إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

وقفة مع بعض الترجمات الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • وقفة مع بعض الترجمات الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم

    وقفة مع بعض الترجمات الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم
    الدكتور وجيه حمد عبد الرحم

    مصدر الكتاب : موقع الإسلام
    http://www.al-islam.com
    و تم تصديره آلياً بوساطة المكتبة الشاملة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    المقدمة:
    الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } ( الروم: 22) ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمةً للعالمين عربهم وعجمهم أبيضهم وأسودهم شرقيهم وغربيهم إنسهم وجنّهم، خاتم الأنبياء والمرسلين وإمامهم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وبعد .
    فإنه لم يعد يخفى على كل ذي بصيرة الدور الحيوي الذي تؤديه الترجمة في نقل حضارات الشعوب وثقافاتها وفي التفاهم بين الشعوب التي تعددت ألسنتها لغير سبب حتى بلغت نحو خمسة آلاف لغة ، إضافةً إلى آلاف اللهجات، ويعود للترجمة الفضل الكبير في ارتقاء غير أمة سُلّم الحضارة التي لا يمكن أمةً دون سواها احتكارُها ، وكيف تحتكر الحضارة وهي مزيج من نتاج بشري في مختلف الأماكن والعصور؟
    وقد نهل المسلمون من ينابيع حضارات الأمم الأخرى في الجانب الماديّ منها عن طريق دار الحكمة وغيرها ممن قاموا بترجمة علوم الهند وفارس واليونان، ولم يكن لأوربا أن تصحو من سباتها في عصر النهضة لولا اتصال مترجميها في إسبانيا وغيرها بالمسلمين والنقل من فكرهم وعلومهم، ولعل هذا ما حدا بعالم اللغة الشهير إدوارد سابير (Edward Sapir ) إلى اعتبار اللغة العربية التي كانت وعاءً لحمل الحضارة من بين لغات خمس أدت ذلك الدور وهي اللاتينية واليونانية والسنسكريتية والصينية الكلاسيكية .
    وتحظى الترجمة في العصر الحديث باهتمام منقطع النظير، إذ يترجم سنويًّا مئات الآلاف من الأبحاث والمقالات العلمية، بل إنه لا يكاد يطبع كتاب ذو أهمية حتى تصدر ترجمته في غير لغة خلال فترة وجيزة، كما أن السوق الأوربية المشتركة تنفق حوالي 40% من ميزانيتها على الترجمة من لغات أعضاء السوق وإليها .
    وغني عن القول أن الترجمة قد تكون أداة بناءٍ وإصلاح إذا ما التزم المترجم الأمانة العلمية واختار ما يصلح للترجمة، وقد تكون معول هدم إذا لم تستغل في نقل الفضيلة وما ينفع الناس، كما أن خطأً في الترجمة قد يشعل فتيل الحرب بين الأمم، وقد يجعل القنابل النووية تتساقط على المدن لتفني النسل والحرث، وقد أدى خطأ في ترجمة الكلمة اليابانية mokasutu الواردة في البرقية التي أرسلتها اليابان إلى واشنطن قبيل إلقاء القنبلة إلى ذلك الحادث المأساوي نظرًا لأن الكلمة ترجمت إلى الإنجليزية بـ ignored بدلًا من considered أي " يتجاهل (الإنذار)" بدلًا من" يُقبل"، وكذا الأمر بالنسبة للغموض الذي يلف القرار ذا الرقم 242 الصادر عن الأمم المتحدة فقد ترجمت عبارة:
    le retrait des territoires occupés
    إلى the withdrawal from occupied territories .
    ويكمن الغموض هنا في النص الإنجليزي في استخدام أداة التعريف أو عدمه، فتشير الترجمة الفرنسية إلى الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي المحتلة في حين يشير النص الإنجليزي إلى الانسحاب من أراضٍ محتلّة !
    هذه بعض المخاطر التي قد تنجم عن أخطار الترجمة في الأمور الدنيوية، فما بالنا عندما تقع مثل تلك الأخطاء في ترجمة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي تكفّل سبحانه وتعالى بحفظه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (الحجر: 9 ) ما بالنا عندما تعد ترجمات بأيدي مستشرقين ترمي إلى إيجاد حاجز بين القرآن وبين من يريد فهم الإسلام والدين الذي بشرت به الرسل والكتب السماوية، الدين الذي لن يقبل دين بعده ، فإما إلى جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، أو إلى نار وقودها الناس والحجارة؟ ماذا يحدث عندما ينكر بعض مترجمي معاني كتاب الله الكريم العذاب الحسي والنعيم الحسي وبعث الأجساد أو يزعمون بمجيء "نبيّ" بعد ختم الرسالة ؟ ماذا يحدث عندما يصور القرآن الكريم على أنه من صنع بشر وأنه يخاطب العرب دون سواهم؟ إن الترجمة في ثوبها ذاك تحجب نور الحقيقة ولو إلى حين، أما إذا كانت الترجمة سليمة لغةً وعقيدةً فإنها قد تهدي إلى الحق بإذن الله، فهذا الجراح الفرنسي الشهير الدكتور موريس بوكاي (Dr، Maurice Bacaille ) يطلع على ترجمة فرنسية لمعاني كتاب الله أثناء زيارة له للمملكة
    العربية السعودية فيندهش من آيات سورة "المؤمنون" المتعلقة بأصل الإنسان وتطور الجنين ويشهر إسلامه، ويبدأ في تعلم اللغة العربية في سن الثانية والخمسين ، وليصدر فيما بعد كتابًا بالفرنسية بعنوان: La Bible, le Coran et la Science أي "الإنجيل والقرآن والعلم"، حرص على تضمينه النص القرآني للآيات متبوعًا بالترجمة الفرنسية لمعانيها، أما يوسف إسلام الذي كان يدعى بـ كات ستيفن (Cat Stephen ) فيبحث - بعد قراءته لترجمة معاني القرآن باللغة الإنجليزية - عن "مؤلف" الكتاب ظنًّا منه أنه من وضع بشر نظرًا لإطلاق مسمى "المحمدية"(Muhammadanism ) على الإسلام في بعض الأوساط الغربية ولا سيما الكنسيّة منها، وعندما سأله أخوه الذي سبقه في اعتناق الإسلام عن السرّ في سؤاله عن المؤلف أجاب:" لأنني لأول مرة أقرأ وصفًا صحيحًا لله سبحانه وتعالى"، ولا يتسع المجال هنا لذكر عشرات القساوسة والقادة والمفكرين الذين هدى الله سبحانه وتعالى بعد أن نهلوا من ينابيع الإسلام الصافية فعادوا إلى دين الفطرة .
