إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جهد سيبويه الصوتي ومقابلته بمعطيات علم اللغة الحديث

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جهد سيبويه الصوتي ومقابلته بمعطيات علم اللغة الحديث

    [justify]
    إعداد/ نسيم إبراهيم

    المقدمة


    الحمد لله رب العالمين، عالم الأصوات وما كان وما يكون، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.. أما بعد

    لئن عَرَفت العرب أن "سيبويه" في المعاجم الفارسية تعني رائحة التفاح، فلقد أدركت بعد طويل بحث وجميل دراسة أن رائحة التفاح قد عبرت كل العصور وبلغت الآفاق ، ناشرة جميل عطرها في كل أركان المكتبة العربية ، ليبقى "سيبويه" عَلَمًا تتوقف حوله الأقلام ، وتتسع مع الأيام فيما كتبته الدراسات ...

    يعتقد البعض أنَّ علم الأصوات علم حديث، أتسع اتساعاً كبيراً مع التطور العلمي الكبير، والاستفادة من الأجهزة الدقيقة للوصول إلى نتائج مشجعة.
    والحقُ أنَّ العرب القدامى عرفوا علم الأصوات، إلاَّ أنّهم لم يذكروا تصنيفاً مفرداً متخصصاً بذاته، كما ذكروا علم البلاغة وعلم النحو...الخ

    بل إنَّ علم الأصوات علماً واضح الملامح، محدد السمات، عند علماء التجويد واللغة. وليس أدلَّ على ذلك من تناول سيبويه للأصوات في أماكن مختلفة من كتابه، وتناولها بشكل مفصل تجلت في باب أسماه (باب الإدغام). معتمداً في ذلك على حسه المرهف الدقيق في تمييز الأصوات، ثم ساروا على نهجه العلماء – قدامى ومحدثون- فوافقوه في مسائل صوتية كثيرة، وخالفوه في مسائل أخرى، معتمدون في ذلك على المادة الصوتية المبثوثة في ثنايا الدراسات الصوتية القديمة، بدءاً بالخليل وسيبويه ومن تبعهم. وكذا الأجهزة العلمية الدقيقة في تمييز الأصوات.

    وقد سرت في هذا البحث على المنهج (التقابلي) ،ومنهج واضح كنت أتناول فيه الموضوع كما يقول سيبويه، ثم أعرض إلى ما يقوله المحدثون، وأقابل بينهما، فإن اتفق سجلت ذلك، وإن اختلف ذكرت أوجه الاختلاف، وما رأوه راجحاً. وقد رأيت أنَّ سيبويه في مسائل كثيرة كان متقدماً على المحدثين بالرغم من بعد المسافة وقلة مصادر المعرفة وأجهزة الصوت الدقيقة. وقد حرصت على أنْ أطلع على أكثر ما استطعت من الكتب التي كان لها صلة بالموضوع، وما أكثرها.


    المبحث الأول: في الحروف

    يُعدُّ كتاب سيبويه من أقدم المصادر التي وصفت الأصوات العربية، وصفاً تفصيلياً، فذكر عدد الحروف العربية الأصلية، وقال هي تسعة وعشرون حرفاً:
    « هذا باب عدد الحروف العربية، ومخارجها، ومهموسها ومجهورها، وأحوال مجهورها ومهموسها، واختلافها، فأصل حروف العربية تسعة وعشرون حرفاً: الهمزة، والألف، والهاء، والعين، والحاء، والغين الخاء، والكاف والقاف، والضاد، والجيم والشين والياء، واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي، والسين، والظاء والذال والثاء، والفاء والباء والميم، والواو.
    وتكون خمسة وثلاثين حرفاً بحروف هن فروع، وأصلها من التسعة والعشرين، وهي كثيرة يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار، وهي النون الخفيفة، والهمزة التي بين بين، والألف التي تمال إمالة شديدة، والشين التي كالجيم،والصاد التي تكون كالزاي، وألف التفخيم، يعني بلغة أهل الحجاز في قولهم: الصلاة، والزكاة، والحياة، وتكون اثنين وأربعين حرفاً بحروف غير مستحسنة في قراءة القرآن ولا في الشعر، وهي : الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين ، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالتاء، والباء التي كالفاء، وهذه الحروف التي تممتها اثنين وأربعين، جيدها ورديئها، أصلها التسعة والعشرون، لا تتبين إلا بالمشافهة»([1]).
    نلحظ من خلال هذا النص أنَّ سيبويه يتحدث عن الأصوات المنطوقة والمسموعة، لا عن أصوات مكتوبة، فنرى كيف تزيد -الأصوات- حتى تصبح اثنين وأربعين صوتاً، في حين أنَّ حروف الهجاء المكتوبة تسعة وعشرون رسماً لتسعة وعشرين صوتاً أصليا.
    هذا الفرق في العدد يضم مجموعتين من الأصوات:
    الأولى: حروف مستحسنة
    1- النون الخفيفة: ويقصد بها النون الخفيّة وهي غير النون الخفيفة التي تكون مخففة من نوني التوكيد، بل هي النون الساكنة التي تظهر في حالة ما يسمى(بالإخفاء) وتأخذ حكم النون إذا سُكنت قبل خمسة عشر صوتاً، وهي ت ، ث ، ج ، د ، ذ ، ز ، س، ش ، ص ، ض ، ط ، ظ ، ف ، ق ، ك) كما أنها–النون الخفيفة- تسمى(الغنة) وتخرج من الخيشوم([2]).
    وعلل ابن يعيش سبب خفائها، فقال :« خفيت مع حروف الفم لأنهن يخالطنها»([3]). ومثال ذلك النون في(منك)، (عنك).
    2- الهمزة التي بين بين: « وهي الهمزة المسهلة، التي لا يضغط الناطق على أوتار الحنجرة عند أدائها، وهي عند التحليل مندمجة في الحركة التالية لها"([4]) لمخففة"([5]). ووصفها الدكتور تمام حسان بقوله: «هي همزة متحركة تكون بعد ألف أو بعد حركة فتصير في النطق مجرد خفقة صدرية لا يصاحبها إقفال للأوتار الصوتية»([6])، كما في قوله تعالى:"أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ"([7]).
    ويوضح برجشتراسر سبب تسهيل هذه الهمزة فيقول « إنَّ الهمزة أصعب إخراجا من غيرها من الحروف فينبغي لإخراجها تغليق فم الحنجرة وهو مفتوح في غيرها فينقطع الزفير المتواصل الخروج أثناء الكلام »([8]).
    1- الألف الممالة إمالة شديدة:ترتبط هذه الألف بمجموعة من القواعد التي تنظم ظاهرة الإمالة في القراءات القرآنية، فهي – كما يبدو- الألف الجانحة نحو الياء كقراءة حمزة والكسائي ونافع، قوله تعالى:" والضحى والليل إذا سجى" وقوله تعالى "بِسْمِاللَّـهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا"([9]). بإمالة ألف (مجراها) لتصبح (مجريها) بالكسرة([10]).

