا قادني للبحث عن ماهية الخرافة ،ولماذا يقال أن لافونتين هو الرائد الأول لهذا العلم ،وما علاقته به ؟وبالرغم من كل هذا تسألت هل هذا الفن موجود في أدبنا العربي، وإن كان موجوداً فهل تأثر به لافونتين أم لا ؟ولماذا تأثر أحمد شوقي بلا فونتين متناسياً تراثنا العربي ، فكل هذه الأسئلة قادتني إلى عمل هذا البحث ، لعله يجيب عما يدور في نفسي من تساؤلات ..
    وقد سار هذا البحث بمقدمة وتمهيد وثلاثة فصول ،ثم ختمته برؤيتي النقدية ، وبأهم المراجع ..
    أما المقدمة : فقد عرضت فيها تساؤلاتي حول موضوع الحكايات الخرافية .
    أما التمهيد: فقد وضعته بعنوان (معنى الخرافة وتعريفها )، وتحت هذا العنوان تحدثت عن عدة أشياء منها: معنى الخرافة ووظيفتها ونشأتها وخصائصها ،وذيلت ذلك ببعض الحكايات الخرافية..
    أما الفصل الأول : فهو بعنوان (الخرافة في أدبنا العربي )وهذا الفصل إنما جئت به حتى اثبت بأننا عرفنا الخرافات قبل الغرب ـ، عرفناها على شكل أمثال تحوي في طياتها قصص ذات مغزى ،وأكبر دليل على ذلك اعتراف لافونتين نفسه بأنه تأثر بحكايات عربية سابقة ، ولكنه حورها بعد ذلك بأسلوبه ؛وهذا ليس تعصباً لأدبنا العربي وإنما هي حقيقة أردت أن أتوصل لها.
    أما الفصل الثاني : فهو بعنوان (لافونتين شاعر المنظومات الخرافية ) وفي هذا الفصل حاولت أن أجد إجابة لبعض التساؤلات التي تركتها في بداية المقدمة حيث إن لافونتين يعد رائداً في الحكايات الخرافية ،التي جعلها تحمل ألواناً رائعة الجمال ، فقد ألبسها ثوباً جدياً كلله بأسلوبه الفني الجميل .
    أما الرؤية النقدية فقد كانت عبارة عن الحصيلة التي خرجت بها من هذا البحث ، والنتائج التي توصلت لها سواء أكانت نتائج سلبية أم إيجابية .
    وختمت ذلك بقائمة المراجع التي كانت قليلة ، حيث إن الوقت لم يسعفن للبحث عن مراجع أخرى ، وكل مراجعي في البحث إنما حملتها من الإنترنت..
    تمهيد
    معنى الخرافة وتعريفها
    لكلمة خرافة معاني متعددة منها 1)أنها قصة حيوانية لامغزى لها،وأنها قصة حيوانية لها مغزى خلقي ، وعندئذ تساوي موعظة ،وأنها قصة خيالية بوجه عام فتكون بذلك أعم من قصة حيوانية.
    والمعنى الأدبي والاصطلاحي الذي يكاد يتفق عليه معظم الكتاب والنقاد هو أنها قصة حيوانية ، يتكلم الحيوان فيها ، ويمثل مع احتفاظه بحيوانيته ولها مغزى .حيث إن دور البطولة لا يقتصر على الحيوان وحده ،بل يقوم بدور البطولة فيها الطير والنبات والجماد والإنسان .وهنا يطرح سؤال نفسه وهو :لما نسبت إلى الحيوان على وجه الخصوص؟والجواب هو لأن الحيوان موضعه فيها أبين من غيره ، والقصة التي وردت عنه أكبر عدد ، وأبطال هذه القصة سواء أكانوا من الحيوان أو غيره ليسوا إلا رموزاً لأشخاص حقيقيين .
    فالخرافة هي جنس أدبي قائم بذاته له خصائصه الفنية ،التي تميز عما سواه ،ومقياس البراعة فيها مراعاة النسبة بين الرموز التي يتخذها المؤلف من حيوان وغيره ، وبين ما ترمز إليه من أشخاص حقيقيين ،بحيث يكون القناع الذي تستره وراء هذه الأشخاص غير كثيف ،حتى لاتختفي الغاية الرمزية من القصة ،ولهذا لا يجب أن لا يغيب عن ذهن المؤلف الأشخاص الموجودة حين يكلم عن أشخاصه المستعارين ، بحيث تكون أكثر الصفات التي يذكرها يمكن أن تطبق على كليهما في وقت معاّ..(1)
    وهي ــ أيضاً ــ شكل أدبي تلتقي فيه ظاهرتان للطبيعة الإنسانية،الظاهرة الأولى : ظاهرة الميل إلى الشيء العجيب،والظاهرة الثانية:ظاهرة الميل إلى الشيء الصادق الطبيعي ،فحيث تلتقي هاتان الظاهرتان توجد الحكاية الخرافية،بشرط أن تجمع بينهما علاقة صحيحة ،فإذا لم توجد هذه العلاقة الصحيحة فقدت الخرافة سحرها ، والجمع بين الظاهرتين يتوقف على ذوق الكاتب ومهارته . فهي إذاً نوع من أنواع الأدب الشعبي ، تعبر عن مشكلات الإنسان ، وتحقق له رغباته وآماله(1) .وتزيل الغبار عن تراث الشعب وتصوراته ومعتقداته وعادته .لأنها حكايات ذات طابع خلقي وتعليمي في قالبها الأدبي الخاص بها .
    أما عن نشأتها فقد مرت بمرحلتين هما :المرحلة البدائية ،والمرحلة الفنية.