    لقد انتشر الإسلام في بقاع الأرض في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ومن تبعهم فأصبحت اللغة العربية آنذاك لغة الدين والدولة، وبما أن اللغة العربية هي أداة العقيدة السمحة، فقد أقبلت شعوب البلدان المفتوحة على تعلمها، بل قدِّمت أحيانًا أو حَلَّتْ محل اللغات القومية حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى القول: " لأن أذمّ بالعربية أحب إليَّ من أن أمدح بالفارسية " وهكذا خالطت لغة القرآن الكريم أفئدة الناس حتى قدّمت على اللغات القومية، كيف لا وهي لغة القرآن الكريم ولغة النبي العربي صلى الله عليه وسلم ولغة أهل الجنة؟ أما وإن اللغة العربية قد تراجعت قليلًا خلال قرن من الزمان فقد كان لزامًا أن تكتسب ترجمة معاني القرآن الكريم أهمية خاصة كي لا يتوقف تبليغ الرسالة السماوية الخالدة في عصر تضاءلت فيه المسافات بفضل ما منَّ الله سبحانه وتعالى على الإنسان من تقدم تقني وعلميّ قلّما سبق له مثيل، وإزاء هذا الاتصال المتزايد بين الأمم وفي ظل تهافت العقائد الملحدة والمشركة والوضعية الكافرة، ونظرًا للخواء الروحي الذي يلف عالمنا المعاصر وفي ظل دعوات العولمة وغيرها فإن الحاجة تمسّ إلى أن ينهض المسلمون بدورهم
    المنوط بهم وأن يتبوّءوا مكانتهم التي ارتضى الله عز وجل لهم في تبليغ الدعوة للناس كافة بلغاتهم أولًا من خلال الترجمة السليمة لكتاب الله ريثما تعود اللغة العربية إلى سابق عهدها وعاءً للعقيدة والحضارة والثقافة، وعاء إيمان ووحدة لا أوعية كفر وتمزيق شمل، وما الجهود الجبارة التي تبذلها المملكة العربية السعودية في خدمة كتاب الله تفسيرًا وترجمةً ونشرًا، وما مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة إلا خير شاهد على الاضطلاع بتأدية الأمانة التي حُمّلنا والتي سنسأل عنها يوم العرض: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (البقرة:143) أي أمةً إسلامية كما أرادها الله لا كما ترجمها جورج سيل (George Sale ) أمة عربية (Thus have we placed you O Arabian intermediate nation ) ، فالقرآن الكريم يخاطب المسلمين جميعًا والمترجم يضيّق المعنى ويقصره على العرب للتدليل على زعمه بأن الإسلام كان للعرب دون سواهم.

    وسنتناول في هذا البحث بعض المسائل المتعلقة بترجمة معاني كتاب الله والأخطاء العقدية واللغوية ولا سيما النحوية والدلالية التي يقع فيها بعض المترجمين سواءٌ أكان ذلك بسوء نية أم بحسن نية، ثم نتبعها بتوصيات قد تعين على النهوض بهذه المهمة غير اليسيرة بإذنه تعالى.
    (1) - ومن أهم الترجمات التي يشتمل عليها النوع الأول ما يلي :
    أ - ترجمة أليكزندر روس (Alexander Ross ) التي سميت بـ "قرآن محمد " The Koran of Mahmet ، وهي أول ترجمة إنجليزية لمعاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية.
    ب- ترجمة جورج سيل (George Sale ) ، وقد ظهرت هذه الترجمة الشهيرة لأول مرة في لندن عام 1734م، ولا يزال يعاد طبعها رغم ظهور عدد من الترجمات الإنجليزية ولا سيما في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وقد بلغ عدد الترجمات الإنجليزية حتى نهاية عام 1962م (57) ترجمة ، ومن عام 1963م إلى يومنا هذا ظهرت خمس ترجمات أخرى مما نعرف (1) .
    ج- ترجمة رودول (Rodwell ) ، وصدرت الطبعة الأولى لها في عام 1886م، وقدم لها المستشرق الشهير جورج مرجليوث (G.Margoliouth ) ، ولدى إعداد رودول لهذه الترجمة كان أستاذًا للدراسات الشرقية في جامعة كيمبرج، وكان اعتماده على ترجمات الإنجليزية والألمانية واللاتينية لكل من سيل وهلمان وماراتشي ، ولعل السر في إقبال المستشرقين على ترجمة رودويل وتنويههم بها يرجع إلى بدعة أحدثها في المنهج القرآني المألوف، حيث رتب السور ترتيبًا زمنيًّا حسب نزولها، فبدأ بسورة العلق واختتم بسورة المائدة، وزعم أن هذا الترتيب التاريخي يرسم صورة صحيحة واضحة لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العقلية، والتطورات في النظريات القرآنية (2) .
    د - ترجمة بالمر (Palmer ): صدرت في عام 1880م من مطبعة أكسفورد في بريطانيا، حيث أعدها بالمر أستاذ اللغة العربية بجامعة كيمبرج، وذلك بطلب من المستشرق الألماني ميكسو الذي كان رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة أكسفورد. وقد كان عهد إلى زملائه المستشرقين نقل الكتب المقدسة إلى اللغة الإنجليزية بما فيها معاني القرآن الكريم، ويلمس المطلع على هذه الترجمة أن بالمر لم يستطع التحرر من تقليد جورج سيل الذي أراد تضييق الآفاق الواسعة التي يقصدها القرآن الكريم والدعوة العامة للإنسانية جمعاء وحصرها في عرب الجزيرة.