    فهي تمال إذا كان بعدها حرف مكسور، مثل( عابد وعالم ) و(مساجد ومفاتيح). قال سيبويه: « أرادوا أن يقربوا الألف منها»([11]).
    وقد أيد المحدثون ما ذهب إليه سيبويه والنحاة العرب فيما ذكروه من أسباب تمنع الإمالة، وأضافوا إلى الحروف المستعلية صوت الراء واللام المفخمين، وذلك لأن تفخيمهما يحتاج إلى استعلاء فلا تمال الألف معهما، لأن في الإمالة انخفاض وهذا عكس الاستعلاء، فيحصل الاختلاف بينهما"([12]).
    وقد استنكر سيبويه من يميل الألف مع تلك الحروف المستعلية وقال " ولا نعلم أحداً يميل هذه الألف إلا من لا يؤخذ بلغته " ([13]).
    4- الصاد التي تكون كالزاي: هي تلك الصاد الساكنة قبل صوت مجهور، في مثل نطقنا للكلمة (مصدر) ، حيث تنطق الصاد مجهورة. وصفة الجهر التي اكتسبتها هذه الصاد الفرعية كانت نتيجة تجاورها مع الدال المجهورة أصلاً ([14]).
    وبيَّن سيبويه ذلك الأثر فقال " ولا تفعل ذلك بالصاد مع الرَّاء والقاف ونحوهما، لأن موضعهما لم يقرب من الصاد كقرب الدال" ([15]).
    ومثالها أيضاً قراءة حمزة " الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ"([16])، بإشمام الصاد الزاي، وعلل ابن يعيش سبب ذلك الإشمام بقوله " حتى توافق الطاء في الجهر لأن الصاد مهموسة والطاء والدال مجهورتان، فبينهن تناف وتنافر فأشربوا الصاد صوت الزاي، لأنها أختها في الصفير والمخرج، وموافقة الطاء والدال في الجهر، فيتقارب الصوتان ولا يختلفان" ([17]).
    5- الشين التي كالجيم: بالرغم من أنَّ سيبويه لم يضرب مثالاً لهذه الشين إلاّ أنه يُفهم من قوله( كالجيم ) أنَّ هذه الجيم تكون مجهورة " ويبدو أنَّ سبب إبدالها شيناً مجهورة، وليست جيماً خالصة هو أنّ الجيم الخالصة شديدة حسب قول سيبويه" ومثّل لها بنطقهم( أشـ ج ـدق ) بشين مجهورة قريبة من نطق الجيم ([18]).
    وتشبيهها بالجيم تشبيه حيَّر المحدثين من اللغويين وصفه، إذا هو غير محدود الأوصاف على وجه القطع، ولذلك لا يمكننا الجزم بماهيِّة (الشين التي كالجيم) فيما ذكر سيبويه، إلا بعد أن نتصور ماهيِّة (الجيم) الفصحى أساساً ([19]).
    6- ألف التفخيم: حددها سيبويه بقوله " يعني بلغة أهل الحجاز في قولهم: الصلاة والزكاة والحياة" ([20]).
    ويعني بها ألف المد الممالة نحو الضم في قراءة بعض القرَّاء لكلمات (الصلاة – الزكاة – الحياة – المشكاة) وينطقها أهل الحجاز في كلمات لا يتطلب سياقها الصوتي تفخيماً، فيفخمون الألف في كلمات معينة، فتُرسم تلك الألف هكذا(الصلوة – الزكوة – الحيوة – مشكوة) ، في حين أنَّ الألف غير المفخمة لا ترسم في المصحف العثماني، فتكتب كلمات (الكتب – الصدقت -الأنعم) بدون ألف([21]).
    الثانية: حروف غير المستحسنة
    لقد أورد سيبويه هذه الحروف ولم يذكر علة استقباحها، كما لم يذكر علة الاستحسان في المستحسنات من قبلها، ويفهم الدارس ذلك من كلام سيبويه. وهذه الحروف هي:
    الكاف صوت لهوي شديد مهموس، والجيم صوت شجري شديد مجهور، وتحوّل صوت الكاف في اتجاه الجيم ومعناه زحزحة الصوت إلى الأمام، في اتجاه الشفتين لغير علة يقتضيها السياق، وهذه الصورة الصوتية نادرة في اللغة العربية ولهجاتهم، وسيبويه الذي ذكر هذه الصورة وسمعها. ولا شك عند بعضهم ممَّن لا ترضى عربيتهم([22]). فنبَّه عليها لتجنبها، ومثال هذا الصوت في زمان سيبويه (جافر في كافر).
    وانقلاب القاف كافاً في بعض اللهجات متترلاً، وانقلاب القاف غيناً في بعض اللهجات متجهاً للوراء يؤدي إلى تعقيد في العملية الصوتية([23]).
    1- الجيم التي كالشين
    سبق الحديث عن الشين كالجيم المستحسنة، وعندما انقلبت جيماً، ونحا صوتها المهموس نحو الصوت المجهور (أشدق- وأجدق) وفي قلب هذه الصورة قبح واستهجان، على ما أورده سيبويه، حين قال وصف الجيم كالشين بالاستهجان، (اشتهد في اجتهد)، ويمكن تعليل هذه الظاهرة بالاستحسان،في ميل الصوت نحو القوة (أجدق= اشدق).
    ووصفها بالاستقباح عندما ينحو الصوت نحو الضعف (اشتمع=اجتمع) وهي عكس الأولى([24]).
    2- الضاد الضعيفة
    تحدث سيبويه عن الضاد في المخارج فقال فيها «ومن بين أول حافة اللسان، وما يليها من الأضراس، مخرج الضاد»([25]).
    وفي حديثه عن الحروف الفرعية تحدث عن صوت آخر، سماه الضاد الضعيفة، وجعل هذا الصوت مستقبحاً بغير تعليل، بقوله: «أنَّ الضاد تتكلف من الجانب الأيمن وإن شئت تكلَّفتها من الجانب الأيسر، وهو أخف، لأنها من حافة اللسان مطبقة ... »([26]).
    لقد اعتبر سيبويه الضاد من الأصوات الفرعية، وسمَّاها الضاد الضعيفة وميزها عن غيرها بعدم مشاركتها لأي صوت في حيز من الأحياز الصوتية في الجهاز النطقي، وهذا، وهذا ما زادها بعداً وغموضاً، كما أنه أشرب جميع الحروف الفرعية حروفاً أخرى غيرها، الكاف كالجيم، والصاد كالسين، والطاء كالتاء ... »([27]).
    وخلاصة حديث الضاد عند سيبويه ومن جاء بعده، أنها صوت مركب يصعب النطق به، فاختفى من ألسنة الناس، وأبدل بما يجاوره في المخرج ويشابهه في الصفة، فصار دالاً أو ذالاً مفخمين... وكل ذلك جائز عندما لا يؤدي هذا التبدل الصوتي إلى تبدل دلالي، كالظلال والضلال، والضرب والدرب، ويبقى بعد كل هذا تحقيق الضاد محتاجاً إلى مزيد من البحث، والى التأمد من الدال الأصلية أولاً ، ثم ما تفرع عنها، ومادام الأصل غير واضع بيّن، فالفرع يكون أكثر غموضاً منه([28]).
    3- الصاد التي كالسين
    الصاد صوت مهموس رخو مطبق صفيري، والسين تشارك الصاد في كل شيء إلا في الإطباق، فإنَّ الشين مرقق منفتح ومخرجها (مابين طرف اللسان وفويق الثنايا)([29]).
    واشتراك الصاد مع السين في المخرج والصفات كافٍ لأن يجعل أحدهما مبدلاً من غيره، لما بينهما من تقارب، ومع هذا فقد وصف سيبويه هذه الصورة بالاستقباح عندما يبدل فيها الصاد سيناً ولم يعلل سيبويه استقباح هذه الصورة الصوتية، وقد يكون راعى فيها استفال الصوت ونزوله من القوة إلى الضعف، عندما يزول عنه الإطباق، وإزالة الإطباق عن الصاد ينجم عنه تغيير دلالي، حيث يتحول (الصد) (سداً) (الصبر) (سبراً) و( الصدّ) (سدراً)([30]).
    حروف المد واللين
    قسم سيبويه (الألف، والواو، والياء ) إلى أصوات مد ولين فقال: «حروف اللين هي حروف المد التي يمد بها الصوت وتلك الحروف: الألف والواو والياء» ([31]).
    ولها أصوات أقصر منها وهي حروف المد القصيرة (الصائتة) وقد وصفها سيبويه بأنها أجزاء من حروف المد الطويلة، قال: «فالفتحة من الألف والكسرة من الياء، والضمة من الواو» ([32]).
    ويصف الدرس الصوتي الحديث أصوات المد بأنها:« صوت مجهور يخرج الهواء عند النطق به على شكل مستمر من الحلق والفم دون أن يتعرض لتدخل الأعضاء الصوتية تدخلاً يمنع خروجه أو يسبب فيه احتكاكاً مسموعاً»([33]).
    وما توصل إليه علم الأصوات الحديث- الذي اعتمد فيه العلماء المحدثين على تجارب مختبرات الصوت- جاء مطابقاً لوصف سيبويه لأصوات المد واللين اعتماداً على تجربته الذاتية وحسه المرهف.


    ([1]) الكتاب، سيبويه ،تح: عبد السلام هارون، ط1، دار الجليل، بيروت، 1991م. 4/432.

    ([2]) الكتاب، 4/432.

    ([3]) شرح المفصل، ابن يعيش، عالم الكتاب، بيروت، د.ت. 15/126.

    ([4]) الكتاب، 4/432. وانظر في التطور اللغوي،عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة، ط2، بيروت، 1985م.ص: 162 .

    ([5]) الكتاب، 4/432.

    ([6]) اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، د.ت. ص: 53.

    ([7]) المائدة:116.

    ([8]) علم الأصوات اللغوية، مناف مهدي،ط1، عالم الكتب، بيروت، 1998م.ص: 164.

    ([9]) هود:41.

    ([10]) – انظر: الكتاب، 4/432.

    ([11]) - الكتاب، 2/ 310 .

    ([12]) - في التطور اللغوي، 162 .

    ([13]) - الكتاب، 4/129.