    1. المرحلة الأولي : المرحلة البدائية :
    حيث أعاد الباحث الألماني (فريد ديرلاين ) (2)الحكاية الخرافية الشعبية إلى ديانات الشعوب القديمة،مثل الروحانية و...،وانتهى الكاتب في بحثه إلى أنها تكونت في بدايتها من أخبار مفردة ، نبعت من حياة الشعوب القديمة وتصوراتهم ومعتقداتهم ،ثم تتطور هذه الأخبار واتخذت شكلاً فنياً على يد القاص الشعبي ،وأصبح لها قواعد وأصول محددة .
    2. المرحلة الثانية:المرحلة الفنية :
    وهذه المرحلة هي ما يسمونها بمرحلة مابعد طور النشأة ، فالبعض يرى أنها يونانية الأصل ،حيث إنها عرفت بحكايات (ايسوبوس) في القرن السادس قبل الميلاد.والبعض الآخر يرى أنها هندية الأصل ، فالهند أسبق إلى هذه الحكايات من اليونان ، وهذا ما وجدوه في كتاب (جاتاكا) الذي فيه حكايات كثيرة عن أنواع وجود (بوذا) في صور الحيوانات والطيور . وبعض آخر يرى أن نشأتها مصرية ، حيث إن بعض الحكايات المصرية القديمة كانت على لسان الحيوان من أمثال حكاية (قصة السبع والفأر التي وجدت على ورقة بردي)(1)التي يرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد . فإذا كانت هذه الحكايات موجودة فعلا في نفس ذاك القرن فهل نستطيع القول مانع إنها هي ــ الحكايات المصرية ــ التي أثرت في هذا الجنس في الأدبين الهندي واليوناني معا.
    وقد احتدم الصراع بين طائفتين من الذين جمعوا الحكاية الخرافية الشعبية ،فالطائفة الأولى تحرص على تدوينها من أفواه الشعب ،وتمثل هذه الطائفة ( يعقوب الجرم ) الذي يذهب إلى أن الأدب الشعبي المكتمل يؤلفه الفرد الشعبي ،وليس هناك أدب شعبي ؛ولكن هناك أديب شعبي ، وهذا الأديب ينسى اسمه لأنه يخرج من الشعب معبراً بأدبه عن روح الشعب ، ومحاولاً أي يُقرب مايؤلفه للشعب ،ويرى أنه ينبغي أن تُنقل الحكاية الخرافية كما هي ؛حتى لا تفقد قيمتها الحقيقة الصادقة التي بسببها صارعت الزمن وعاشت حتى اليوم . والطائفة الثانية يجمعونها ويضعونها في ثوب فني يُطل منه الأسلوب الذاتي ، وتمثل هذه الطائفة ( أخيم فون أرنيم ) .
    ومع هذا الاختلاف بين الطائفتين ، إلا أننا نلمس دافعاً روحياً نشأت عنه الحكاية الخرافية ،وهو اتجاهها الأخلاقي ، فهي تكافئ الخير بخيره ،والشرير بشره ، وتصور إعجاب الإنسان بكل ما هو عجيب وسحري ، فهي لا تصور علاقة الإنسان بعالمه الخارجي فحسب ،بل تصور صراعه مع عالمه الداخلي أيضاُ ، فتوقع الإنسان الشعبي وطموحه لحياة يسودها العدل ، والحب هو الدافع الروحي التي تنبع منه الحكاية الخرافية الشعبية .
    ومن خلال نشأتها توصلنا إلى أن الخرافة ركيزة أساسية في حياة كل شعب حيث إنها :
    1. تحقق للإنسان الشعبي حياة العدالة التي يحلم بها .
    2. تقدم بوسائلها الخاصة جوابأ شافياً عن السؤال الذي يدور في ذات الشعب عن مصيره، وكأنما تريد أن تقول هكذا ينبغي أن تعيش خفيفاً متفائلاً متحركاً مغامراً ، مؤمناً بالقوى السحرية في عالم الغموض الذي تعيشه ، فهي تحول كل ماهو ثقيل وخفي إلى أشكال خفيفة مرئية متساوية عن طريق التلاعب الحر . وهذه الوظيفة ــ أظنها ــ تأتي استجابة لحاجات نفسية واهتمام روحي محدد .
    ولأنها تغوص في أعماق الخيال فقد اتسمت بعدة مميزات جملناها في الآتي:
    1) التسامي :فهي تسمو بشخوصها بحيث تفقدها جوهرها الفردي ،وتحولها إلى أشكال شفافة خفيفة الوزن والحركة ،فالأميرة تختفي في بيضة،وتارة يقتل السلطان أخته فتنبت نخلة،وتارة تتحول الأميرة إلى حمامة وهكذا .فهذه الخاصية ميزتها بالمقدرة على امتلاك الحياة والتعلق بها لا النفور منها.
    2) الأسلوب التعبيري، فأسلوبها التعبيري انعزالي تجريدي ، حيث تقف وجها لوجه أمام عالمنا الواقعي.
    3) أشخاصها لايمكن أن يعيشوا إلا في عالمنا الواقعي ، لأنها تعد انعكاساً لمثل الإنسان النظرية ، فهي تعرف الجن والغيلان والنساء الساحرات والمردة ،وتعرف الحيوانات الغربية والطيور ، وتعرف الموتى في العالم السفلي .
    4) أحداثها تبدوا منعزلة عن بعضها البعض ، ومن أمثل ذلك حكاية زوجة الأب القاسية التي تضع أمام ابنة زوجها المسكينة كومة من الحبوب المختلطة،وتلزمها بفرز هذه الحبوب عن بعضها البعض بفترة وجيزة من الوقت، لكن الطيور الخيرة تأتي لتساعدها في هذه المهمة القاسية،بحيث إنها تنجز هذا العمل في ميعاده المحدد ،وتعجز زوجة الأب عن تفسير ذلك،بل إنها لم تحاول أن تفسره ، فتعيد الحدث نفسه وكأنه كان معزولاً عما قبله ، وتطرح أمام البنت المسكينة كومة أخرى لتفرزها .