    هـ- ترجمة القسيس وهيري (Whery ) ، وقد ألف وهيري كتابًا عن الإسلام وسمّاه ترجمة القرآن اعتمد فيها على ترجمة رودويل وتفسير الملا واعظ الكشفي من علماء الشيعة وعلى تفسير ألّفه الشاه ولي الله الدهلوي، وزعم أنه جمع في ترجمته وجهات النظر بين الشيعة وأهل السنة، كما ينقل في ترجمته أقوال الشيعة الباطنية بأن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، ويرى الدكتور عبد الله الندوي أن المتصفح لهذه الترجمة لا يجد شيئًا يؤيد دعواه أو يدل على أنه استفاد من تفسير الشاه ولي الله الدهلوي إلا ما نقله من كتاب موضح القرآن للشاه عبد القادر الدهلوي ابن الشاه ولي الله الدهلوي، ويبدو جليًّا أنه أراد بعمله هذا تشويه عقيدة العلماء الباحثين حول القرآن الكريم والقائلين بأنه منزه من التحريف.
    و - ترجمة رتشارد بل (Richard Bell ) التي وضعها عندما كان مدرسًا للغة العربية في جامعة أدنبرة بأسكتلندا، وطبعت هذه الترجمة لأول مرة عام 1937م في نيويورك وأعيد طبعها عام 1960م، وهي في جزأين كبيرين، والمترجم من أتباع رودول ، ومن ثمّ قلب ترتيب السور والآيات على أعقابها وصدّر كل سورة بنقدٍ مطول عن تاريخ النزول وأسبابه وأدخل ملاحظاته وانتقاداته في ثنايا ترجمة النص، وأحاط أقواله بالعلامات الفارقة للآيات التي يرى - وفق فهمه السقيم وزعمه الباطل - أنها من سورة أخرى، ومثال ذلك أنه زعم من دون أي دليل علمي أن الآية { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (آل عمران: 26) كانت سورة مكية مستقلة، وقد أتى بل (Bell ) من جهة الترجمة والتفسير بشيء جديد يستدعى الانتباه فأدخل باسم الترجمة كلمات لا صلة لها بالقرآن الكريم، وقال: إن المراد بهذه الآية كذا وفي موضع آخر يقول إن محمدًا صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول كذا فعجز ولم يسعفه التعبير فترك.
    الجملة ناقصةً !.
    ي- ترجمة آرثر آربري (Arberry )- أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة كيمبرج سابقًا - وسمّاها "القرآن مترجمًا"( The Koran Interpreted )، وهي ترجمة جيّدة إذا ما قورنت بالترجمات التي وضعها المستشرقون الآخرون وذلك بأسلوبها المعاصر الواضح وعذوبة بيانها وسهولة لفظها وحرصه الشديد على الالتزام بترجمة كل لفظ ورد في القرآن الكريم من دون نقص أو زيادة فضلًا عن أي نوع من أنواع التهجم أو محاولة للتشويه بجمال القرآن الكريم، أو طعنه في الدين أو تقليل من شأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، كما هو المعتاد والمألوف في كتابة أكثر المستشرقين، أما وقوع الأخطاء فلا يكاد يخلو منه أحد حتى ولو كان المترجم مسلمًا متحمسًا للعقيدة الإسلامية .
    ومن أخطائه أنه ترجم معنى "استوى" في الآية الكريمة { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ( البقرة:29 ) بما صار معناه "ثم رفع نفسه إلى السماء": Then He lifted Himself to Heaven ، وليس معنى "استوى" "رفع" ، بل معناها في هذه الآية : "قصد وعمد"، بدليل صلة الفعل وهي "إلى" .
    ويلاحظ أن معظم الترجمات الاستشراقية ترمي إلى ترسيخ مفاهيم خاطئة حول القرآن الكريم بالزعم بأنه من صنع البشر وتجريده من صفته السماوية والادعاء بأن القرآن يخاطب العرب دون سواهم من البشر بهدف التقليل من عالمية الرسالة الإسلامية، كما أن بعض المستشرقين عمد إلى التلاعب بترتيب السور القرآنية كما فعل رودول وبل، أما ما قام به اليهودي ن، ج، داود في كتابه الذي سمّاه "القرآن" The Koran ، وأصدره عام 1956م، فإنه لم يتبع ترتيب سور القرآن الكريم المأثور في الترجمة ، بل اخترع من عنده ترتيبًا حسب زعمه الباطل بأن للقرآن نغمة شعرية، ولكن هذه النغمة الشعرية توجد في بعض السور والآيات أكثر من بعض السور الأخرى، فقدّم السور التي زعمها جهلًا منه وعنادًا أنها أكثر شعرية وصنف لها درجات من الغناء، فوضع بعضها في الدرجة الأولى وبعضها في الدرجة الثانية وهكذا صنف للسور درجات من الغناء والشعر، فيبدأ بسورة الزلزلة تليها سورة الانفطار وتعقبها سورة التكوير ثم سورة الإنسان، وعمد إلى إسقاط أرقام الآيات فضلًا عن النص العربي للقرآن الكريم ليكون قارئه بعيدًا عن الأصل وليكون عمله هذا المرجع الوحيد لمن يريد معرفة القرآن ومعنى الآيات، وهذه الترهات ليست بمستغربة من قوم لم يشرح الله صدورهم للإسلام .