    ([14]) - علم الأصوات اللغوية، مناف، 164.

    ([15]) - الكتاب، 4/196.

    ([16]) الفاتحة:6.

    ([17]) - شرح المفصل، 10/127.

    ([18]) - علم الأصوات اللغوية ، مناف، 163.

    ([19]) - في التطور اللغوي، 185.

    ([20]) - الكتاب، 4/432.

    ([21]) - في التطور اللغوي، 184.

    ([22]) – الكتاب، 4/432.

    ([23]) – انظر:الأصوات اللغوية، 67.

    ([24]) – الكتاب، 4/432.

    ([25]) – السابق،4/433.

    ([26]) – انظر: الكتاب،4/432.

    ([27]) – انظر: الحروف العربية وتبدلاتها الصوتية في كتاب سيبويه، مكي درار، اتحاد كتَّاب العرب، دمشق، 2007م.، ص: 131.

    ([28]) – انظر: السابق، 133.

    ([29]) – الكتاب، 4/433.

    ([30]) – انظر: الحروف العربية وتبدلاتها الصوتية في كتاب سيبويه، 134.

    ([31]) – الكتاب، 4/426.

    ([32]) – السابق، 4/176.

    ([33]) – أصوات اللغة، عبد الرحمن أيوب، ط2،مطبعة الكيلاني، القاهرة1968م. ص: 180.
    [/justify]

    يتبع

  • #2
    [justify] [/justify]
    [justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify]
    [justify]

    المبحث الثاني: في مخارج الأصوات

    لقد عرف سيبويه أعضاء الجهاز النطقي ووصفها وصفاً دقيقاً اعتماداً على آلية النطق قبل أن يعرف أشياء عن فيزياء الصوت وتشريح الأعضاء ونحوها من المعارف المستحدثة. ولم يكن سيبويه يفرق بين اصطلاحي (الحرف) أو ( الصوت) على نحو ما يفرّق علم اللغة الحديث بينهما ([1]).
    وقد وزع سيبويه مخارج الحروف إلى ستة عشر مخرجاً، تجري متسلسلة من الحلق إلى الشفتين على هذا النحو:
    1- ثلاثة مخارج للحلق
    * أقصى الحلق، وهو للهمزة والهاء والألف.
    * وسط الحلق، وهو مخرج العين والحاء.
    * أدنى الحلق من الفم، وهو للغين والخاء ([2]).
    وتدل التجارب الحديثة على صحة كلام سيبويه في كل هذا، فلكل صوتين من أصوات الحلق حيز معين، يحلاّن فيه معاً، دون ترتيب لأحدهما على الأخر، غير أنَّ بعض المتأخرين من العلماء كانوا يتوهمون أنّ العين تسبق الحاء، وأنَّ الغين تسبق الخاء، على حين أنَّ بعضاً آخر منهم كان يرى العكس في هذا الترتيب ([3]).
    2- من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف.
    3- من أسفل من موضع القاف من اللسان قليلاً ومما يليه من الحنك الأعلى مخرج الكاف([4]).
    وقد ذهب بعض دارسي الأصوات العربية من المحدثين إلى ترتيب آخر في توزيع مخارج الحروف الأربعة (غ خ /ق ك)، يتلخص في تقديم مخرج القاف على مخارج الحروف الثلاثة الأخرى، فتكون (غ خ ك) من أقصى الحنك، وتكون القاف من اللهاة أعمق من الحروف الثلاثة، بينما ذهب بعضهم إلى اعتبار(غ خ ك) من اللهاة وما يتصل بها من غشاء الحنك، مع إبقاء الكاف من أقصى الحنك([5]).
    4- من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء.
    5- من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد.
    6- من حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما بينهما وبين ما يليها من الحنك الأعلى، وما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية مخرج اللام.
    7- من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا مخرج النون.
    8- من المخرج السابق غير انه أدخل في ظهر اللسان قليلاً لانحرافه إلى اللام مخرج الراء.
    9- مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج الطاء والدال والتاء.
    10- مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا مخرج الزاي والسين والصاد.
    11- مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج الظاء والذال والثاء.
    12- من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى مخرج الفاء.
    13- مما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو.
    14- من الخياشيم مخرج النون الخفيفة([6]).
    وقد ذكر ابن جني أنَّ ترتيب سيبويه هو الصحيح([7]).
    أما المحدثون فقد وزعوا مخارج الأصوات اللغوية الرئيسة على عشرة مخارج، كما أوردها تمام حسان على النحو الآتي([8]):
    الشفتان: ويسمى الصوت الخارج منهما شفوياً أو(شفتاني) Bilabial وعند النطق تقفل الشفتان أو تنفرجان أو تستديران، والأصوات الخارجة من هذا المخرج هي(الباء ، الميم ، الواو).
    الشفة السفلى مع الأسنان العليا: ويسمى الصوت الخارج منهما شفوياً أسنانياً (Labio Dental ) وينطق بتضييق مجرى الهواء عند اتصال الشفة السفلى بالأسنان العليا، والصوت الخارج منه هو (الفاء) في العربية الفصحى.
    الأسنان: ويسمى الصوت الخارج من هذا الموضع أسنانياً (Dental) وينطق عند اتصال طرف اللسان بالأسنان العليا ن والأصوات الخارجة منه: (الذال، الظاء ، الثاء ).
    الأسنان مع اللثة: ويسمى الصوت الخارج منهما أسنانياً لثوياً (Denti-alveolar) ويخرج الصوت عند اتصال طرف اللسان مع الأسنان العليا، ومقدمة اللسان باللثة وهي (أصول الثنايا).
    وهذا المخرج من أغنى المخارج بالأصوات اللغوية، والأصوات الخارجة هي: ( الدال ، والضاد ، والتاء ، والطاء ، والزاي ، والسين ، والصاد).
    اللثة: ويسمى الصوت الخارج منها لثوياً ( Alveolar ) ويخرج الصوت عند اتصال طرف اللسان باللثة، والأصوات الخارجة منهما هي: (اللام ، والراء ، والنون ).
    والمخرجان الرابع والخامس متقاربان جداً، لذلك نرى أنَّ علماء الأصوات قد اختلفوا في تحديد أصوات كل مخرج، فبعض منهم عدَّ ( الزاي، والسين ، والصاد ) لثوية، و (اللام ، والنون ) أسنانية لثوية([9]).
    الغار: ويسمى الصوت الخارج منه غارياً (Palatol ) ، ويخرج الصوت عند اتصال مقدم اللسان بالجزء الصلب الذي يلي اللثة ويسمى الغار. والأصوات الخارجة منه هي: (الشين، والجيم، والياء).
    الطبق: ويسمى الصوت الخارج منه طبقياً (Velar) وينتج هذا الصوت عند اتصال مؤخر اللسان بالطبق( وهو الجزء الرخو من مؤخر سقف الحنك). والأصوات الخارجة منه هي( الكاف، والغين، والخاء).
    اللهاة: ويسمى الصوت الخارج منها لهوياً (Uvular)، وينتج الصوت عند اتصال مؤخر اللسان باللهاة (وهي أخر جزء من مؤخر الحنك) والصوت الخارج منها هو صوت( القاف ) فقط.
    الحلق: ويسمى الصوت الخارج منه حلقياً (Pheryngal) وينطق الصوت عند تضييق منطقة الحلق ويخرج منه صوتان هما ( العين، والحاء ).
    الحنجرة: ويسمى الصوت الخارج منه حنجرياً(Glottal)، وينتج الصوت عند إقفال الوترين الصوتيين أو تضييقهما في قاعدة الحنجرة، والأصوات الخارجة من هذا المخرج هما( الهمزة، والهاء).
    وعدّ الدكتور سعد مصلوح مخارج أصوات اللغة الجامدة تسعة، وهي تتفق مع المذهب الذي عرضناه، إلاَّ أنه جعل مخرج ( ل ر ن ) من مخرج (ت ط ض س، ص ز) فنقصت المخارج عنده واحداً ([10]).
    وذهب الدكتور عبد الصبور شاهين المذهب نفسه في عدّ ( ل ر ن ) من مخرج ( ت د ط ض- س ص ز) لكنه أفرد مخرج ( غ خ )عن مخرج(ك) وجعلهما في مخرج مستقل، على نحو ما فعل سيبويه وعلماء العربية من قبل، فعادت المخارج لديه عشرة ([11]).