    5) انعزالها عن الزمن ،فالأميرة تنام مئة عام ،وتصحو وهي شابة جميلة ،وكأنها لم تكبر يوماً واحداً .
    6) انعزالها عن المكان وعن الأهل وعن الأقارب .
    7) الصراع الداخلي الذي يكون بين البطل وبين شخصية أخرى تظهر فجأة في الحكاية، وتحاول منع البطل من الوصل لما يريده ،ولكنه في النهاية يتغلب عليها ويصل لتحقيق هدفه،ومن أمثلته حكاية الفتاة التي خطفتها الساحرة ــ الجنية ــ وأسرتها في قلعة وراء البحر ، وبينما كانت هي في الأسر كانت تغني فاقترب منها الأمير الجميل وسمع غناءها ...،ودارت بينهما قصة غرام ،لكن الساحرة كشف الأمر فطردتها وتركتها تطير إلى قلب الفضاء محلقة بسحابة ، فسقطت في مكان يخلو من البشر وغنت فيه ، فتحسس الأمير الذي أصابته الجنية ــ الساحرة ــ بالعمى صوتها ،ووصل إليها فبكت الفتاة وسقطت دموعها على عيني الأمير ، فشفي من العمى ،وتزوجها وعاشا في سعادة وهناء .
    8) التشخيص : وهذا نستنتجه من الحكاية الخرافية نفسها ،فالعذاب الذي تحتم على الفتاة ــ كما في الحكاية السابقة ــ ما هو إلا تشخيص لذلك الصراع النفسي الذي تخوضه أي فتاة حتى تحقق ذاتها ، وشخصيتها الموحدة الكاملة وتتحرر من قيود الأبوين .
    9) الرمز : ومن الرموز التي احتوت عليها الحكاية الخرافية ماهو أدبي ومنها ما هو نفسي ،وتتوقف وفرة الرموز فيها على المرحلة التي دونت فيها .
    أ‌- الرموز الأدبية : من الصور المألوفة فيها أن المرأة في وسعها أن تحول الرجل الممسوخ في صورة حيوان إلى رجل تتزوج به وذلك عن طريق الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة . ويعلق الكاتب الرومانسي ( نوفاليس ) على ذلك بقوله : "إن الإنسان إذا انتصر على نفسه ؛فإنه يتغلب على الوجود ،فإذا بعالم السحر يبدو أمامه ،إن الدب يتحول إلى أمير جميل في اللحظة التي يلقى فيها الحب والرعاية " (1) .
    فالرجل الممسوخ بأي شكل من الأشكال الغير إنسانية ،هو الرجل الغريب المهدد المطرود من مجتمعه في وسعه أن يستعيد ملامحه إذا وجد المرأة التي تمنحه الحب الصادق ،فتجذبه إليها ،فإذا به يصبح مخلوقاً جديداً وكأن سحراً رائعاً خلصه من عذابه وآلامه .
    ومن الصور الأدبية أيضاً صورة الشيء المحرم الذي لا يحق للبطل أن يقترب منه ،كأن يُحرم الزواج على زوجته التي وفر لها كل أساليب الراحة والغناء والرفاهية ،إلى درجة أن يطرح أمامها كنوز الدنيا من ذهب وفضة ،ويحرم عليها أن تفتح غرفة بعينها في البيت التي تسكنه ،بعد أن أعطاها مفاتيحها، ولكنها لا تلبث أن تفتحها ؛فيلتصق المفتاح في يدها ولم تستطع فصله عنها ،ثم ينكشف أمرها لزوجها ،وإذا بها تفقد كل شيء ، ويعود عليها ذلك بالحسرة والندم .
    ب‌- الرموز النفسية : هذه الرموز حضيت باهتمام علماء النفس على وجه الخصوص ؛لأنهم وجدوا فيها صدى لتجارب النفس الداخلية ،أي كما يحدث في الأحلام حينما يتخذ اللاشعور فيها شكل رموز .
    وربما كان من المألوف أن الطفل البطل يظهر له ساعة بأسه رجل أو امرأة عجوز تقدم له النصح وتبدي له المعونة ،وقد يظهر له حيوان خير يتحدث له ،ويقدم له المساعدة اللازمة له في مغامراته الجديدة .
    الفصل الأول
    الخرافة في أدبنا العربي
    الخرافة من الفنون الفطرية التي تنشأ فطرية في أدب كل شعب (1)ثم تأخذ في الارتقاء على المرتبة الأدبية فتتبادل الصلات مع الآداب الأخرى،ويكاد يجمع الدارسون ــ ونحن ــ على أن الشرق هو منشأ الخرافة .ولكنهم اختلفوا في البيئة الأولى التي ظهرت فيها ، ويتمثل الخلاف في ترجيح مصر أو بابل أو الهند مكاناً لنشأة الخرافة .. ولكن الكثير من العلماء الأوروبيين يرون أن الخرافة الهندية هي مصدر الإلهام لما كتبوا في الخرافات في الآداب الأوروبية الحديثة ومنهم لافونتين ، ونحن معهم في وجهة نظرهم هذه .