    (2) - ومن أهم الترجمات الإنجليزية الإسلامية ما يلي :
    أ ) ترجمة الدكتور عبد الحليم خان، وهي أول ترجمة أعدّها مسلم ، طبعت في مدينة بتيالا في الهند عام 1905م، وكان المترجم من أنصار القاديانية وأتباعها ثم عاد إلى الإسلام من جديد. وكانت له مجلة شهرية باسم "الذكر الحكيم" ينشر فيها ترجماته لمعاني القرآن الكريم منجمة ثم وضعها في مجلدين، يقول المفسّر عبد الماجد الدريابادي إنه اطلع على هذه الترجمة عند ورثة المترجم ولكنه لم يجد فيها شيئًا يغبط عليه إلا أن له فضل السبق إلى هذا العمل الديني المبارك.
    ب) ترجمة الميرزا أبو الفضل الله آبادي، وطبعت في مدينة "إله آباد" في الهند عام 1911م، وأعاد ورثته طبعها في مدينة بومباي عام 1955م، وكانت هي أولى الترجمات التي طبعت بالإنجليزية وبجانبها النص القرآني، مذيلة بشروح وجيزة لمعاني الكلمات والتراكيب، وتوجد نسخة منها في مكتبة رامفور .
    ج) ترجمة محمد مارماديوك بيكثال M، Marmaduke Pickthall : وهي أول ترجمة قام بها مسلم إنجليزي الأصل من أهل السنة، وقد اعتنق الإسلام في القدس بعد اقتناع منه بصدق هذا الدين وتعاليمه، وعاش بين المسلمين في كل من فلسطين ومصر وحيدرآباد بالهند. وتعلم العربية والقرآن في القدس، كما أن لغته الإنجليزية راقية ويعد في كتاباته من الأدباء وأصحاب المواهب، كما كانت مقالاته الأدبية والتاريخية تنشر في المجلات العلمية الصادرة في لندن ونيويورك .
    وحين أدرك المترجم أهمية القرآن الكريم وعرف أنه من المستحيل أن يترجم القرآن بما يماثل النّسق القرآني العظيم سمّى ترجمته "معاني القرآن المجيد " The) Meanings of the Glorious Koran) ، وقد أجمع العلماء المعنيون بترجمات القرآن الكريم وتفاسيره على أنه لم يترجم معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية أحسن من ترجمة بيكثال من ناحية جمال الأسلوب وفصاحة اللغة، ومن ناحية الاحتفاظ بالعقائد التي يلتزم بها الجمهور من أهل السنة، وليس فيه إنكار أو تأويل لوجود الملائكة والجن والمعجزات، وحاشى أن يكون فيه أي غمز أو لمز أو تحريف مما يأتي به المستشرقون .
    د ) ترجمة محمد أسد : رحبت الأوساط العلمية بترجمة محمد أسد لمعاني القرآن الكريم، وهو مسلم نمساوي معروف بمؤلفاته القيمة، وبما أنه أوربي الأصل والثقافة وعاش مع الإنجليز زمنًا طويلًا ، فقد صارت مقدرته على اللغة الإنجليزية أمرًا فوق مستوى الشبهات، وكذا معرفته باللغة العربية، إذ تلقى اللغة العربية من أساتذة عرب، وعاش معهم طويلًا وبخاصة مع عرب الجزيرة العربية، وتشبع بروح الأدب العربي، كما تدل عليه كتاباته وبخاصة كتابه الشهير "الطريق إلى مكة".
    ومن الأخطاء التي وقع فيها محمد أسد في ترجمته ما يلي :
    1- يميل إلى إنكار المعجزات جملة وتفصيلًا، فيرى مثلًا أن نزول الملائكة لنصرة المسلمين في يوم بدر تعبير مجازي، والمراد منه تقوية المسلمين وتشجيعهم ورفع معنوياتهم.
    2- يرى أن"التابوت" معناه القلب الذي فيه سكينة.
    3- يقوده إنكار المعجزات إلى تصنيف معانٍ شاذة للكلمات القرآنية مما لا يسوغه الذوق ولا يؤيّده كلام العرب، ويعكس المثال التالي صورة واضحة لطريقة تفسيره ومعالجته موضوع المعجزات، وفيما يلي ترجمة محمد أسد وتفسيره للآية مترجمًا:
    { وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، (آل عمران: 49)
    And (will make him) an apostle unto the children of Israel:
    I have come unto you with a message from your Sustainer، I shall fashion out of clay as it were, the shape of (your) destiny, and then breathe into it so that it might become (your) destiny by God's leave, and I shall heal the blind and the leper, and bring the dead back to life by god's leave and I shall let you know what you may eat and what you should store up in your houses، Behold, in all, there is indeed a message for you, if you are (truly) believers
    "وإني (سأجعله) رسولًا إلى بني إسرائيل: إني قد جئتكم برسالةٍ من ربكم وإني سوف أصنع لكم من الطين شيئًا على هيئة مصيركم ثم أنفخ فيه فيصبح المقدر لكم (مصيركم) بإذن الله، وسأبرئ الأعمى والأبرص وأعيد الميت إلى الحياة بإذن الله، وسأخبركم بما يمكن أن تأكلوه وما يجب أن تدخروه في بيوتكم، ولا شك فإن في هذه الأمور كافة رسالة لكم إن كنتم مؤمنين (حقًّا). "
    وهكذا فقد ترجم كلمة "آية" بـ "رسالة" على غير القياس ، كما ترجم فعل "أخلق" بمعنى "سوف أصنع" أو "أصور"، وترجم كلمة "الطير" بمعنى المقدّر أو المصير.
    هـ) ترجمة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي والدكتور محمد محسن خان : وقد صدرت هذه الترجمة في عدة طبعات، ونستطيع الحكم عليها بأنها من أفضل الترجمات إن لم يكن أفضلها، ولا سيما من الناحية العقدية، وقد استخدم المترجمان التفاسير المعتمدة كتفسير الطبري والقرطبي وابن كثير، إضافةً إلى اعتمادهما على صحيح البخاري، وقد لاحظنا أنها سدّت فراغًا كبيرًا في المكتبة الإسلامية الإنجليزية في غير عاصمة غربية، وأنها حلت دون منازع محل ترجمة عبد الله يوسف علي التي كان يشار لها بالبنان - وهي ليست كذلك كما سنفصل لاحقًا .