    * أوجه الخلاف بين سيبويه والمحدثين في مخارج الأصوات الصامتة:
    قدَّمنا فيما سبق عرضاً لمخارج الأصوات عند سيبويه والعلماء المحدثين وكيفية توزيعهم للأصوات على هذه المخارج، ومن خلال ذلك نلحظ:
    أنَّ سيبويه رتب مخارج الأصوات ترتيباً تصاعدياً ابتداءً بالحلق وانتهاءً بالشفتين والخيشوم، يخالف ما نحن عليه الآن في الدراسات اللغوية الحديثة، حيث تبدأ بالشفتين وتنتهي بالحنجرة.
    نذكر هنا أوجه الخلاف بين سيبويه والمحدثين لتوزيع الأصوات على مخارجها، ليسهل أمام القارئ إدراك الفرق بسهولة:
    لعل أول ما يثير دهشتنا هو وجود الألف ضمن مجموعة الأصوات الحلقية (أقصى الحلق) عند سيبويه، على الرغم من انه جعل الهمزة بداية لها، وجعله الهمزة في بداية تلك المجموعة يدل حقيقة على دقة وحسن ومذاق.
    كان سيبويه دقيقاً إلى درجة فائقة في تحديده مجموعة الأصوات الشفوية، فجاءت الدراسات اللغوية الحديثة مطابقة له.
    ومن خلال مخرج الفم عند سيبويه يظهر بوضوح أنه قد أدرك أنَّ الصوت يتكوَّن باتصال عضوين من أعضاء النطق اتصالاً محكماً... وتبدو دقة سيبويه في صورة أوضح حين يصف لنا مخرج اللام، فيقول: أنها من حافة اللسان من أدناها إلى منتاه طرف اللسان، ما بينهما وبين ما يليها من الحنك الأعلى وما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية.
    على حين أنَّ المحدثين يكتفون بقولهم " أنَّ اللام تتكون باتصال طرف اللسان بأصول الثنايا"([12]).
    بعد هذه المقارنة، نستطيع أن نقول أنَّ ما توصل إليه سيبويه من تحديد لمخارج الأصوات يعد عملاً علميا رائعاً، يدل على ذكاء صاحبه وحسن تذوقه للأصوات، دون أن يستخدم الوسائل والأجهزة العلمية الحديثة لتحديد تلك المخارج، كما هو الحال عند العلماء المحدثين.


    ([1]) – انظر: الحروف العربية وتبدلانها الصوتية في كتاب سيبويه، 73-75.

    ([2]) - الكتاب، 4/433، وانظر علم الأصوات، كمال بشر،دار غريب، القاهرة، د.ت. ص: 185.

    ([3]) - الأصوات اللغوية، إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، ط3، 1961م. ص: 94.

    ([4]) - الكتاب، 4/ 433.

    ([5]) - الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، غانم قدوري الحمد، مطبعة الخلود، بغداد، 1986م. ص:168.

    ([6]) - الكتاب، 4/ 433- 434.

    ([7]) - سر صناعة الأعراب، أبو فتح عثمان بن جني، تح: حسن هنداوي، ط2، دار القلم، 1993م. 1/45.

    ([8]) - ينظر مناهج البحث اللغوي، تمام حسان، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، 1955م.84-85. و "المدخل إلى علم اللغة"، رمضان عبد التواب، ط2، مطبعة المدني، القاهرة، 1985م. ص: 30-31.

    ([9]) - ينظر:علم الأصوات اللغوية، 43. و " مبادئ اللسانيات، أحمد محمد قدور،دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 1999م. ص: 67-68.

    ([10]) - ينظر:علم الأصوات اللغوية، 43. و " مبادئ اللسانيات "، 67-68.

    ([11]) - ينظر:علم الأصوات اللغوية، 43.

    ([12]) - الأصوات اللغوية، أنيس، 97.


    [/justify]