    وما يهمنا في هذا الإطار هو نشأة الخرافة في أدبنا العربي ، حيث إنها قديمة النشأة فيه ،جاءت في كتب الأدب طائفة متفرقة منها وكانت على هيئة أمثال ولكنها ذات مغزى تحمله في طياتها ..ومن أمثلتها قصة (ذات الصفا) التي جاءت لتفسير هذا المثل ( كيف أعاونك وهذا أثر فأسك )(2)الذي يعد من أمثال العرب المشهورة .وأصل هذا المثل ما حكته العرب على لسان حية أن أخوين كانا في إبل لهما ، وكان بالقرب منهما وادٍ خصيب،وفيه حية تحميه من كل أحد ،فنزل أحد الأخوين الوادي كي يرعى إبله مع أن أخاه قد حذره من مخاطر النزول ، ولكنه قرر ونزل وبعد فترة من الزمن نهشته الحية فقتلته ، وهذا أثار جنون الأخ الثاني فتوعد بقتل الحية أو أن تقتله هي ، فنزل الوادي وطلب الحية ليقتلها ،ولكن الحية بحيلتها الذكية طلبت منه الصلح بأن يبقي في الوادي وتعطيه كل يوم ديناراً ،تعويضاً عن قتل أخيه ..فقبل الأخ لعرضها المغري لأنه كان فقير اً ، ولكنها طلبت منه أن يحلف لها ويعطيها المواثيق بأنه لن يضرها ففعل لها ذلك .. وكانت تعطيه كل يوم ديناراً ،فكثر ماله وصار من أحسن الناس حالاً ، وبينما هو ينعم بالأموال تذكر أخاه ،وقال : كيف ينفعني العيش وأنا انظر إلى قاتل أخي ؟ثم توعد بقتل الحية فأخذ فأساً ولما حضرت الحية تبعها فضربها ، ولكنه لم يقتلها بل أصابها في حجرها ،وهي بدورها قطعت عنه الدينار كردة فعل على ما عمله معها ، فخاف الأخ من شرها وندم على فعلتها معها ،فقال لها هل لك أن نتواثق ونعود عل ما كنا عليه ، فقالت "كيف أعاودك وهذا أثر فـأسك " فأصبح هذا القول مثلاً يضرب لمن لا يفي بالعهد ..
    وقد نظم النابغة الذبياني هذه القصة شعراً (1)والقصة شعراً أو نثراً من قصص المواعظ التي رويت على ألسنة الحيوان ،وهي جاهلية كما يبدو في صورتها وفي بيئتها ...، ومن أمثلة القصة السابقة التي تحوي في طياتها مثلاً ذا مغزى ، قصة الثعلب والعنقود ، وهذه القصة قد دونت شعراً بقول أحدهم :
    أيها العـــــائب سلمى
    أنت عندي كثمالة
    رام عنقوداً فلمــــــــــا
    أبصر العنقود طاله
    قال هذا حامضُ لما
    رأى ألا ينــــــــــــاله
    فالمثل التي تحويه هذه القصة جاهلي (أعجز من ثمالة عن العنقود ) وقصته جاهلية أيضاً، أما صياغة القصة شعراً فيبدوا أنها صيغت في العصر الإسلامي . فتلك القصص المروية على ألسنة الحيوانات تبدو أنها من إنتاج العقلية العربية .ويرجع تاريخها فيما يبدو إلى العصر الجاهلي .وهناك قصص اتصلت بالتراث العربي منذ زمن بعيد(2) ..
    فقد أخذت الخرافة تتخذ شكلاً فنياً في الأدب العربي منذ القرن الثاني الهجري .عندما ترجم ابن المقفع كتاب كلية ودمنة عن الفارسية إلى العربية ، بعدما كان قد ترجمه الفرس عن الهندية ..
    فالخرافة في الأدب العربي كانت ذات صلة بأدبنا ، فقد وجدناها قبل كتاب كليلة ودمنة إما شعبية فطرية تشرح ما سار بين عامة العرب من أمثال ،كما في جمهرة العسكري ، والأمثال للميداني ،وإما مقتبسة من كتب العهد القديم ،أي ذات طابع ديني متصل بالعقائد،كما في قصة الحمامة والغراب المروية (1)عن أمية أبي الصلت ،وذلك أن نوحاً بعث غرابً لينظر في الأرض ،هل غرقت البلاد؟ويأتيه بالخبر،فوجد جيفة فوقع عليها ، فلذلك لايألف الناس ويضرب به المثل في الإبطاء ،ثم بعث الحمامة لتنظر هل ترى في الأرض من موضع ،يكون للسفينة مرفأ، واستعجلت على نوح الطوق الذي في عنقها ،وعندئذ أعطاها الله تلك الحلية ،ومنحها تلك الزينة ،بدعاء نوح عليه السلام ،حين رجعت إليه ،وفي رجلها آثار الطين ، فعوضت من ذلك الطين خضاب الرجلين ،ومن حسن الدلالة والطاعة طوق العنق .وليس هذه الحكاية فقط التي وجدت في أدبنا العربي ، بل هناك العديد من الحكايات الخرافية التي وجدت ومنها :قصة الباز والديك التي يرويها خلاد بن يزيد بن الأرقط عن أبي أيوب بقوله (2):يحكى بأن حيوان الباز قال يوماً للديك :ما في الأرض شيء أقل وفاء منك ،قال وكيف ؟قال أخذك أهلك بيضة فحضنوك ،ثم خرجت على أيدهم فأطعموك على أكفهم ،ونشأت بينهم ،حتى إذا كبرت صار لا يدنو منك أحد،إلا طرت ها هنا وها هنا ،وضججت وصحت ،وأخذت أنا من الجبال مسناً،فعلموني وألفوني ،ثم يخلي عني ،فآخذ صيدي في الهواء ،فأجي به إلى صاحبي ،فقال له الديك :إنك لو رأيت من البزاة في سفا فيدهم مثل ما رأيت من الديوك لكنت أنفر مني .