    وتتميز الترجمة - كما ذكرت - بالسلامة العقدية واستخدام اللغة الإنجليزية المعاصرة مع أن المترجم أغفل ترجمة بعض الألفاظ مثل "العالمين" حيث اكتفى بنقلها بالحرف اللاتيني، وكان الأولى أن يضع مقابلها اللفظ الإنجليزي المقابل في صيغة الجمع worlds، وهناك مراجعة دائمة لهذه الترجمة من الساهرين على خدمة كتاب الله الكريم في مهبط الوحي .
    و ) تأملات في ترجمة عبد الله يوسف علي : لقد ذاع صيت هذه الترجمة في الأوساط الإسلامية وغير الإسلامية حتى غدت تنشر من قبل معظم المؤسسات والهيئات الإسلامية لأسباب هامشية - في نظرنا - منها جمال أسلوبها اللغوي وكثرة الهوامش والتعليقات ، وقد أطرى هذه الترجمة العديد من الكتاب، فقد كتب الدكتور حسن المعايرجي - صاحب كتاب "الهيئة العالمية للقرآن الكريم ضرورة للدعوة والتبليغ"، وهو من الغُيُرِ على الإسلام، ما يلي:
    "والترجمة الإسلامية المصدر والأوسع انتشارًا هي ترجمة عبد الله يوسف علي ومحمد مرمدوك بكثال وترجمة أبي الأعلى المودودي وآخرين من علماء الهند. وقد أصبحت ترجمة عبد الله ابن يوسف علي، هي التي يعتمد عليها في الدعوة والنشر حتى الآن لحين ظهور تفسير أو ترجمة للمعاني أوفى وأشمل" (3) .
    أما الدكتور عبد الله عباس الندوي الذي كُلّف من قبل رابطة العالم الإسلامي بالإشراف على الترجمة اليابانية لمعاني القرآن الكريم التي أعدها الحاج عمر ميتا - رحمه الله- فقد كتب ما نصّه : " وكانت ترجمة معاني القرآن للشيخ عبد الله يوسف علي، رائدة لي في هذا العمل، فكنت أقرأ هذه الترجمة آية آية، ثم استمع إلى شرح الحاج عمر ميتا، ولكن سرعان ما اكتشفت أن ترجمة عبد الله يوسف علي لا تخلو من أخطاء وأنها ترجمة بيانية منظومة نظمًا حرًّا، وقد أباح المترجم الفاضل لنفسه في ترجمة معاني بعض الآيات تقديم بعض الكلمات وتأخيرها عن محلها في القرآن الكريم وذلك رعاية للنغم الموسيقي" (4) .
    ويلاحظ أن الدكتور عبد الله الندوي يشيد بالترجمة وريادتها باستثناء بعض الأخطاء الثانوية في الأسلوب من تقديم وتأخير وغيره، أما من الناحية العقدية فإنه يرى ما يلي :
    1- أنه لا يفسر آية إلا وكان له سند ومرجع من أقوال المفسرين المعترف بهم عند جمهور المسلمين .
    2- أنه قد جعل لكل سورة مقدمة ذكر فيها تاريخها وسبب نزولها نقلًا عن التفاسير المعتمدة، وتحرى في نقل القصص القرآنية وجمع الأقوال الناقصة للمفسرين وذكر ما يرجحه منها بالتفصيل وأسباب هذا الترجيح .
    3- صدّر كل سورة بتلخيص معانيها وبيان النقاط الهامة التي تساعد القارئ على فهم السورة ومحتوياتها (5) .
    وبدراسة مستفيضة لهذه الترجمة تبين لنا عكس ما ذهب إليه العديد من الكتاب المرموقين في هذا المجال، وقد اتضح لنا جملة من الملاحظات العقدية حول هذه الترجمة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
    1 - وصف القرآن الكريم بأنه شعر، ويظهر هذا في مقدمة سورة "الملك" ص178، حيث يصف المترجم السور القرآنية التي تبدأ من سورة "الملك" إلى نهاية القرآن بأنها تتكون من قصائد شعرية غنائية قصيرة معظمها من الفترة المكية يمكن مقارنتها بالترانيم أو التراتيل أو المزامير في الكتب الدينية الأخرى، ويعتبر المترجم هذه الصفة الشعرية بمنزلة تحول منطقي في مسيرة القرآن الكريم من بدايته :
    There is a logical break here، The remaining fifteenth consists of short lyrics, mostly of the Makkan period, dealing mainly with the inner life of man, and in its individual aspects، They may be compared to Hymns or Psalms in other religious literature.
    (ينظر أيضًا في هذا السياق ص1686: ص1807: ص1659: ص1647، ص1651، إلخ).
    2 - يتبع المترجم المنهج الرمزي التأويلي، وقد اعتمد المترجم على المنهج الرمزي التأويلي اعتمادًا كليًّا لأنه يخدم عنده عدة اتجاهات تفسيرية في التعليقات، فهو يخدم عنده الاتجاه الصوفي المعتمد على وجود معنيين في القرآن الكريم؛ المعنى الحرفي الظاهر والمعنى الباطن، وقد كان الرمز والتأويل ضروريين لإعطاء المعنى الباطن للنصوص وفق الفهم الصوفي، كما أن هذا المنهج يخدم الاتجاه العقلي الفلسفي عند المترجم فهو كثيرًا ما يشرح الآيات القرآنية شرحًا عقليًّا فلسفيًّا.
    ولمعظم الآيات تفسيران عند المترجم: التفسير الحرفي والتفسير المجازي، ولهذا تتكرر في ثنايا الترجمة بشكل كبير عبارات "حرفيًّا" و"مجازيًّا" و"الاستعارات" و"الكنايات" و"الرموز" و"الحسي" و"الروحي" و"التأويل المجازي" و"المفهوم الروحاني" و"المعنى السري" و"الرموز الباطنية الروحانية" وغيرها من العبارات المشيرة إلى المنهج التأويلي.