    يتبع

    تعليق


    • #3
      المبحث الثالث: في صفات الأصوات

      تُعد دراسة صفات الأصوات العربية في كتاب سيبويه من أقدم الدراسات فقد نحى منحى آخر في دراسة الصفات، أكثر شمولاً، وأوضح تعبيراً، وأبعد أثراً في الدرس الصوتي، فذكر من الصفات ما هو متقابل، كالمجهور والمهموس، والشديد والرخو وما بينهما، والإطباق والانفتاح ، والاستعلاء والاستفال، والتفخيم والترقيق. ومنها ما هي منفردة مثل القلقة، والصفير، والتكرار، والانحراف، والتفشي، والغنة. معتمداً في ذلك على معيار تحكم جهاز النطق في الهواء الخارج من الفم.
      الجهر والهمس
      وصف سيبويه أصوات الحروف المجهورة بقوله:" إنَّ المجهور حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت " ([1]).
      هذا هو التعريف الذي وقف أمامه علماؤنا القدماء حائرين دون شرح واضح أو تعليق ذي قيمة([2]). والأصوات المجهورة عند سيبويه هي: ( ع غ ج ي ق ط ء ل ر ن د ض ز ذ ظ ب م و ) ([3]).
      أما تعريف الجهر عند المحدثين فهو كالتالي:
      " يحدث الجهر في الحنجرة حين يتضام الوتران الصوتيان، ويؤدي ضغط هواء الزفير إلى فتحهما ثم انطباقهما بسرعة كبيرة، وينتج عن ذلك نغمة صوتية واضحة، هي الجهر الذي يصاحب نطق عدد من أصوات اللغة " ([4]).
      أرى أنَّ تعريف العلماء المحدثين للمجهور مطابقاً لتعريف سيبويه، ولست أرى لاختلاف هذه الآراء مبرراً، وإن اختلفت صيغ التعريفات للصوت المجهور إلاَّ أنَّ النتيجة واحدة، فإذا ما لاحظنا تعريف سيبويه السابق وتعريف المحدثين، فإنه يتضح أنّ الصوت المجهور يحدث عندما ينطبق الوتران الصوتيان على بعضهما، ولعل هذا ما يعنيه سيبويه بإشباع الاعتماد في موضعه، ثم يؤدي هذا الالتقاء إلى ضغط هواء الزفير ثم إلى فتحهما ، وانطباقهما بسرعة كبيرة، وينتج عن ذلك نغمة صوتية واضحة. وهذا ما يعنيه سيبويه بقوله " ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت ".
      ما يدل على أنّ الحس المرهف لسيبويه جعله يشعر مع المجهور باقتراب الوترين الصوتيين احدهما من الآخر حتى ليكادان يسدان طريق التنفس. وهذه هي الصفة التي وضحها المحدثون حين وصفوا الصوت المجهور. يتضح هنا أنَّ المحدثين ساروا على نهج سيبويه في وصف الصوت المجهور.
      وأما الحروف المهموسة فقد وصفها بأنها حرف " أُضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه "([5]). وجعل عدد الحروف المهموسة عشرة وهي (الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والشين، والسين، والتاء، والصاد، والثاء، والفاء)([6]).
      فالقاف حرف مجهور على وفق الضبط الذي وضعه سيبويه، وهو عدم جريان النفس عند إخفاء الحرف وترديده، فصوت القاف الذي وصفه هو نفسه اليوم، ولنا أن نرى قول سيبويه خير دليل حين قال: « انك لو جافيت بين حنكيك فبالغت ثم قُلت: قق قق لم تر ذلك مخلاً بالقاف، ولو فعلته بالكاف وما بعدها من حروف اللسان أخلَّ ذلك بهن»([7]).
      أما (الطاء) فيرى المحدثون أنها مهموسة، ومجهورة بضابط سيبويه، ويرجح إبراهيم أنيس أنَّ صوت الطاء قد طرأ عليه تغيير حيث يرى «أنَّ صوت الطاء كما وصفها القدماء كأن يشبه الضاد الحديث لدى المصريين»([8]). واستند في رأيه إلى قول سيبويه «لولا الإطباق لصارت الطاء دالاً »([9]).
      أمّا الهمزة فقد اختلف المحدثون في وصفها، حيث توصف عند بعضهم بالهمس لعدم اهتزاز الوترين الصوتيين حين النطق بها، إذ أنها تخرج بانطباق الوترين الصوتيين، ووصفها آخرون بأنها ليست مجهورة ولا مهموسة «لأن فتحة المزمار معها مغلقة إغلاقاً تاماً فلا نسمع لها ذبذبة الوترين الصوتيين، ولا يسمح للهواء بالمرور إلى الحلق إلاَّ حين تنفرج فتحة المزمار، ذلك الانفجار الفجائي الذي ينتج الهمزة »([10]).
      وذهب تمام حسان إلى أنَّ الهمزة مهموسة، وأنَّ « النحاة والقرّاء أخطأوا فعدّوا هذا الصوت مجهوراً، وهو مستحيل استحالة مادية مادامت الأوتار الصوتية مقفلة في أثناء نطقه»([11]).
      بالرغم من أنَّ سيبويه لم يكن على معرفة بدور(الوترين الصوتيين) في التحكم بطبيعة الصوت لم تكن نتائج وصفه بعيدة عن وصف المحدثين لأصوات الحروف المجهورة والمهموسة، التي جاءت مطابقة لوصفه لها، عدا أصوات حروف(القاف والطاء والهمزة) التي عدَّها المحدثون مهموسة أو مجهورة عند سيبويه.
      الشديد والرخو
      ذكر سيبويه أنَّ من الحروف ما هو شديد، ومنها ما هو رخو، ومنها ما هو بين الشدة والرخاوة، فالشديد « هو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه. والحروف الشديدة هي: « الهمزة، والقاف، والكاف، والجيم، والطاء، والتاء، والدال، والباء »([12]).أمّا الحرف الرخو فهو« أجريت فيه الصوت»([13]).
      والحروف الرخوةهي: «الهاء، والحاء، والعين، والخاء، والشين، والظاء، والتاء، والثاء، والفاء»([14]).
      وجعل حرف العين مثالاً لما هو بين الشدة والرخاوة، فقال: «وأما العين فبين الرخوة والشدة، تصل الترديد فيها لشبهها بالحاء»([15]).
      ثم وصف حروف «اللام، والراء، والنون، والميم» بشيء قريب منه، أو ذهب إلى أنها حروف شديدة، ولكن الصوت يجري معها لأسباب مختلفة ([16]).
      ولا يخرج الوصف الحديث عمّا ذهب إليه سيبويه، فيطلق البحث الصوتي الحديث صفة (الصوت الانفجاري) على الصوت الشديد([17]). ويعرفها آخرون بأنها«انحباس الصوت عند النطق بالحرف لتمام قوته، وذلك لقوة تمام الاعتماد على مخرجه»([18]).
      الإطباق والانفتاح
      حروف الإطباق عند سيبويه هي أربعة«الصاد، والضاد، والطاء، والظاء»([19]).
      وقد وصف الإطباق بقوله:« وهذه الحروف الأربعة إذا وضعت لسانك في مواضعهن انطبق لسانك من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك العلى من اللسان ترفعه إلى الحنك، فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف... فهذه الأربعة لها موضعان محصورة فيما بين اللسان، وقد بيَّن ذلك بحصر الصوت»([20]).
      ومن المحدثين من يضطرب في تعريف الإطباق حيث يقول: «الإطباق ويكون حين يرتفع مؤخر اللسان في اتجاه الطبق ولا يصل به، على حين أنَّ النطق أي مخرج الصوت يخرج من موضع آخر غير الطبق»([21]).
      وقد شهد لسيبويه في دقة وصفه المحدثون من علماء الأصوات، يقول شاده:« وهذا التعريف من الوضوح بحيث يستغني عن التفسير، وما أصوب قول سيبويه أنَّ هذه الأربعة لها موضعان من اللسان، فإنَّ الناطق بالصاد مثلاً لا يكتفي بوضع طرف لسانه على لثته كما يفعل في السين ولكنه في نفس الوقت يقرب الجزء الأخير من لسانه إلى ما يحاذيه من الحنك »([22]).
      أمّا ما سوى ذلك من الحروف فقد وصفها بالمنفتحة، قال:« والمنفتحة كلُّ ما سوى ذلك من الحروف، لأنك لا تُطبِقُ لشيء منهنَّ لسانك، ترفعه إلى الحنك الأعلى »([23]).
      والواقع أنَّ البحث الصوتي الحديث قد تابع سيبويه فيما يتعلق بالأصوات المطبقة والمنفتحة، غير أنهم أدخلوا حروف (القاف، والغين، والخاء) ضمن الأصوات المطبقة([24]).
      الاستعلاء والاستفال
      هاتان الصفتان موضوعتان أيضاً على أساس النظر إلى الجانب العضوي، فالاستعلاء يعني استعلاء اللسان، والاستفال يعني استفاله.
      ذكر سيبويه صفة الاستعلاء في حديثه عن الإمالة، لأن أصوات الاستعلاء تمنع الإمالة، فقال:« فالحروف التي تمنعها الإمالة هي السبعة، الصاد والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والقاف، والفاء... وإنما منعت هذه الحروف الإمالة لأنها حروف مستعلية إلى الحنك الأعلى»([25]).
      ووصف أصوات الحروف الباقية بـ (الاستفال) وذلك عند دراسة أصوات الحلق في حالة وقوعها عيناً في الفعل الماضي([26]).
      ويصف بعض المحدثين الاستعلاء بأنه« صفة لبعض الأصوات الخلفية وهي: القاف، والغين، والخاء، وفيها يرتفع اللسان بجزئه الخلفي نحو اللهاة، فيخرج الصوت غليظاً مفخماً»([27]).
      ويميل بعض المحدثين إلى تقسيم أصوات الاستعلاء إلى أصوات طبقية، وأصوات مطبقة، فيقول:« وصفة الإطباق ومخرج المطبق يشملهما في التجويد العربي اصطلاح الاستعلاء»([28]).
      والخلاصة أنَّ المحدثين لم يقدموا شيئاً ممكن أن يقارن بينهم وبين سيبويه، بل درسوا الظاهرة ووقفوا أمام ما قاله سيبويه دون أن يوجهوا نقداً يذكر، بل كان بعضهم قاصراً عن فهمها، والظاهرة مما يشهد لسيبويه بالرسوخ.
      التفخيم والترقيق
      الذي نجده عند سيبويه أنه ذكر التفخيم في حديثه عن الأصوات المستحسنة، فقال:« وألف التفخيم يعني بلغة أهل الحجاز في قولهم: الصلاة والزكاة والحياة »([29]).
      والتفخيم لم يعن به سيبويه، ولم يحرص على تفصيل القول فيه، ولعل ذلك عائد إلى أنه قد تحدث عنه في ظاهرة الإطباق، ولما كان الإطباق والتفخيم صورتين لحالة صوتية واحدة لم يجد دافعاً للإطالة في الحديث عن التفخيم([30]).
      وقد عني علماء التجويد والقراءات بالتفخيم عناية خاصة وقسموه درجات، أقواها للأصوات المطبقة الأربعة (الصاد، والضاد، والطاء، والظاء). يقول ابن الجزري: «حروف التفخيم هي حروف الإطباق ولا شك أنها أقواها تفخيماً»([31]).
      والمحدثون بعضهم يعرِّف التفخيم بقوله: «صفة صوتية تنتج عن تراجع مؤخرة اللسان، بحيث يصير فراغ البلعوم الفموي ربع حجمه الطبيعي»([32]).
      * الصفات المفردة
      1- القلقلة
      لاحظ سيبويه أنَّ حروف (القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء)، فقال: « وأعلم أنَّ من الحروف مُشربة ضغطت من مواضعها، فإذا وقفت خرج معها من الفم صويتٌ ونبأ اللسان عن موضعه، وهي حروف القلقة»([33]).
      وقد فسر البحث الصوتي الحديث صفة (القلقة) في هذه الحروف بأنها جمعت بين صفتي الجهر والشدة، وهو ما ذهب إليه سيبويه، ومفهوم (الصويت) عند سيبويه هو أنَّ هذه الحروف الانفجارية يتبعها عند النطق بها وهي ساكنة صائت قصير جداً ملائم لحركة ما بعده، أشبه ما يكون بحركة الفتحة والضمة والكسرة. وذلك نحو "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ "([34]). و " يَبْغُونَكُمُ"([35])، إذاً تُحرَّك هذه الأصوات الساكنة وهي الباء، والجيم، والدال، والطاء، في هذه الكلمات بحركةٍ خفيفةٍ ملائمةٍ لحركة ما بعدها([36]).
      والمستشرقون الغربيون أيَّدوا سيبويه في صفة القلقة وأصواتها ، يقول كانتينو: «حروف القلقلة وهي التي لها صوت شديد الوقع لأنها جمعت بين الجهر والشدة، أي أنها تتمثل في خمسة أحرف شديدة ومجهورة، هي القاف، والجيم، والطاء والدال، والباء»([37]).
      2- الصفير
      وجد سيبويه أنَّ الرَّخاوة في حروف (الصاد، والسين، والزاي) تفوق في السمع فوصفها بالصفير، يقول: «أمَّا الصاد والسين والزاي، فلا تدغمهن في هذه التي أُدغمت فيهن، لأنهن حروف الصفير، وهن أندى في السمع ، هؤلاء الحروف إنما هي شديد ورخو»([38]).
      وينحقق هذا الصفير عند اتصال أول اللسان بأصول الثنايا، فيكون هناك منفذ ضيق جداً غير انه كافي لمرور الهواء.
      ويضيف الدرس الصوتي الحديث أصواتاً أخرى إلى أصوات الصفير وهي: الثاء، والذال، والزاي، والشين([39]). غير أنهم يروا أنَّ أعلاها صفيراً هي تلك الأصوات الثلاثة التي وصفها سيبويه بـ(حروف الصفير).
      يقول إبراهيم أنيس: «سيبويه إنما أراد بوصفه الصفير أن يميزها من بين الأصوات الرخوة، لأنّ الرخاوة فيها تفوق كل الأصوات الرخوة الأخرى، وهي من اجل تلك الرخاوة الكثيرة التي تبلغ حد الصفير قد اختصت ببعض الظواهر اللغوية»([40]).
      وهنا يعلل إبراهيم أنيس الصفير في هذه الأصوات شدة الرخاوة. ولعله من الواضح انه يرافق حدوث هذه الأصوات احتكاكاً قوياً لضيق المخرج والذي بالكاد يكون كافيا لمرور الهواء.
      3- التكرار
      وهو حرف (الرَّاء) وقد وصف سيبويه هذا الحرف المكرر بقوله: «وهو حرف شديد يجري فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام، فتجافي للصوت كالرخوة، ولو لم يكرر لم يجر الصوت فيه»([41]).
      ويقول في موضع آخر: «والرّاء اذا تكلمت بها خرجت كأنها مضعفة، والوقوف يزيدها إيضاحاً»([42]).
      والمحدثون يحددون التكرير بالمعنى نفسه الذي حدده سيبويه، يقول ابراهيم انيس: «لأن التقاء طرف اللسان بحافة الحنك مما يلي الثنايا العليا يتكرر فيها النطق بها، كأنما يطرق طرف اللسان حافة اللسان حافة الحنك طرقاً ليناً يسيراً مرتين أو ثلاث»([43]).
      4- التفشِّي
      صفة أطلقها سيبويه على مجموعة أصوات هي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والشين والراء.
      يصف سيبويه الصاد بقوله: «وأنت في صقت تضع في موضع السين حرفاً أفشى في الفم منها للإطباق»([44]).
      ويصف الظاء في موضع آخر قائلاً: «لأنها ليست كالظاء في الجهر والفشو في الفم»([45]).
      أمّا الشين فقد قال عنه: «الشين لا تدغم في الجيم، لأن الشين استطال مخرجها لرخاوتها... فاجتمع هذا والتفشي»([46]).
      والراء يقول عنه: «الراء لا تدغم في اللام ولا في النون لأنها مكررة، وهي تفشي إذا كان معها غيرها، فكرهوا أن يجحفوا بها فتدغم مع ما ليس بتفشي في الفم مثلها ولا يكرر»([47]).
      من خلال هذه النصوص نجد أنّ سيبويه يجعل التفشي مرادفاً للإطباق، إذ لما كان الصوت المطبق مفخماً، وله ميزة في السمع أو فشو، فقد أطلق على هذا الصوت وصف التفشي.
      أما المحدثون فيعرِّف عبد الصبور شاهين قائلاً: «أن يشغل الصوت من عرض اللسان مساحة ينتج بها هذا الوشيش»([48]).
      5- الغنة
      الغنة صفة الميم والنون عند سيبويه، وهي من الأصوات الشديدة في نظره، قال في الصفات« ومنها حرف شديد يجري معه الصوت لأنَّ ذلك الصوت غنة من الأنف، فإنما تخرجه من أنفك واللسان لازم لموضع الحرف، لأنك لو أمسكت بأنفك لم يجر معه الصوت وهو النون والميم»([49]).
      وأضاف بعض المحدثين للنون، والميم صوت التنوين، والتنوين من الوجهة الصوتية نون ساكنة.