    نخرج من هذا بالقول إن الخرافة لم تكن بمعزل عن أدبنا العربي قديمه وحديثه ،بل قد عرفها الأدبي العربي بكل أنواعها ،ولكن البدايات الأولى كانت معروفة لديهم على شكل أمثال عربية تحوي في طياتها قصصاً خرافية ذات مغزى ..
    الفصل الثاني
    لافونتين شاعر المنظومات الخرافية
    هو جان دي لافونتين Jean de La Fontaine علم من أعلام الشعر الفرنسي ،وجد في القرن السابع عشر ،مع نخبة من أدباء فرنسا المشهورين،من أمثال :موليير وراسين وبوالو الذين استطاعوا هم ولا فونتين أن يتركوا أثراً بالغاً في نهضة الأدب ،طرق فنوناً أدبية متنوعة من أمثال : نظم الشعر في مختلف الأغراض من مدح وهجاء وغزل ورثاء ووصف وشعر ديني وشعر تعليمي ،ونظم مجموعات من الحكايات والقصص ، وكتب الخطب والرسائل ،وكتب التمثيلية والأوبرا .ولكن الفن الذي اقترن باسمه وخلد ذكره ، وكان سبب شهرته في العالم أجمع هو فن (الخرافة ) .وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال وهو لما فن الخرافة هو سبب شهرته ؟والإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا العودة إلى حياة لافونتين الأولى لعلنا نجد هناك إجابة شافية ..
    فأسباب تفوقه ــ كما يقول المترجمون لأعماله ــ تعود إلى أنه أمضي طفولته وصدر شبابه في مقاطعة شاتو تياري إحدى مقاطعات فرنسا،لاهياً متجولاً في الغابات الملكية التي كان والده يتولى الإشراف عليها .فأتاحت له هذه النشأة العيش في أحضان الطبيعة ،والتعلق بها ،وتأمل كائناتها ،وخاصة الحيوانات التي كان يميل بطبعه إلى مراقبتها في جو شاعري حالم كشف عن موهبته الأدبية التي سعى هو نفسه إلى تنميتها ..
    درس القانون ، وتخرج من كلية الحقوق ، ثم انتقل إلى باريس منبع الثقافة والفكر ليكون على مقربة من الأدب والأدباء حتى ينمي ميوله الأدبي ،وفي باريس عاش بلا عمل ينتقل بين عشاق الأدب من الوجهاء والنبلاء ،ويخالط أدباء عصره من مثل راسين وموليير وبوالو .ثم طالع أدباء عصره بإنتاجه الأدبي المتنوع قصائد و خطب رسائل وحكايات وقصص وتمثيليات التي لفت إليه الأنظار ،وظفر بالتقدير والإعجاب .
    أما( خرافاته) فلم يشرع في كتابتها إلا في سن السابعة و الأربعين من عمره ،بعد أن تم نضجه وتكوينه ،وقد صدرت خرافاته قي ثلاث مجموعات تضم اثني عشر كتاباً ما بين عام (1668 ـــ 1694 ) وقد أهداها إلى ولي عهد لويس الرابع عشر ..فهو لم يكن مخترعاً لفن الخرافة بل استفاد من كل من سبقه من أمثال (إيسوب اليوناني )و(فيدر اللاتيني) و(بيدبا الهندي) ومن أدباء الخرافة الفرنسيين ،في القرون الوسطى وفي القرن السادس عشر من أمثال مارو ورابولية ، ومن الكتابات المختلفة في الخرافة عند الأمم القديمة ..لكن طالما لافونتين استفاد ممن سبقه وممن عاصره فلماذا ذاع سيطه ؟وما الجديد الذي أتي به ؟ وما مميزاته ؟؟صحيح أنه استفاد ممن سبقه وممن عاصره ولكنه وسم كل ما أخذه بطابع فنه ،وهذا هو سر عبقريته ونبوغه .وقد وضح هذا السر في تفوقه ونبوغه بقوله :
    بعض المقلدين أعترف أنهم كالحمقى من المغفلين
    إذ يتبعون ( مانتو )(1) تماماً كالأغنام
    إنني أتصرف على وجه آخر فحينما يؤخذ بيدي فانقاد
    كثيراً ما أسير وحدي سعياً وراء السداد
    سترون أنني أفعل مثل هذا على الدوام
    فما كان اقتدائي أبدا بعبودية واستسلام
    لا آخذ غير الفكرة والطريقة والقانون
    فهذا هو سر لافونتين ، يأخذ الطريقة ممن سبقه لكنه يأتي بمهج جديد يطبق به طريقة جديدة تماثل طريقتهم وتختلف في السمة الفنية الغالبة عليها..أي إنه كان باحثاً عن الجانب الإبداعي فيما يأتي به ...
    فلا فونتين طور الخرافة إلى عمل فني متكامل العناصر ، أراد من خلاله إلى تحقيق شيئين هما : التثقيف والمتعة الفنية ..فهو كما يرى أن الخرافة تتكون من شيئين هما : الجسم والروح .فالجسم هو الحكاية أما الروح فهي المعنى الخلقي للحكاية .ولكي يشف الجسم عن الروح لابد من إجادة تصويره تصويراً يثير كل ما للروح من خصائص فنية وجمالية ..
