![]() | ![]() |
.::||[ آخر المشاركات ]||::. |
![]() ![]() |
مِنْ أهمِّ الأحْداثِ !! | |
| |||||||
| الرسائل العلمية قاعدة بيانات للرسائل العلمية وملخصاتها في الجامعات العربية .. |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #1 (permalink) |
| عضو اللجنة الاستشارية للمنتدى تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 457
Thanks: 102
Thanked 85 Times in 44 Posts
معدل تقييم المستوى: 4 ![]() | الباحث: د / أحمد ياسين عبد الله محمد السليماني الدرجة العلمية: دكتوراه الجامعة: القاهرة الكلية: الآداب بلد الدراسة: مصر تاريخ الإقرار: 2007المقدمــة: طمحت هذه الدراسة، جاهدةً، إلى تقصي حضور ظاهرة الأنا الشعريّة في تداخلاتها، وتفاعلاتها، وعلاقاتها المركبة والمتشابكة مع الآخر. وحاولت أن تستقرئ أهم ملامحها التكوينيّة الفارقة في كنه حضورها النصي في الشعر العربي المعاصر، وسعت إلى أن تؤسس بنيتها الكليّة المتكوّنة؛ عبر البحث عن منظوماتها العلائقية الحاضرة في سياقاتها الشعريّة؛ عند ستةٍ من الشعراء، من أقطار مختلفة، يمثلون أهم شعراء التجربة الجديدة، وتجسّد قصائدهم نماذج دالة، وفاعلة لمتحولات هذه العلاقة، ولتراكماتها. هؤلاء الشعراء هم: أدونيس، محمود درويش، سعدي يوسف، عبد الوهاب البياتي، أمل دنقل، عبد العزيز المقالح، دون تحديد لفترة زمنية معينة، وإنما وفقا لما تحدده معطيات خطاباتهم الشعريّة. وإذ نهضت هذه الدراسة على محاولة استجلاء أهم ملامح هذه العلاقة الثنائية التي تمثلت في بعديها التضادي تارة، والتوحّدي تارة أخيرة وفي ملامحها، وأشكالها المتعددة، فقد اعتمدت على الأصول الشعريّة ذاتها، وتركت لنماذجها أن تكشف عن هذا الحضور، وفقا لما أبرزته جماليّات الصور الفنيّة، وتحولات هذه العلاقة ودوافعها؛ دون أن تشترط بدءًا أية فرضيات، أو تستبق أية نتائج، ولكنها تسلحت، بالضرورة، بالمبادئ الأصولية التي درست مفهوم الأنا في وحدانيته، وفي توحده مع الأنوات الجمعية الأخرى، مثلما انكبت على دراسة أصول المفاهيم الرائدة المتعلقة بمصطلح "الآخر". فقد أصبح مفهوم العلاقة بين الأنا والآخر من المفاهيم الحاضرة والمتداولة بقوة، وعمق في الحياة المعاصرة اليوم، ولطالما انبرى في البدء، لدى الباحث ملمحان بارزان أوصل أولهما مجالات تأثر الأنا الشعريّة بشعر الآخر الأجنبي، وبأدبه، وبدا آخرهما شديد الارتباط بعلاقة هذه الأنا؛ وخطابها النصي بالآخر (السلطة). فشكلا منسربين مهمين إلى متقصيات جديدة، وعوالم كانت غير بادية أو مرتادة، فتحت آفاقًا جديدة؛ بصّرت الدراسة بملامح أخرى عديدة. تقوم، من هنا، مشكلة البحث ودوافعه، فى كونة تحاول أن تتناول هذا الموضوع بشكل كلى وتحاول على أساس هذه الثنائية أن تستقصي التأثيرات الشعريّة التي وردت إلى الشعر العربي من الآخر الأجنبي، وأن تستقرئ أهم تجلياتها في النص الشعري العربي، وتتحقق من تلك المبالغات التي ذهبت إلى التقليل من "الأنا" أو الانتقاص منها، في مقابل إبراز "الآخر" وتضخيمه، بوصفه رائدا ومؤثرا في ثقافة "الأنا" وأدبه، بشكل كلّي ودائم. وتبرز، في ضوء ذلك، أهمية هذا البحث في كونه أول دراسة أكاديمية في مجال النقد الأدبي تتناول هذا الموضوع وفق إشكالية ثنائية الأنا والآخر، التي تتعدد مجالاتها، ولكنه يقوم – هذا الموضوع- على قاعدة مفهوم علاقة الأنا بالآخر النديّة والتضاديّة، حينًا، والتوحدية حينًا آخر، وفق ما تكشفه الأنساق الشعريّة وتبحث علاقة الشعراء العرب والشعر العربي بشعر الآخر وأدبه. وتستجلي في إطار هذه الثنائية نفسها ملامح تأثير الأنا على هذا الآخر، كل ذلك من ناحيّة، وتكشف في المخيل الشعري العربي عن إرثٍ معرفي واعٍ بمكونات الآخر – السلطة وبعناصره، وفق أبنية متكونة مقابلة، ومواجهة لكيان السلطة ولوعيها التسلطي، ولا تستبعد في الآن ذاته ثنائيات أخرى مثل ثنائيات البوح / المسكوت عنه، الإشباع / الكبت، المتن / الهامش، الطارئ /السائد. ولكي تستطيع الدراسة أن تكوّن أبنية معرفية داخليّة منتشرة في النصوص الشعرية، وأخرى خارجية كليّة يرصدها المتلقي، تحيا في شبكة من العلاقات الترابطية بينها، فقد استعان الباحث بالمنهج التكويني، واعتمد لذلك بعض الأدوات الإجرائية اللازمة مثل الاستقراء والتحليل للنماذج الشعريّة والنقدية، التي قادت إلى استنتاجات تم ربط بعضها ببعض، وإدخالها في مكوّن علائقي، يفضي إلى بنية معرفيّة كليّة بالظاهرة. كان من المهم، بغية تكوين أساس معرفي بمسائل البحث ومُشْغَلاته، أن يرصد الباحث تلك الدراسات المتميزة التي خاضت من قريب أو بعيد في تفاصيل الموضوعات المطروحة، وأغرت بمعلوماتها وأفكارها الباحث. فانفتحت الدراسة عليها، واتسع مجال الاستفادة منها، لكي تغدق على مُتَّسَعَات الدراسة، وموضوعاتها المتعددة، فتم الاستئناس حتى بتلك الإشارات الصغيرة، التي بدت مفيدة، فأدخلها الباحث في سياقات تفاعلها مع المضامين المستنتجة من قراءة النص الشعري. وإذ بدت الطروحات الفلسفية هاجسًا أوليّا للباحث لقراءتها، ومستمسكا مهمًا لبلورة الأفكار الأولى لموضوع الأنا والآخر، لجأ الباحث إلى بعضٍ من أصولها، بكونها كرست وجودًا معرفيًا أوليّا لموضوعاتها، لدى باقي العلوم الإنسانية الأخرى، فاستأنس الباحث بآراء بعض الفلاسفة مثل ديكارت، وهيوم، وكانط، وفشته، وهيدجر، وهيجل، وسارتر، فإن ملاذًا آخر انبرى، وعاد الباحث إليه، تمثل في آراء سيجموند فرويد، وكارل جوستاف يونغ في أهم منجزاتهما العلمية في مجال التحليل النفسي. فقد منح فرويد هذا الموضوع شهادة الميلاد الأولى، إذ أنجبت طروحاته، المكونات الثلاث للجهاز النفسي، وهي الهو، والأنا، والأنا الأعلى، وفرغ الأخير إلى إنجاز مفهومي الوعي واللاوعي، أو الأنا واللاوعي. على أن تفاعلات موضوع الأنا والآخر في هذين الموضوعين أتى بثمار يافعة في باقي المجالات، ومنها مجال الثقافة والنقد الأدبي. وبرزت مع ذلك، وفي غير هذين المجالين، كتابات أخرى بقدر ما رصدت حركة الأنا وتحولاتها في الثقافة والأدب، والفن، شكلت أرضية مهمة