      ([1]) - الكتاب، 4/434.

      ([2]) - الأصوات اللغوية، أنيس، 101.

      ([3]) - الكتاب، 4/434.

      ([4]) - الأصوات اللغوية، أنيس ، 101-102.

      ([5]) – الكتاب، 4/434.

      ([6]) – نفسه، 4/434.

      ([7]) – الكتاب، 4/428.

      ([8]) – الأصوات اللغوية، 62.

      ([9]) – الكتاب، 4/436. وانظر :الأصوات عند سيبويه، عبد العزيز الصيغ، دار الفكر، دمشق، ط1، 2009م. ص:170-172.

      ([10]) – الأصوات اللغوية، أنيس، 91. وانظر:الأصوات عند سيبويه، 177-179.

      ([11]) – مناهج البحث في اللغة، 97.

      ([12]) – السابق، 434.

      ([13]) – انظر: الكتاب،4/434-435.

      ([14]) – السابق، 4/434-435.

      ([15]) – السابق، 4/435.

      ([16]) – السابق،4/435.

      ([17]) – انظر: علم اللغة، محمود السعران، دار المعارف، مصر، 1962م.ص:185، 187، 201، 202. وانظر الأصوات عند سيبويه،181-188.

      ([18]) – دراسات في فقه اللغة، صبحي الصالح، ط7، دار العلم للملايين، بيروت، 1978م، ص:281.

      ([19]) – السابق،4/436.

      ([20]) – السابق، 4/436.

      ([21]) – مبادئ اللسانيات، 84.

      ([22]) – علم الأصوات عند سيبويه وعندنا، صحيفة الجامعة المصرية، السنة الثانية، العدد (5) 1/14.

      ([23]) – الكتاب، 4/436.

      ([24]) – المنهج الوصفي في كتاب سيبويه، نوزاد حسن أحمد، ط1، دار دجلة، عمَّان، 2007م. ص:114.

      ([25]) – الكتاب، 4/128-129.

      ([26]) – المنهج الوصفي في كتاب سيبويه، 114.

      ([27]) – الأصوات عند سيبويه ، 217.

      ([28]) – مبادئ اللسانيات، 85.

      ([29]) – الكتاب، 4/432.

      ([30]) – الأصوات عند سيبويه، 218.

      ([31]) – السابق، 219.

      ([32]) – السابق، 219.

      ([33]) – الكتاب، 4/174.

      ([34]) – الحج:30.

      ([35]) – التوبة:47.

      ([36]) – انظر:المنهج الوصفي في كتاب سيبويه، 115.

      ([37]) – الأصوات عند سيبويه، 249.

      ([38]) – الكتاب، 4/464-465.

      ([39]) – الأصوات اللغوية، أنيس، 74.

      ([40]) – السابق، 109.

      ([41]) – الكتاب،4/435.

      ([42]) – السابق، 2/267.

      ([43]) – الأصوات اللغوية، أنيس، 67.

      ([44]) – الكتاب،4/479.

      ([45]) – السابق،4/481.

      ([46]) – السابق،4/448.

      ([47]) – نفسه

      ([48]) – في التطور اللغوي، 210.

      ([49]) – الكتاب،4/435.

      يتبع

      تعليق


      • #4
        المبحث الرابع: ظواهر صرفية ذات بعد صوتي



        الإدغام

        أبدى سيبويه في كتابه عناية فائقة بظاهرة الإدغام، وخصها بدراسة مفصلة، فذكر أنوعها، واهتدى إلى القوانين الصوتية الدقيقة في كيفية تعامل الأصوات اللغوية بعضها مع بعض لتحقيق هذه الظاهرة.
        والإدغام عنده في الصوتين يكون "بأن يدخل الأول في الأخر، والأخر على حالة، ويقلب الأول فيدخل في الأخر حتى يصير هو والأخر من موضع واحد، نحو: قد تركتك، ويكون الأخر على حالة"([1]).
        وقد قسم سيبويه الإدغام إلى قسمين بحسب نوع الأصوات:
        الأول: إدغام المثلين
        "ذكر سيبويه أنَّ العرب مجمعون على تحقيق الإدغام في الفعل إذا توالى صوتان متماثلان في عينه ولامه من موضع واحد، فإذا تحركت اللام منه وهو(فِعْلٌ) ألزموه الإدغام وأسكنوا العين، فهذا مُتلئبٌّ في لغة تميم وأهل الحجاز"([2]).
        وشرط لذلك سكون الصوت الأول وتحرك الثاني، وعبارته: فلم يكن ليكون إدغام إلاَّ بسكون الأول، ألا ترى أنَّ الحرفين إذا تقارب موضعهما تحرك الأول وسكن الأخر لم يدغموا... وإنما السكون والتحرك في المتقاربين، فإذا لم يكن الأول ساكناً لم تصل إلى الإدغام لأنه لا يسكَّن حرفان"([3]).
        وذلك نحو: شدَّ، ومدَّ. والأصل شدد، ومدد. وعلل رغبة العرب في إدغام المتماثلين بالميل إلى الخفة، لأنه يثقل على اللسان نطق صوتين متماثلين في موضع واحد، قال: "وذلك لأنه يثقل عليهم أن يستعملوا ألسنتهم من موضع واحد، ولا تكون مهلةٌ كرهوه لتكون رفعة واحدة، وكان أخف على ألسنتهم"([4]).
        ويعرف هذا التغيير الصوتي في الدرس الحديث الذي يحقق توفير الجهد في النطق بـ "قانون الجهد الأقل"([5]).