    وهنا نعود لسؤالنا السابق الذي يقول : ماهو الجديد الذي أتي به لافونتين ؟؟ وللحديث عن الجديد الذي أتي به لافونتين نقول وباختصار شديد ، طريقة التناول اختلفت عن طريقة من سبقوه ،فقد تناول الموضوعات التقليدية التي تناولها سابقوه في كتبهم بطريقة جديدة ،كيف ؟؟بث فيها الحياة والقوة والجمال ،وغمرها بطبعه الفني وذوقه الأدبي، وعاطفته القوية ،ونكته الحلوة الرقيقة ،وسخريته اللطيفة ،وملاحظاته الدقيقة ،ومقدرة على الغوص إلى أغوار النفوس والإحساس بالواقع ،فهذا هو لافونتين الخيالي الساحر الذي استطاع أن يقدم لوحة فنية جملية للمجتمع الفرنسي وللمجتمع الإنساني ،ولم يقتصر تجديده على التناول فقط ، بل شمل تجديده القالب والصياغة ،فقد أفرغ كل الموضوعات القديمة في قوالب متنوعة كالقصة أو التمثيلية أو أن يجعل منها موقفاً نقدياً ،أو تصويراً للحيوان والإنسان والطبيعة.
    ومن خلال ما قدمناه عن لافونتين نستطيع لأن نصل للإجابة عن السؤال التالي : ما سبب إقبال أدباء العربية على خرافات لافونتين بالنقل والترجمة حيناً وبالاقتباس والتقليد حيناً آخر ، على الرغم من وجود فن الخرافة في أدبنا القديم ، وعلى الرغم من أن آثارنا في هذا الفن كانت مصدراً من مصادر لافونتين نفسه؟؟والإجابة تتمحور في ثلاثة عوامل هي :
    1. الإعجاب : فما عمله لافونتين أثار إعجابهم فسعوا إليه .
    2. النفع : وهذا العامل يتمثل في رغبة الأدباء العرب في اتخاذ أنجح الوسائل وأكثرها تشويقاً في النفس .
    3. الرغبة : أي رغبة الأدباء العرب في أن يحببوا العرب في الأدب الفرنسي.
    ومع متابعة الإبداع الذي جاء به لا فونتين نستطيع القول بأنه يستحق كل ذاك الاهتمام ، لأنه أتي بما لم يأته غيره ،فهو جسد حكاياته بثوب أدبي يشع منه الروح والذوق الفني..
    ونأتي الآن لأن نجمل المميزات والسمات التي امتازت بها خرافات لافونتين وهي :
     حرصه الشديد على تصوير شخصياته بصور حية قوية ،مع أدق صفاتها المثيرة للفكرة .
     حرصه الشديد على تطوير شخصياته تطويراً نفسياً على حسب الحدث في الحكاية بشكل درامي .
     يتحدث في أثناء الحكاية عن الوصف المتصل بالحدث وتأثيره في حال في حال شخصياته الرمزية ..
     مراعاته للواقع في رسم الصورة الخلقية ،ليزيد شخصياته حياة وقوة .
     لم يلجأ إلى تصوير الخلق المثالي الذي يعز وجوده في الواقع كحكاية ( الذئب والحمل ) الذي صور فيه بطش القوي بالضعيف .
     تكشف حكاياته عن النقائض وفيها يبرز المعنى الخلقي حياً مجسماً.
     تطور الحدث والشخصيات تطوراً محكماً ،بحيث تؤدي كل جملة و وكل كلمة وظيفتها الفنية في إطار الحكاية العامة ..
    الفصل الثالث
    تأثر شوقي بلا فونتين
    قبل أن نبدأ الكلام عن تأثر شوقي بلا فونتين لا بد أن نشير إلى أول من سبق شوقي تأثراً بلافونتين، فمن هو الذي تأثر بلافونتين قبل شوقي وكيف تأثر به ؟ الذي تأثر به هو محمد عثمان جلال مؤلف كتاب ( العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ ) وهو أول عمل أدبي قام بنقله عن الفرنسية ، قام بترجمة مائتين حكاية إلى اللغة العربية نظماً، ووقع اختياره على بحر الرجز السهل الحفظ (1) . لكن عندما وضعت مقارنة بين ما عمله محمد عثمان جلال وبين خرافات لا فونتين توصلوا إلى :
    1. أنه لم يكن مترجماً للخرافات بالمعنى الحرفي للترجمة ، بل نقلها بتصريف يتفاوت مقداره من خرافة إلى خرافة ..
    2. أن مصريته قد غلبت عليه ، وظهر ذلك واضحا من خلال استخدامه للأمثال الشعبية المصرية ، والتعبيرات المصرية .
    3. مزجه بين مصدره الرئيسي في الخرافات وبين خرافات لا فونتين ، وبين مصادر أخرى عربية استقى منها المغزى الخلقي كالقرآن الكريم ،والحديث النبوي ،وأشعار العرب وأمثالهم ..
    4. تعددت الأوزان التي استخدمها تعدداً كبيراً ،فأحياناً يكتب في قافية موحدة ، وأحياناً أخرى يكتب في المزدوج .
    5. عدم اقتصاره على خرافات لافونتين ، ولكنه نقل من الشعر العربي ،وتاريخ العرب ،وأمثالهم حكايات عربية خالصة ..
    فعثمان جلال ـــ ومهما كانت الأخطاء التي وقع فيها ــ فهو الرائد الأول بنقل مثلما نقل إلى لغتنا العربية ـ وهذا فضل يحمد له ..وبعده ألف إبراهيم العرب كتاب خرافات على لسان الحيوان اسماه (آداب العرب)وهو شعر سار فيه على طريقة لافونتين .(1)
    ووصلنا أخيراً لأمير الشعراء أحمد شوقي ، فكما اجتذبت حكايات لافونتين محمد عثمان جلال فقد اجتذبت أحمد شوقي ، الذي بعث إلى فرنسا فاطلع على آثار أعلام الشعر الفرنسي من أمثال لافونتين وفيكتور هيجو ولامرتين والفريد دي موسيه ، ووقف على الفرق الشاسع بين شعرهم وبين الشعر العربي في عصره ، ويعد من أعظم من برع في الحكايات الخرافية في أدبنا العربي ، حيث جارى في فنه هذا لافونتين ..وقد اتسمت خرافاته ببعض السمات الفنية منها :
    1. أضفى روح الفكاهة على خرافاته ، وهذه السمة تعكس جانباً أصيلاً في شخصيته .