لقراءة حضورها، ومجالات تحولاتها في النص الشعري والدرس النقدي، وأشارت إلى أهميتها، ومن ضمن هذه الدراسات القيمة، تلك التي قدمها بعض الباحثين العرب مثل: كمال أبو ديب في كتابيه "جدلية الخفاء والتجلي" و"في الشعرية"، وكتابات جابر عصفور المتميزة في عديد من كتبه، وعلى وجه التحديد في كتابه "قراءة التراث النقدي"، وإسهامات صلاح فضل في تناول هذه الظاهرة في دراسة النص الشعري، في عديد من كتبه، ومنها "شفرات النص". وعدة كتابات أجنبية، من بينها دراسات لوسيان جولدمان حول رؤية العالم في كتابه "العلوم الإنسانية والفلسفة". إن جدل الأنا مع الآخر، وصراعهما، ليس بجديد في مجال الإبداع الأدبي العربي، فقد قدمت عدة روايات عربية صورة كاشفة عن تفاعلاتهما، على النحو الذي انطوت عليه روايات عربية مثل: "موسم الهجرة إلى الشمال"، للطيب صالح، و"عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"قنديل أم هاشم" ليحيى حقي وغيرها، رافقها حشدٌ كبيرٌ لأعمال شعريّة، مثلت هذه الثنائية دافعًا رئيسًا لتوليدها موضوعاتٍ فنيةً شتى. ولئن اتجهت بعض الكتابات المعاصرة إلى تحويل الحوار بين الأنا والآخر إلى موضوع صراع بين الحضارات، فإنها أحدثت بذلك آثارًا بركانيةً في الثقافة الكونية، وقلقا متزايدًا في صُعدٍ قدَدَا؛ بوصفها استهدفت إقصاء الآخر الغيري الذي لا يمثل الأنا المركزية، الغربية، تلك التي تدعو الغير للانخراط بها متحللاً من هويته، ومذابا بين ثنايا هويتها، ناكرةً لخصوصيته الفارقة، ويمكن تحديد كتابات صموئيل هينتجنتون في كتابيه "صدام الحضارات"، و"الإسلام والغرب"، محورًا رئيسا لهذه الدراسات، متآخيةً مع كتابات فرانسيس فوكوياما. ولطالما تحوّلت تلك الدراسات - في أعقاب ذلك - إلى منظومة من السياسات، فقد شكّل ذلك سببا من أسباب عدة، دفعت بالباحث إلى محاولة تقصي حضور هذه العلاقة في حدود علاقة الـ"نحن" بوصفها تشكل آخر بالنسبة للأنا المركزية الغربية، في المجال الشعري ولما تمثله ويمثلها، بشكل خاص. وفي حدود أخرى في علاقة أنا الشاعر، وما تمثله من أنوات جمعية أخرى مع الآخر - السلطة، الذي يهادن الأنا المركزية الغربية تارة، ويحيا حضوره القمعي الداخلي الدائم تارة أخرى؛ وهي محاولة لقراءة أخرى مغايرة لهذه العلاقات، وإدخال سياقاتهافي منظومة علائقية جديدة، ومتعددة. وقد جرى ذلك بحيدة، دون تضخيم الأنا أو الانتقاص من حضورها الفاعل، أو تضخيم الآخر أو النيل منه. تم ذلك من خلال رسم خطوط التلاقي، ومسارات الاختلاف، وهي محاولة تتتبّع ظاهرة من ظواهر عدة، وفي مجال من المجالات، هو الشعر فحسب. إذ أن البحث في تفاصيل ظواهر هذه العلاقة الثنائيّة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية أبعد ما يكون عن الرؤية المرئية، أو المنظور إليه القريب، وأن جهدًا لازمًا ينتظر الباحثين العرب لعمله. فلقد كان على الدوام استفزاز الآخر، هو وقبيله لـ "النحن" قرين صحوة الـ"نحن"، وتشبثها بهويتها، وخصوصيتها الفارقة، وبطموحاتها الداخلية