    3 - اعتبار الحشر للأرواح دون الأجساد : يقول المترجم في التعليق 5969 ص1904: "إن الأزمة الكبرى لكل روح هو البعث حيث يذوب عالم الحس وينشر أمام الروح سجلّها الروحي".
    " To an individual soul, its resurrection is its supreme crisis:
    The whole world of sense melts a way, and its whole spiritual scroll is laid before it ".
    وفي التعليق 916 ص367-368، يقول إن كل روح مفردة تأتي - بعد التحرر من الجسد - كما خلقت بلا شيء سوى سجلها (تاريخها) أي الأفعال التي اكتسبتها، والتي هي جزء منها، أما الأشياء الخارجية التي منحت لها لمساعدتها في تطورها فإنها ستتركها بالضرورة خلفها.
    But each individual soul, after release from the body, comes back as it was created, with nothing more than its history, "the deeds which it has earned"، Any exterior things given to help in its development ، it must necessarily leave behind.
    وفي التعليق نفسه يقول: الجسد يترك هنا وتخاطب الروح.
    Here the body is left behind, and the soul is being addressed
    4 - ينفي المترجم الحقائق الحسية الواردة عن الجنة والنار . ففي التعليقات 5051: ص1626، 1004 ص401، 4672 ، ص514، وغيرها ينفي الطعام والشراب الماديين في الجنة ويتحدث عن الطعام والشراب الروحي، ففي التعليق 5051 يقول إن الرضا الشخصي في الجنة يعبر عنه بثلاثة مجازات منها الطعام والشراب، وفي التعليق 5056ص1627 أن النعيم الشخصي معبر عنه مجازيًّا بالطعام والشراب.
    Individual satisfaction is expressed in three types or figures of speech: 1) eating and drinking) ، The individual bliss is figured by meat and drink (1) .(6)
    أما الحقائق الحسية الواردة عن النار فقد تم تأويلها فقد فسّر في التعليق 2303 ص 808 الحشر على الوجوه بأنه التعرض للخزي والعار .
    You will come to shame and ignoming, like men thrown down, prone on their faces.
    وفي التعليق 2756 ص943 يفسر المترجم حسيس النار بأنه أنين الشر the groans of evil
    5 - تتضمن الترجمة تأويلًا للجن والشياطين، ففي التعليق 2252 ص 796 يفسر "الشيطان" بأنه اسم لقوة الشر the power of evil (Satan) ، وفي التعليق 3877 ص1298 يتحدث عن خداع الشر لا خداع الشيطان The deception of Evil، وفي التعليق نفسه يقول إن الشر هو عدونا بينما الآية القرآنية التي يفسرها تقول: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } ..
    (3) الترجمات القاديانية :
    أما النوع الثالث من الترجمات فهو الترجمات القاديانية ولا نرى داعيًا للإسهاب في مناقشتها لأن المجال لا يتسع هنا، ومعلوم أن القاديانية نسبة إلى بلدة "قاديان" في ولاية البنجاب (الهند)، حيث انبرى رجل من بين أنصاف المتعلمين ادعى النبوّة بحماية من الحكام الإنجليز، وبمساندتهم استطاع أن يجمع حوله شرذمة من الناس تحمسوا في تأييده لجهلهم بأصول الدين ولطمعهم في المكاسب من قبل المستعمر الإنجليزي الذي كان يستعمر الهند. وقد نهض علماء الهند لمجابهة المتنبي غلام أحمد القادياني الذي ادعى بأنه ليس صاحب شريعة ورسالة جديدة، وإنما هو نبي بعث على فترة من الرسل، وتُجمع ترجماتهم ومنها ترجمة محمد علي اللاهوري وترجمة ملك غلام فريد وترجمة السير ظفر الله خان على أن باب النبوة لم يُغْلق، وأن المتنبي الهندي المدعو غلام أحمد كان المسيح الموعود والنبي المبعوث وكان يأتيه الوحي من الله، كما يزعمون بأن عيسى بن مريم عليه السلام لم يرفع إلى السماء حيًّا بل مات ميتة طبيعية، وأن المعجزات الواردة في القرآن الكريم ما هي إلا من قبيل المجازات القرآنية والتعبيرات الرمزية.
    كذلك يزعمون بأن الملائكة اسم لقوة إرادية لله سبحانه وتعالى وتمثيل لقوى الخير والجن اسم لقوى الشر وتمثيل مجازي للدعاة إلى الشر وأن الجنة تجسيد معنوي لرضا الله، أما النار فدليل على سخطه (7) .
    اختلف المترجمون المسلمون وغيرهم في ترجمة لفظ الجلالة "الله" وهل ينبغي الاحتفاظ به بصورته العربية أو استخدام كلمة God، ومن المترجمين الذين استخدموا كلمة God بدلًا من "الله" Allah عبد الله يوسف علي ومرمادوك بكثال وإيرفنج ومحمد أسد ورودول وسيل وبالمر وأربري وأحمد زيدان، وحجة الذين يؤثرون استخدام كلمة "الله" بصورتها العربية هي أن كلمة God لا تكفي لنقل التصور الإسلامي للألوهية، ويرى س، أ، علي في بحثه المعنون "ترجمة ما لا يترجم" (7) بأن اختيار كلمة God كان اختيارًا موفقًا عندما كانت كلمة "الله" غير معروفة على نطاق واسع في كثير من لغات العالم، ولم تدخل بعد المعاجم المتداولة، أما وقد دخلت كلمة "الله" إلى المعاجم المتداولة في معظم لغات العالم الكبرى، وأصبحت مفهومة على نطاق واسع، فإنه، يرى أن من الأصوب أن نحتفظ بالكلمة بصورتها العربية "الله" بدلًا من ترجمتها إلى God .