    2. تميز أسلوبه بالسهولة والبساطة في الصياغة و التعبير .
    3. كتابته باللغة العربية السهلة .
    4. كان يهدف من خلال حكاياته إلى تثقيف الأطفال .
    5. اتبع لافونتين في إيراد الحكمة من الحكاية في كل حكاية ،ولكنه كان يأتي بها في المقدمة محتذياً بذلك طريقة لافونتين أو في النهاية وهذا الجديد الذي خالف به لافونتين .
    6. حكمة في حكايات كانت سهلة الإدراك واضحة المرمى ، حتى يستطيع الأطفال أن يدركوها بسهولة ويسر ..
    فشوقي يعد رائداً في تطور هذا الفن، وفي أخذه ألفاظ مناسبة وسهلة تتناسب مع عمر الأطفال..
    طريقة تأثر شوقي في حكاياته :
    من خلال متابعاتي لتأثر شوقي في حكاياته وجدتها على ثلاثة أنواع هي:
    1. التأثر المباشر من لافونتين :
    حيث أفاد منه في طريقة البناء الفني للحكاية ،وقد اعترف بقوله "وجريت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب لافونتين الشهير "(1).ولم يقتصر شوقي في تأثر بــــ (لافونتين)على النواحي الفنية ،بل تأثر به في مضمون كثير من حكاياته ،ولكنه لم يترجمها
    2. التأثر غير المباشر بكلية ودمنة :
    حيث نلمح أثراً ضئيلا لكليلة ودمنة في قصص شوقي ، ولكن أردن أن نشير إليه حتى ولو كان بسيطاً، فهو يعد من أحد المصادر التي تأثر بها شوقي في حكاياته.
    3. التأثر غير المباشر بالأدب العربي :
    تأثر شوقي بالحكايات العربية ذات الأثر الديني من مثل ( سفينة نوح )،فهذا ما صرح عنه في كتب ، ولكنه لم يقل بهذا الأثر وإنما لاحظنا ذلك من خلال حكاياته ، ففيها تداخل مع بعض القصص التراثية الدينية القديمة...ولهذا ومع أنه لم يصرح بتأثره هذا إلا أننا أرد نوثق ما وصلنا إليه ...
    نماذج شعرية مما تأثر شوقي فيه بلا فونتين
    يقول أحمد شوقي على لسان الدجاج :
    بينا ضعـــاف من دجاج الريف
    تخطر في بيت لهـــا ظريف
    إذا جـــاء هندي كبير العرف
    فقام في الباب مقــام الضيف
    يقول حيــا الله ذي الوجـوها
    ولا أرهـــــــا أبــداً مكروها
    أتيتكـــم أنشر فيكـم فضـــلي
    يوماً وأقضي بينكــم بالعدل
    وكل مــــــــــا عندكم حرام
    على إلا المـــــــــــاء والمنام
    إلى نهايتها(1)فشوقي هنا يصف الحال ،ويهيئ في وصفه لمجرى الحدث بين المخلوقات الضعيفة المعتزة وهذا الدخيل القوي المحتال ،فكل كلمة يختارها شوقي في عناية ليصف الحالة النفسية ،لكل من الفريقين ،فقد كانت لهجة الديك ضعيفة من حيث تظاهره بالضعف ،وزعمه الرغبة في الخير ،وإقامته تتفق مع وعود الإنجليز ،بعد هذا يحدث في الحكاية ما يشبه التحول في المسرحية حيث يفتح الدجاج الباب للهندي ،وتبدو المخاطر أولاً هواجس في أذهان الدجاج ،قبل أن تصبح حقائق ،لكن الهندي غير مسلكه بالتدريج ،ثم فاجأ الغافلين بحقيقته ، وهم مستغرقون في النوم .
    وهناك حكايات لشوقي تبين بيئة المترفة ، وهذا ما سنلاحظه في هذه الأبيات
    هرتي جد أليفة
    وهي للبيت حليفة
    هي ما لم تتحرك
    دمية البيت اللطيفة
    فإذا جاءت وراحت
    زيد في البيت وصيفة
    شغلها الفأر تنتقي
    الرف منه والقطيفة
    وتقوم الظهر والعصر
    بأدوار شريفة
    ومن الأثــــــــــواب لا تملك
    سوى فرو القطيفة
    كلما استوسخ أو آوي
    البراغيث المطيفة
    غسلته وكــــــــــــوته
    بأساليب لطيفة
    وجدت ما هو كالحمام
    م والماء وظيفة
    صيرت ريقها الصابون
    والشارب ليفة (1)
    ففي هذه الأبيات ملامح لاتغيب عن بيئة شوقي المترفهة تدل عليها : الوصيفة وفرو القطيفة ومكواة الشعر والحمام والصابون والليفة ،ولو أن شاعراً آخر من الفقراء هو الذي تحدث عن القطة لاختلف جو القصيدة ،ولما خطرت له هذه الصفات على بال رغم معايشة الدائمة للقطط والكلاب الضالة ..