والخارجية. وتعد لهذا كله، هذه المحاولة دافعا للحوار مع الآخر، وإعادة لإنتاج علاقة الأنا معه، وعلاقة الـ"نحن" مع ذاتها. لقد توجب، بما أفضت إليه تحليلات النصوص الشعرية للشعراء العرب (محل البحث)، وما صوّرته قراءاتهم النقديّة، وما اختزنته هذه النصوص من ملامح، ومجالات، ومتحولات لهذه الظاهرة، أحالت إلى ديناميكية فاعلة لديهم، تشير إلى فهم واعٍ بالتراث الإنساني عمومًا وبالتراث العربي، والظواهر المعاصرة، أوجب ذلك كله، تقسيم الدراسة إلى ثلاثة أبواب رئيسة، انضوت تحتها عدة فصول، استظلت تحت هذه الفصول محاور رئيسة، وعناوين موضوعات فرعية. تضمن الباب الأول استجلاء ظاهرة الأنا والآخر، وتأصيل مجالاتها في مراحل التطور المعرفي الإنساني، في مجالات الثقافة والفن والأدب، وفي البناء المعرفي التراثي ومتحولاته الشعريّة، وانقسم هذا الباب إلى فصلين، أصّل الفصل الأول منه لهذه الظاهر منذ كينوتها الأولى عند الإنسان البدئي الذي تقاطعت خطوطه في المرحلة الأولى مع الطبيعة، فتماهى معها. إذ توحّدت أناه مع الطبيعة، تلك التي انفصل عنها في مرحلة ثانية لاحقة، ليجسّد وحده أنا مستقلة عنها، وافترضها آخر، تتمايز عنه، جسدتها أصواته وإشاراته اللغوية، ورسومه الفنية بوصفها أولى التجلّيات اللغويّة والفنيّة. وفي مرحلة ثالثة أثيرت لديه متصّورات لرؤية العالم، وتكوّنت أمامه أواخر لأنوات عدة غير الطبيعة، تحددت معالمها في متصّورين: اهتم المتصوّر الأول بالأساليب التجريبية (العملية)، التي أوجدها آخرون في مجال السحر، والأسطورة، والخرافة، في حين اتجه تصوره الثاني نحو الممارسات الغيبية (التجريديّة)، تلك التي مثلتها أرواح الموتى أشباحًا حاضرة لديه، وتشكّلت كذلك مع روح المانا، وروح الطوطم أواخر غير مدركة، تفاقم الاهتمام بها مع ظهور الأقنعة. وقد أفضى هذان المتصوّرانإلى تصوير السحرة، والكهنة، أواخر فاعلة ومؤثرة عليه. كرس البحث الجزء الثاني من هذا الفصل؛ لاستنباط دلالات هذه الظاهرة في الموروث الأدبي الراقي، في الشعر الملحمي والمسرحي القديم، وفق ثلاثة مستويات، اتجه المستوى الأول نحو قراءة تحولات الأنا في الملحمة الجلجامشية، عبر ثنائية الخلود والفناء، والتفت المستوى الثاني إلى وجودها الفاعل في الأناشيد الهوميرية، وفي نماذج مسرحية لاسخيليوس، ويوربيديس. أما المستوى الثالث والأخير، فقد ركز على نشوئها في المعتقد الديني بوصفه المؤسسة الدينية المؤثرة على البناء المعتقدي للإنسان قديمًا، وحديثا. كما كشفت عن نشوئها الفكري المعاصر في التحليل الفلسفي والنفسي واللغوي. وإذ شكّل الموروث المعرفي، بنية فاعلة وخلاقة في وعي الشاعر العربي المعاصر، فقد انشغل الفصل الثاني بالخوض في تفاصيل علاقة الأنا العربية بالآخر الداخلي، والخارجي؛ على مستوى الأنساق المعرفيّة النثريّة والشعريّة، لتأصيل البنى التكوينية لهذه العلاقة، التي سنجدها حاضرة في الموضوعات الفنية، والجماليّة في النص الشعري المعاصر. وتأسست وفقًا لذلك محاور أربعة، ناقش المحور