    وبدراسة الموضوع من جوانبه كافة بدت للباحث المرئيات التالية:
    1- إن استخدام لفظ الجلالة بصورته العربية "الله" دون شرح لا يعين القارئ الذي يجهل العربية في فهم المراد به .
    2- إن استخدام لفظ الجلالة بصيغته العربية "الله" لم يَحُل دون شرك النصارى واليهود العرب الذين يتقنون اللغة العربية، إذ إن العبرة ليست في اللفظ بقدر ما هي في تحديد مفهوم لفظ الجلالة وفقًا لما يعتقده الشخص .
    3- إن لفظ الجلالة في اللغة الإنجليزية God أو الفرنسية Le Dieu إذا ما بدئ بحرف كبير لا يوحي بالتثليث، فقد عُرِّف في غير معجم بأنه الواحد الخالق المعبود في الديانات التوحيدية، وتعرف المعاجم الإنجليزية لفظ الجلالة بما يلي :
    (a) the sole Supreme Being (b) Eternal (c) the Creator and Ruler and is Infinite in all attributes (d) the object of worship in monotheistic religions.
    وبهذا لا نرى تعارضًا مع المفهوم الإسلامي .
    4- إن استخدام لفظ الجلالة بصورته العربية قد يجعل مفهومه مقتصرًا على المسلمين دون سواهم موهمًا غير المسلمين بأن الإسلام رسالة قومية خاصة بالعرب وهي الصورة السائدة في العالم الغربي بالذات كما رسمها أعداء الإسلام ليحولوا دون دخول الناس في دين الله الحق أفواجًا، وقد بذل المسلمون في الغرب جهودًا مشكورةً لإفهام غير المسلمين أن كلمة God أو Le Dieu تشير إلى خالق الكون وإلهه لا إلى إله المسلمين أو العرب فقط.
    5- ولما كان الأمر كذلك فإننا نرى أن يثبت لفظ الجلالة بصورته العربية ثم يثبت بين قوسين اللفظ الإنجليزي أو الفرنسي أو غيره بين قوسين.
    6- وزيادة في التوضيح نرى أن يُعرّف لفظ الجلالة كما هو في عقيدة السلف في فاتحة الكتاب وفي مقدمة ترجمات معاني القرآن الكريم (بحيث يثبت اللفظ العربي ويوضع بين قوسين مرادفه الأجنبي ثم يشرح مفهوم اللفظ في الهامش).
    ثانيًا : الأخطاء النحوية
    يمثل درس النحو العربي ، بلا ريب، معضلةً كأداء بالنسبة لدارسيه من جميع الفئات ولا سيما لغير أبناء العربية، حيث يمضون وقتًا طويلًا في دراسته، وما كان أبناء العربية ليواجهوا صعوبةً تذكر لو اكتسبوا النظام النحوي العربي كما يكتسبون ذلك النظام في اللهجات العربية، ومعلوم أن الطفل يكتسب النظام اللغوي برمته عند سن مبكرة إذا ما عاش في بيئة تتحدث تلك اللغة، وهنا لا يوجد مجال للتحدث عن درجة الصعوبة والسهولة في اكتساب النظام اللغوي، فشعوب العالم قاطبةً تكتسب ذلك النظام اكتسابًا لا تعلمًا - كما هو حالنا نحن، أما غير أبناء العربية فيواجهون صعوبات جمّة في ميدان النحو، وحيث إن معظم من تصدى لترجمة معاني القرآن الكريم ليسوا من أبناء العربية، فقد كان لزامًا أن يقعوا في أخطاء نحوية في الترجمة، وفيما يلي نمثّل لبعض هذه الأخطاء :
    1 - ترجم جورج سيل معنى الآية : { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } [البقرة: 143] كالتالي:
    Though (this change) seems a great matter unless unto those whom God hath directed .
    ويرجع السبب في هذا الخطأ إلى عدم التمييز بين "إن" الشرطية وإن المخففة من "إنّ" الثقيلة، والترجمة الصحيحة هي :
    In truth it was a hard (test) save for those whom Allah (God) guided .
    2 - ترجم بكثال الآية { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } كالآتي:
    " We wronged them not, but they did wrong themselves "
    فترجم " ما ظلمونا " بمعنى "ما ظلمناهم".
    3 - ترجم عبد الله يوسف علي معنى الآية { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } [يونس: 28] ، كما يلي:
    " One Day shall We gather them "
    والصحيح هو :
    " On the Day We shall gather them ، "
    4 - ترجم عبد الله يوسف علي معنى الآية { وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ } [يونس: 61] :
    " And not the smallest, and not the greatest "
    والصحيح هو :
    " Neither what is less than that nor greater than that "
    5 - ترجم عبد الله يوسف علي معنى الآية { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } .. " هكذا:
    " if it were His will ، "
    والصحيح هو :
    " If He wills "
    6 - ترجم عبد الله يوسف علي معنى الآية { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } [الإسراء: 16] كالآتي:
    " those among them who are given the good things of this life "
    والصحيح هو :
    " those who lead a luxurious life "
    7 - ترجم عبد الله يوسف علي معنى الآية { يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ } على أنها "يدعون من دون الله":
    " they call on such deities besides Allah "
    وكذا { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ } على أنها "يدعون" :
    " they call on one whose hurt is nearer than his profit "
    8 - لم يترجم الضمير في الآية { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } [الفتح: 16] :
    " Then shall ye fight, or they shall submit "
    9 - ترجم كذلك ( عبد الله يوسف علي ) { يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } [المؤمنون:33]:
    " he eats and drinks of what ye drink "
    "أي يأكل ويشرب مما تشربون" ، كما ترجم الآية { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } [البقرة:196]:
    " And complete the Hajj or Umra "
    أي "وأتمّوا الحج أو العمرة" .