    فأحمد شوقي تميز بإبداعه في الخرافات الفكاهية في أشعاره حتى قال العقاد عنه "الأشعار الفكاهية في شعر شوقي هي الباب الوحيد الذي ظهر فيه شوقي بملامحه الشخصية ،لأنه أرسل فيه نفسه على سجيته ،وانطلق من حكم المظهر والصنعة والقوالب التي تنطوي فيها ملامح الشخصية ،وراء المراسم والتقاليد"
    وأحمد شوقي قد يحكي حكايات قصيرة ،لا تحمل أي هدف أو مغزى وإنما يقولها لمجرد إدخال السرور والبهجة في قلوب الأطفال ومن هذه الحكايات
    حكاية الحمار في السفينة التي يقول فيها :
    سقط الحمار من السفينة في الدجى
    فبكى الرفاق لفقده وترحموا
    حتى إذا طلع النهار أتت به
    نحو السفينة موجة تتقدم
    قالت خذوه كما أتاني سالماً
    لم أبتلعه لأنه لا يهضم
    فتلك هو أحمد شوقي الذي حاكى لافونتين وتفوق عليه بإبداعه المبتكر ، وذوقه العالي ، فقد استطاع أن يجاري رائد الخرافة ويضع لنفسه بصمة خاصة به في هذا المجال ، فالخرافات عنده كانت جرءاً متمماً لشعره ، تكشف عن شاعريته الأصيلة ، وسماته الفنية ، وشخصيته الإنسانية ،وإن كان قد قلد لافونتين في بعض الخرافات فإن هذا التقليد كان نوعاً من التقليد الإبداعي ،إن جاز لي مثل هذا التعبير..فتلك هو موضوع الخرافة عند أمير الشعراء الذي باتت الفكاهة سمة بارز عليه وعلى شعره ، وبات هو رائد للخرافات العربية ، حتى إن الأطفال أصبحوا يستمتعوا بقصصه الممتعة التي يرويها على لسان الحيوانات..
    فمن خلال ما تقدم حاولت أن أصل إلى حقيقة مفادها أن لكل شعب ولكل أمة خرافات وأساطير خاصة به ، ولا تخلو أمة من الأمم من ذلك ، وإذا خلت منها ، فأين حكايات الجدات التي كنا وما نزال نسمعها وهي تحكي لنا قبل النوم ، والشيء الذي أريد أن أصل له هو أن الخرافة نسيج من الخيال لا وجود لها ، لا ننكر بأن هناك حكايات خرافية طورت حتى أصبحت خرافات مشهورة ، ولكن الخرافة في أساسها لا صحة لها ، إنما هي قصة تروى من نسج الخيال ، قد تكون تروى لحماس الأطفال وتشجيعهم أو بث الحماس فيهم أو لتنمية جانب الحب والخوف لديهم ..وهي في الحقيقة تنمي مدارك الأطفال ، وتوسع من ثقافاتهم ، وتجعلهم ينتظرون وقت النوم بفارغ الصبر حتى يسمعونها ..وأدبنا العربي توسع في هذا الجانب وتعدد الخرافات فيه من حيث أشكالها وأنواعها وهذا ما تحدثنا عنه مسبقاً ..
    الرؤية النقدية
    من خلال هذا البحث توصلت فيه لعدة أشياء تخللت بعضها في ثناياه والبعض الآخر هو كالأتي :
     أن الخرافة لم تكن غريبة عنا بل قد وجدناها في تراثنا الديني والأدبي سابقاً .
     أن لافونتين هو رائد الخرافات لأنها جاء بالقالب الفني المتميز ، هذا مع أنه تأثر فيها باليونان والرومان .
     أن شوقياً استطاع أن يحاكي لافونتين ويقدم جديداً مميزاً للمكتبة العربية ولأدب الأطفال على وجه الخصوص .
     أن الخرافات في بدايتها عندنا كانت عبارة عن أمثال تحوي في طياتها قصص ذات مغزى .
     ما قدمه شوقي يتماشى مع بيئته المترفة ، ويخاطب به أطفال الطبقة الراقية.
     طبع لافونتين على خرافاته طابع التسلية والمرح ،وهذا ما جعله رائداً في الحكايات الخرافية .
     قامت الحكايات الخرافية سواء عند لافونتين أو عند شوقي على الرمز
     تأثر لا فونتين في بداية نشأته بالخرافات العربية ،وقد أشار وهو لذلك ،ولكن الغريب أن نعود نحن العرب ونتأثر بمن تأثر بنا أصلاً .
     أظن لافونتين لم يأت بجديد غير القوالب الفنية التي طبع عليه طابع التسلية والمرح ،ولكن هل يعد هذا كافياً لأن يكون لافونتين هو أبو الحكايات الخرافية ؟
    أهم المراجع
    1. أحمد أسحم : الأدب المقارن : مكتبة أبي حامد : تعز : 2008م .
    2. بيدبا : كلية ودمنة : ترجمة : عبد الله بن المقفع : المطبعة الأميرية : القاهرة : 1937م .
    3. عبد العزيز المقالح : الوجه الضائع (دراسات عن الأدب والطفل العربي) منشورات جامعة صنعاء:1991.
    4. خرافات لافونتين (في الأدب العربي) نقوش زكريا سعيد : مؤسسة الثقافة الجامعية : الإسكندرية .
    5. في الأدب المقارن ومقالات أخرى : فخري أبو السعود: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997 .
    6. الخرافة والأسطورة في الرواية العربية المعاصرة : عبد البديع عبد الله :مكتبة الآداب : القاهرة :1994م .
    7. الإنسان الحائر بين العلم والخرافة :عبد المحسن صالح :عالم المعرفة :الكويت : 1998م
    8. الأدب العام المقارن : دانيل هنري ياجو : ترجمة :غسان السيد: إتحاد الكتاب العرب
    9. الأدب المقارن : محمد غنيمي هلال:نهضة مصر : القاهرة : 1998م.
    10. دور الأدب المقارن (في توجيه دراسات الأدب) : محمد غنيمي هلال : نهضة مصر : القاهرة .
    11. الفولكلور ماهو :فوزي العنتيل : مكتبة الدراسات الشعبية : 1999م .
يعمل...
X