        وقد لاحظ سيبويه على إدغام المتماثلين ملاحظات هي:
        أحسن ما يكون الإدغام فيهما أن تتوالى خمسة أصوات متحركة بهما فصاعداً([6]).
        يكون الإدغام حسناً بأن يكونا متحركين وقبل الأول صوت مد([7]).
        لا يصح الإدغام إذا كان قبل الأول صوت متبوع بالسكون([8]).
        إذا كانت الواو قبلها ضمة والباء قبلها كسرة فإن واحدة منهما لا تدغم إذا كان مثلها بعدها([9]).
        الهمزتان ليس فيهما إدغام([10]).
        أصوات الحلق ليست أصلاً للإدغام([11]).
        ما كان أقرب إلى الفم كان أقوى على الإدغام ([12]).
        الصوت الأقرب إلى الفم لا يدغم في الذي قبله([13]).
        ومن الجدير بالذكر أنَّ سيبويه ذكر إدغام الجيم في الشين، ولم يذكر الجيم حين يكون مدغماً فيها أصوات أخرى.

        الثانيً: المتقابلين
        وهو ما يعرف بـ (التماثل الصوتي التام) أو (المماثلة الكاملة) عندما يُغني أحد الصوتين المتجاورين في الآخرين لتحقيق حالة من التجانس، وذلك بتأثير أ؛د الصوتين في الآخر، وتقريبه من خصائصه، وإدغامه فيه بحيث ينطق بالصوتين صوتاًُ واحداً.
        وذكر سيبويه ملاحظات صوتية بالغة الأهمية في كيفية تحقيق (إدغام المتقاربين) وانطلاقاً من نظريته الدقيقة تلك فطن إلى أنَّ شرط حصول التماثل الكامل (الإدغام) المقاربة في المخرج([14])، والمضارعة في الصفة([15]). و"أصل الإدغام في حروف الفم واللسان لأنها أكثر الحروف"([16]).
        ومن الأمثلة التي ذكرها سيبويه لهذا النوع من التماثل الكامل: مُثَّر، مصَّر، والأصل: مُثتَرد ، ومصطبر. ففي (مُثترد) التقى الصوتان (ث+ت) وهما أختان من مخرجين متقاربين، فمخرج (الثاء) "مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا"([17]). ومخرج (التاء) "مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا"([18]). فهما من حيِّز واحد، وليس بينهما إلاَّ ما بين طرف اللسان وأصولها([19]).

        فقد رأى سيبويه أنَّ الأصوات تدغم في غيرها على النحو الآتي:
        أصوات لا تدغم ولا يدغم غيرها فيها، وهي: الهمزة والألف والياء والواو([20]).
        أصوات يدغم غيرها فيها فقط، وهي: الميم، و الفاء، والواو، والشين، والضاد([21]).
        أصوات تدغم في غيرها فقط، وهي: الجيم، والنون، واللام. ويستثنى إدغام (ن) في (ل) ([22]).
        والإدغام عند المحدثين هو حالة من حالات المماثلة، فالمماثلة عندهم تتفق مع تعريف ابن جني للإدغام، وهو تقريب صوت من صوت، فإما أن يتقارب الصوتان تقارباً تاماً، وهو الإدغام عند سيبويه، والإدغام الأكبر عند ابن جني، وإما أن يكون التقارب غير تام، وهو عند سيبويه مضارعة أو تقريب، وهو عند ابن جني الإدغام الأصغر، وكلا هذين النوعين من التقريب عند المحدثين مماثلة([23]).
        ولا نكاد نجد بعد ذلك فيما كتبه المحدثون ما يخالف قول سيبويه في الإدغام من أسس وقواعد وأصول، فقد أخضع باب الإدغام لمنطق صوتي سديد، لا يخالفه فيه المحدثون.
        وقد شهد له المحدثون فقال شاده: "ليستحق ما قد وصل إليه من غايات علم الأصوات أن نعتبره ما أجمع على تسميته كل من درسه من علماء الشرق والغرب مفخراً من أعظم مفاخر العرب"([24]).
        ويقول الدكتور كمال بشر بعد أن ذكر موجزاً لجهود سيبويه في دراسة الأصوات: "هذه النقاط المحدودة الموجزة تظهر لنا براعة سيبويه في دراسة الأصوات، وتوضح لنا عمقه في تحليلها، والحقُ أنَّ هذا الرجل يعد الرائد الحقيقي في الدراسات الصوتية العربية، وأنَّ أعماله في هذا المجال هي الأساس لكل الأعمال الصوتية من بعده"([25]).


        المماثلة

        تحدث سيبويه عن ظاهرة المماثلة في باب أسماه هكذا «باب الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه»
        «فأما الذي يضارع به الحرف الذي من مخرجه فالصاد الساكنة اذا كانت بعدها الذال. وذلك نحو: مصدر، او أصدر، والتصدير، لأنهما قد صارتا في كلمة واحدة، كما صارت مع التاء في كلمة واحدة في افتَعَلَ فلم تدغم الصاد في التاء لحالها التي ذكرت لك، ولم تدغم الذال فيها ولم تبدل لأنها ليست بمنزلة اصطبر وهي من نفس الحرف. فلما كانتا من نفس الحرف أجريتا مجرى المضاعف الذي هو من نفس الحرف من باب مددت، فجعلوا الأول تابعاً للأخر، فضارعوا به أشبه الحروف بالدال من موضعه، وهي الزاي، لأنها مجهورة غير مطبقة. ولم يبدلوها زاياً خالصاً كراهية الإجحاف بها للإطباق»([26]).
        وفي هذا النص تتضح ظاهرة المماثلة الصوتية، ويعني سيبويه بالحرف الذي يضارع به حرف من موضعه «الصاد الساكنة إذا كانت بعدها الدال، وذلك نحو: مصدر، أصدر، والتصدير... »([27]).
        فهو بهذا يرى أنَّ إدغام الصاد في الدال أو إبدال الدال حرفاً يناسب الصاد كالطاء غير ممكن، ويفسر ما حدث في هذه الأمثلة بأنه مضارعة للصاد بالزاي أي تقريبها منها لأنَّ الزاي مجهورة كالدال، وبذلك يتحقق الانسجام بين المتجاورين.
        وهذا النوع من المماثلة هو الذي أطلق عليه المحدثون من علماء الأصوات بـ (التأثر الرجعي) وهو أ، يتجاور لغويان ويتأثر الأول منهما بالثاني([28]).

        أما قول سيبويه «ولم يبدلوها زاياً خالصة كراهية الإجحاف بها للإطباق» إنما يشير بهذا إلى أنَّ الصاد أبدلت إلى تلك الظاء العامية التي نسمعها في نطق الناس مع لهجات الحديث لكلمة (ضابط) حين يقولون (ظابط) ([29]).
        ويعلل سيبويه إبدال الصاد زاياً في تلك الأمثلة «وإنما دعاهم إلى أن يقربوها ويبدلوها أن يكون عملهم من وجهة واحدة، وليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد، إذ لم يصلوا إلى الإدغام، ولم يجسروا على إبدال الدال صاداً لأنها ليست بزيادة كالتاء في افتعل»([30]).
        ويشير سيبويه إلى أنَّ شرط تأثر الصاد بالدال أ، يكون الصاد ساكنة فيقول: «فأما الذي يضارع به الحرف من مخرجه فالصاد الساكنة إذا كانت بعدها الدال»، ثم يقول: «فإن تحركت الصاد لم تبدل».
        ونلحظ في كل ما تقدم أنَّ سيبويه يقصر كلامه المضارعة على حرف واحد هو الصاد هين تليها الدال.
        وتكاد تحصر الأمثلة الأخرى التي أوردها سيبويه، في (أشدق) فقد تماثلت الشين مع الدال التالية لها في الجهر فصارت النظير المجهور للشين([31]).
        ومن الملاحظات التي تستحق التنويه بها قوله في تفسير قول بعض العرب (يستيع) بدلاً من (يستطيع) أبدلوا التاء مكان الطاء ليكون ما بعد السين مهموساً مثلها، كما قالوا (ازدان) التي أصلها (ازتان) ليكون ما بعد الزاي مجهوراً مثلها([32]).