    10- أجمع المترجمون المستشرقون على ترجمة معنى الآية { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } ، " بمسح الرجلين" كما يتضح مما يلي :
    Sale: "rub your heads and your feet "
    Rodman: "wipe your heads, and your feet "
    Palmer: "wipe your heads, and your feet "
    Bell: "wipe your heads and your feet "
    Arberry: "wipe your heads, and your feet "

    الخلاصة :
    يتضح مما تقدم أن دوافع المستشرقين تكمن في وضع ترجمات لمعاني القرآن الكريم بهدف إقامة سدٍّ منيعٍ بين الإسلام والقارئ غير المسلم عن طريق تشويه صورة الإسلام وذلك بالزعم أن القرآن الكريم من صنع البشر أو أنه مستقى من الديانتين السماويتين المحرفتين" وأنه يقتصر في مخاطبته على العرب دون سواهم وذلك للتقليل من شأنه، وقد عبث المستشرقون في ترتيب الآيات وأخرجوا كثيرًا منها عن مقاصده، أما الترجمات الأخرى التي وضعها مسلمون - بخلاف بعض الترجمات التي ورد ذكرها في ثنايا البحث - فإنها تهدم أسس العقيدة الإسلامية بإنكار البعث والعذاب الحسي والنعيم الحسي وإنكار وجود الملائكة والجن وذلك عن طريق التأويل، أما الترجمات الأخرى فتزعم أن باب النبوّة لم يقفل وزعم أهلها بأن نبيًّا قد بعث بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأن عيسى عليه السلام قد مات وبعث، وبهذا تتضح جسامة المشكلة وحجمها وبالتالي تكبر المسؤولية الملقاة على كاهل الساهرين على نشر الإسلام في بقاع الأرض، ويتضح الدور الكبير الذي تؤديه الترجمة السليمة عقديًا ولغويًا في ظل دعوات العولمة والتنصير، ومدخلنا للنظام العالمي القديم والجديد والمستقبل هو دومًا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تطبيقًا ونشرًا وترجمةً، ولا يخفى الدور الريادي الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في هذا المجال عن طريق إقامة المؤسسات الساهرة على نقاء العقيدة من أية شوائب قد تعتريها، وما إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف وإنشاء اللجان والمجالس العلمية وعقد الندوات والمؤتمرات إلا حلقات في هذه السلسلة، نسأل الله للقائمين على هذه الأعمال المثوبة والأجر وأن يجعلها في موازين أعمالهم يوم العرض.

    التوصيات :
    من أجل النهوض بمشروع ترجمة معاني القرآن الكريم وإيصال الصورة الناصعة للإسلام إلى كافة أنحاء العالم فإننا نرى ما يلي :
    1- أن تولي الجامعات العربية والإسلامية هذا الأمر أهمية قصوى بتوجيه طلبة الدراسات العليا للبحث في هذه الترجمات من الناحيتين العقدية واللغوية.
    2- تفريغ بعض أعضاء هيئة التدريس ممن لهم الاهتمام والخبرة في هذا المجال لخدمة كتاب الله .
    3- افتتاح قسم خاص بالترجمة والتأليف في مجال الدعوة الإسلامية بحيث يتم إعداد الدارسين فيه من النواحي الشرعية واللغوية العربية واللغات الأجنبية يمنح الدارس فيه درجة الماجستير أو الدبلوم، وحيث إن للمملكة العربية السعودية دورًا رائدًا في مجال الدعوة فنرى أن يفتتح القسم في إحدى جامعات المملكة .
    4- وضع خطة لإنجاز أكبر عدد من الترجمات باللغات المختلفة بدعم حكومي وأهلي (علمًا أنه احتفل بترجمة الإنجيل إلى 2000 لغة إلى الآن! ) .
    5- تخصيص جوائز لأفضل الترجمات .
    6- تأسيس رابطة للترجمة الإسلامية ونرى أن تسمى بـ "الرابطة الإسلامية العالمية للترجمة".
    7- عقد دورات تأهيلية للمترجمين والمؤلفين في هذا المجال.
    8- تخصيص منح دراسية للباحثين في هذا المجال سواءً أكان ذلك للمبتعثين من الجامعات أم من غيرهم .
    9- التوسع في افتتاح المعاهد الإسلامية والعربية في الخارج لرفد مشروع الترجمة .
    10- توجيه الدعوة للكتاب والمفكرين غير المسلمين لحضور دورات مكثفة في الدراسات الإسلامية واللغة العربية لتجلية صورة الإسلام في أذهانهم ودعوتهم إلى الإسلام.
    11- تزويد المكتبات الجامعية والمركزية في البلدان كافة بنسخ من الترجمات المعتمدة من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة لعلها تساعد في تصحيح المفاهيم لدى القرّاء هناك.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واقتدى بسنته إلى يوم الدين.


    الهوامش :
    (1) انظر د. عبد الله عباس الندوي: ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي 1417هـ، العدد 174: ص44.
    (2) انظر الربداوي الذي اعتبر هذه الترجمة أفضل ترجمة لمعاني القرآن في الإنجليزية واعتبر أن محاولة المترجم ترتيب السور ترتيبًا زمنيًّا تاريخيًّا حسب نزولها ميزة قلما نجدها في غيره من الترجمات: ص93.
    (3) انظر: د. حسن المعايرجي: الهيئة العالمية للقرآن الكريم ضرورة للدعوة والتبليغ، مطابع الدوحة، الدوحة، قطر، 1991م: ص: 82.
    (4) المرجع السابق : ص7 .
    (5) المرجع السابق: ص113 .
    (6) كانت كلمة «meat» تعبر عن الطعام عمومًا قبل أن يقيّد معناها .
    (7) انظر الندوي، المرجع السابق: ص84.
    (8) س. أ. علي: «ترجمة ما لا يترجم» الندوة العالمية حول ترجمات معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، الصفحات (79-92): ص84 - 85.


    [cc=المصدر]http://www.midad.me/books/view/3729
    [/cc]

  • #2
    موضوع رائع

    تعليق

    يعمل...
    X