الشيزوفرينيا اللغوية بقلم د. يوسف بن محمود فجال قسم اللغة العربية وآدابها - جامعة الملك سعود يجري على ألسنة بعض المثقفين والعامة أنَّ لغةَ العلم في عصرنا هي الإنجليزية ، مستدلين على ذلك بعددٍ من الظنون ، أبرزها براعة علماء الغرب بالعلوم التجريبية ، مما يُلزمنا التعليم بلغتهم لمواكبة الحضارة الغربية ، وأن عدم التعلّم والتعليم بالإنجليزية يؤدي إلى أن نقبعَ تحت غطاء من الجهل والتخلّف ، وأن السبيل إلى الخلاص من ذلك هو تحويل التدريس في جامعاتنا إلى الإنجليزية في كل أقسامها ومناشطها . ويُفَلْسف بعض الناس هذه القضية فيقول : اللغة الإنجليزية هي لغة العلوم والمعارف ، والألمانية لغة الفلسفة ، والفرنسية لغة الفنون الجميلة ، والعربية لغة الأدب والخيال ، وأي لغة تشذّ عن المجال الذي برعت فيه فستواجه الكثير من المشكلات . ولا أدري هل هذه الأحكام الملقاة بهذه الصورة كانت بناء على دراساتٍ وتجاربَ ، أو هي ضرب من ضُروب التصوّر والخيال ؟! ولن أستعرض هنا براعة العربية في عصر ازدهار المعرفة في القرون السابقة ، يوم كان الغرب يرزح تحت ظلمات الجهل والتخلف ، ولن أتكلّمَ عن مدى قدرتها على تحمل مضامين العلم والمعرفة ، حتى كانت لغةً للعلم في الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والفلسفة والأدب ، والعلوم كلها بلا استثناء ؛ إذ لا أظن عاقلاً ينسى ذلك . بل إنّ الغرب كانوا يعانون من عقدة النقص في لغتهم ، وكان مثقفوهم ينادون بالتعليم بالعربية ، إذ هي لغة العلم والحضارة ، وكان المفكرون الأوروبيون ينادون بوجوب اعتماد العربية لتحقيق النهضة ، وقد ردّ عليهم الشاعر الإيطالي ( فرنشيسكو بتراركا ) قائلاً : »كيف تعتقدون ذلك ، لقد استطاع شيشرون أن يصير خطيباً بعد ديمستين ، وفرجيل بعد هوميروس ؟ وترون أن بعد العربِ تنتهي الكتابة ؟! ، لقد استطعنا أن نجاري اليونان غالباً ، ونتجاوزهم أحياناً ، وبذلك جارينا جميع الأمم وتجاوزناها ، ومع ذلك تستثنون العرب وتُسَلِّمون بأنه لا يمكن أن نصل إلى شأوهم ؟! يا لَلجنون ! يا لَلخبال ! يا لَعبقرية إيطاليا الكامنة أو المنطفئة ! « ، ودار الزمانُ دورتَه وبتنا نحن ننادي بما نادى به فرنشيسكو . والذي أثبتته التجارب وأقرّه العلم ، أن كلّ لغة فيها مقومات الحياة ، من سعة محتواها ، وكثرة ألفاظها ، ومرونتها وقابليتها للتطوّر ، تصلح أن تكون لغة علم وحضارة ، وليس كثرة المتحدثين في اللغة وحده كافياً ليجعلها لغة عِلْمية أو عالميّة ، وهذا يتفق مع كثير من لغات العالم ، وبخاصة العربيّة ، فليس هناك قوم عنوا بلغتهم عناية العرب بلغتهم ، حتى قال فيشر : « إذا استثنينا الصين فلا يوجد شعبٌ آخرُ يحقّ له الفخار بوفرة كتب علوم لغته ، وبشعوره المبكر بحاجته إلى تنسيق مفرداتها حسب أصول وقواعدَ ، غيرَ العرب » . إذن ليس هناك علم يخص لغةً بعينها ، وعلم يعم اللغاتِ كلَّها ، وإن سلمنا بذلك فاللغة العربية أولى بهذه الخصوصية من غيرها لما تتميز به من خصائص يقل وجودها في غيرها من لغات العالم ، كما أنه ليس من الضروري أن يكون المبدع عارفاً باللغة الإنجليزية ، وليس من الضروري أن يكون متقن الإنجليزية مبدعاً ، واللغة الإنجليزية ليست هي الخالقة للثقافة ، بل العقلُ البشريُّ الواعي والفهمُ للعلم هما اللذان يخلقان الثقافةَ والعلمَ والإبداعَ ، فالعقلُ عندما يفكِّرُ ويبحثُ يتوصَّلُ للابتكار والاختراع ، وجدير بالذكر هنا أن إسرائيل أحيت لغتها العِبْرية من مَوَات ، وتُدَرِّس بها كل المعارف ، ومنها الطب والهندسة ، وقد حازت جامعاتها على أفضل تقييم ضمن الجامعات العالميّة . وقد يتعذر البعض بأن لغتَنا صعبة ، وهذه دعوى خطيرة مُغْرضة ، وأكتفي بأن أؤكد أن الدراسات والأبحاث أكَّدت بأنه ليست هناك لغة يَعُدُّها أهلها صعبة ، وأخرى يعدها أهلها سهلة ، فالإنسان يتعلم اللغة التي تناغيه بها أمه ، كائنة ما كانت هذه اللغة ، وتصبح في نظره اللغة الأسهل ، ومهما ارتقى فهم الفرد في اللغة الأجنبية التي تعلمها ، فإنه سيبقى محدوداً وقاصراً مقارنة بلغته ، وقد علمنا تاريخنا المعاصر أن السعي إلى التقدم باعتماد اللغات الأجنبية بدل لغتنا العربية لا يعدو أن يكون ركضاً وراء السراب ، وترسيخاً لقيمة الاستهلاك والاستلاب الفكري ، وتكريساً للتبعية الثقافية والسياسيّة والاقتصادية . وختام القول لا نريدُ للعربِ أن يكونوا مصابين بعُقدةِ النقصِ أو انفصامِ الشخصيةِ ( الشيزوفرينيا ) ، وذلك بضعفِ ثقتهم بكفايةِ لغتهم العربيةِ عن أداءِ علومِهم ، وتدني الإحساس بالانتماءِ إليها ، وليعتقدوا موقنين بأن العربية لغة علمٍ وثقافة وحضارة . |
المقال منشور في رسالة الجامعة ( صحيفة جامعة الملك سعود )