        أما المماثلة بين الحركات المتجاورة فقد أشار إليها سيبويه في باب الإمالة حين قال: «وإنما أمالوا الألف للكسرة التي بعدها، أرادوا أن يقربوها منها كما قربوا في الإدغام الصاد من الزاي» ويؤيد هذا قوله في باب ما تقلب فيه الواو ياء إذا أسكنت وقبلها كسرة في مثل (ميزان)، (ميعاد) ([33]).


        المخالفة

        يقول إبراهيم أنيس: لم يفطن علماء العربية القدامى لهذه الظاهرة، أو لم يولوها ما تستحق من عناية، فقد أشار أشار إليها سيبويه في باب سماه "باب ما شذَّ فأبدل مكان اللام لكراهية التضعيف وليس بمطّرد" ثم ضرب أمثلة لهذا " كتسريت وتظنيت وتقطيت"([34]) .
        يقول سيبويه في مكان آخر : " وقال بعضهم : استخذ فلان أرضًا، يريد اتخذ أرضَا، كأنهم أبدلوا السين مكان التاء في اتخذ، كما أبدلوا حيث كثرت في كلامهم وكانتا تائين، فأبدلوا السين مكانهما، كما أبدلت التاء مكانهما في ست، وإنما فعل هذا كراهية التضعيف"([35])
        وقد ذكر مثالاً آخر وهو " قول العرب: الطجع في اضطجع، فأبدلوا اللام مكان الضاد كراهية التقاء المطبقين، فأبدلوا مكانها أقرب الحروف منها في المخرج والانحراف"([36])
        " والواضح أن سيبويه يشترط المخالفة أن يكون بين الصوتين المبدل والمبدل منه تقارب في الصفات والمخرج، وهي بين التاء والسين واضحة، كما أنها كذلك بين الضاد واللام"([37])
        «ظاهرة المخالفة الصوتية تعطي تفسيرً دقيقاً لما أشار إليه إبراهيم أنيس من وجود افتراق في المعنى بين الثلاثي معتل العين أو اللام مع فعل ثنائي مضعف من نفس المادة... وأنَّ الأصل في كل هذه الأمثلة هو التضعيف، ثم سهل مع تطور الزمن بالاستعاضة عن احد الحرفين المدغمين بالياء أو الواو لخفتهما»([38]).
        «فإنَّ التضعيف قد فك عن طريق المخالفة الصوتية لبناء المصدر فتولد معتل العين، أما معتل اللام فلم يتولد عن فك التضعيف، وإنما تولد عن مثل صيغة فعلت (الفعل الثنائي) مسنداً إلى مورفيم الضمائر المتصلة في مثل طححت التي تحولت إلى طحوت»([39]).
        إذن« يتحقق عنصر المخالفة بأن يتغير مخرج أحد الصوتين المثلين (الصامت) فينتقل إلى مخرج أخر، فيكون من الأصوات الخلفية المستفلة، وهي الأصوات الحلقية كالعين أو الحاء أو الهاء أو أحد الأصوات الخلفية المستعلية والموسطة، وبعضها من الأصوات المائعة، كالفاء والياء والميم والواو، أو الياء واللام والراء والنون»([40]).
        كما رأينا فقد تناول سيبويه ظاهرة المخالفة بصورة واضحة في أماكن مختلفة من كتابه، هذا ما يدل على أن سيبويه فطن إلى هذه الظاهرة، بعكس ما قاله إبراهيم أنيس حين قال إنّ علماء العربية لم يفطنوا إلى هذه الظاهرة...، والحقُ أن تفسير المحدثين لظاهرة المخالفة ليس بالبعيد عن تفسير سيبويه.

        ([1]) – الكتاب: 4/104.

        ([2]) – السابق،4/417.

        ([3]) – السابق،4/467.

        ([4]) – السابق،4/417.

        ([5]) – دراسة الصوت اللغوي، أحمد مختار عمر، ط1، 1976م ،ص:319.

        ([6]) – الكتاب،4/437.

        ([7]) – نفسه.

        ([8]) – السابق، 4/438.

        ([9]) – السابق، 4/442.

        ([10]) – السابق، 4/443.

        ([11]) – السابق، 4/450.

        ([12]) – السابق، 4/449.

        ([13]) – نفسه.

        ([14]) – انظر :الكتاب، 4/ 445،446.

        ([15]) – انظر السابق: 4/450 ،451 ،453.

        ([16]) – السابق، 4/448، 454.

        ([17]) – السابق:4/433.

        ([18]) – السابق: 4/464.

        ([19]) – انظر:السابق: 4/467.

        ([20]) – السابق، 4/446.

        ([21]) – الكتاب، 4/447.

        ([22]) – السابق،4/452-453.

        ([23]) – انظر: الخصائص، ابن جني، تح/محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1952، 2/139-141.

        ([24]) – علم الأصوات عند سيبويه وعندنا، 2/26.

        (4)- الأصوات عند سيبويه، كمال بشر، مجلة الثقافة، السنة الثانية، العدد (21)، القاهرة، 1975م. ص:18.


        ([26]) – الكتاب،4/477-478.

        ([27]) – انظر الأصوات اللغوية، 164.

        ([28]) – انظر : علوم اللغة ، كتاب دوري المجلد الأول، العدد الثالث، دار غريب، القاهرة، 1998م، ص:12.

        ([29]) – انظر : الأصوات اللغوية، أنيس، 165.

        ([30]) – السابق، 165.

        ([31]) – انظر: علوم اللغة، 15.

        ([32]) – انظر: الأصوات اللغوية، 166.

        ([33]) – انظر: السابق، 166.

        ([34]) – الأصوات اللغوية، 170

        ([35]) – الكتاب، 2/429.

        ([36]) – نفسه .

        ([37]) – الأصوات عند سيبويه، 372

        ([38]) – انظر: الكتاب،4/432.

        ([39]) – ظاهرة المخالفة الصوتية ودورها في نمو المعجم العربي، أحمد عبدا لمجيد هريدي، مكتبة الزهراء، القاهرة، د.ت، ص: 82.

        ([40]) – ظاهرة المخالفة الصوتية، 82.

        تعليق


        • #5
          موضوع جميل ، وجهد رائع .
          وحقيقة فإن ( الكتاب ) ثري بالمسائل المرتبطة بعلم الأصوات ، وقد وقف سيبويه منذ ذلك العصر على كثير مما جاءت به الدراسات اللغوية الصوتية الحديثة .
          بورك فيك أختي نسيم ، وأشكرك على ذلك البحث الذي صيغ بأسلوب أدبي رشيق .
          ننتظر المزيد .
          رعاكِ الله .

          تعليق


          • #6
            أسعدني مروركم جميعًا
            فعلاً كتاب سيبويه لا يحوي علم الأصوات والتركيب فحسب، بل شمل علم الدلالة والبلاغة والصرف، وقد قمت بعمل بحث حول هذا بعنوان (المستويات اللغوية في كتاب سيبويه) لكني فقدت النسخة الالكترونية للبحث، ولعلي أحاول طباعته مرة أخرى.
            دمتم

            تعليق


            • #7
              جزاك الله خير أختي الغالية
              للتواصل في التويتر:
              http://twitter.com/#!/soso7opy
              (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)

              تعليق


              • #8
                المشاركة الأصلية بواسطة نسيم الورد مشاهدة المشاركة
                بل إنَّ علم الأصوات علماً واضح الملامح = علمٌ
                ثم ساروا على نهجه العلماء = سارَ
                قدامى ومحدثون = قدامى و محدثين
                معتمدون في ذلك = معتمدين
                وقوله تعالى "بِسْمِاللَّـهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا" = بسم الله
                لأن في الإمالة انخفاض = انخفاضاً
                الثانية: حروف غير المستحسنة = الحروف
                وهذه الصورة الصوتية نادرة في اللغة العربية ولهجاتهم=
                و لهجاتها
                الأخت نسيم الورد ، موضوعك رائع و مهم جداً ، يُعزِّزُ ما نقولُه دائماً و هو السبق العربي إلى دراسة مستويات اللغة الأربع : الصوت و التركيب و الصرف و الدلالة قبل الحضارة الغربية بقرون كثيرة .
                هو مفيدٌ لولا الأخطاء اللغوية الواردة فيه التي بيَّنْتُها لك .و أرجو أن تقومي بتصحيحها .
                وفقك الله .

                تعليق

                يعمل...
                X