الأول علاقة الأنا المسلمة مع الآخر الجاهلي، والآخر المسيحي الذي دشن حوار الصحابة المهاجرين إلى الحبشه مع ملكها، أول حوار إسلامي – مسيحي متسامح. أما المحور الثاني فقد حاول أن يبلور متخيل الآخريّة في الوعي الإسلامي، في قضايا ثلاث مهمة، هي: موضوع الصراع على السلطة بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وفي انقسام المهاجرين أنفسهم بعد ذلك، وما جرى من خصومة في الذات المهاجرة نفسها، ثم بحث في إشكاليّات المسائل الخلافية الشرعية، وتمثل ذلك في ظهور أنا، وافتراض آخر في المعرفة الشرعية. وتحفزت الدراسة في محور ثالث نحو قراءة جديدة منتجة لخطاب الرواية والسرد، وخطاب السلطة، ودور الراوي في الكتابة السردية ودوره لدى المتلقي في المقروء النصي، سعيًا نحو إعادة إنتاج مكونات هذا السرد وعلاقته التي تحددت في ضوئه علاقة الأنا بالآخر في التراث، وتكرّست ملامحه وعيّا معرفيًّا معاصرًا. وكان لابد أن يخوض البحث في الأنساق الشعرية التراثية المكوّنة لهذه الثنائية، وفيها بدت الظاهرة مجالاً حاضرًا، ولذلك انطوى المحور الرابع والأخير على قراءة لأبنيتها في الأنساق الشعرية التراثية، تلك التي كشفت عن آخر داخلي، وآخر خارجي. وعمد الباب الثاني إلى رصد التجلّيات الشكليّة، والتقنية التي تحققت في الشعر العربي المعاصر، نتيجة العلاقة المباشرة أو غير المباشرة مع شعر الآخر الأجنبي، وأدبه. جرى ذلك في فصلين، ركز الفصل الأول منهما على تتبع الظواهر الشكليّة التي اقتنصها الشعراء العرب من الآخر؛ بكونها شكّلت محورًا مهمًا، نتج عنه ذلك التغير البنائي في شكل القصيدة العربية، وراح يستجلي مؤثراتها في الإرهاصات الأولى من مدرسة أبولو، ومدرسة الديوان تحديدًا، وما تبع هاتين المدرستين من تأثيرات عند رواد القصيدة الحرة، ثم خاضت الدراسة في الموضوعات البارزة لمحور ثانٍ، اعتنى بدراسة المؤثرات المباشرة للآخر الأجنبي في بنية القصيدة العربية الجديدة، وتحددت هذه الموضوعات في البنية الشكلية، وفي التقنيات الشكلية الجديدة الوافدة، ومنها المقاطع الشعريّة، والاقتباسات والمطالع، والعلامات الكتابية، والمفردات الجديدة التي استدعاها النص الشعري من الآخر. ولقد وقفت الدراسة على بعض التقنيات اللافتة التي استدعاها الشعراء العرب المعاصرون من الشعر الأجنبي (الغربي) تحديدًا، ووظفوها توظيفا إبداعيًا في شعرهم. جرى ذلك في الفصل الثاني من الباب الثاني، وعلى وجه التحديد تقنية توظيف الأقنعة الشعرية تقنيةً فنيةً، تحايلاً على الرقيب السلطوي، واستبقت وجودها بمقدمة تحيل إلى تفاعلاتها الأجنبية في أبعادها التاريخية، والاجتماعية، والمسرحية، والنفسية. كما حاولت – في محورٍ ثانٍ -أن تبرز تقنية الانحراف الشعري، وما تولده من شاعريّة في بنية النص، وهي تقنية حدد خطوطها جان موكاروفسكي، فسعى البحث نحو إيجاد بعض تطبيقاتها في النماذج الشعرية العربية، على مستوى الكلمة، أو الجملة الشعريّة، لتأكيد دلالات توظيفها الواعي في النص. والتفتت الدراسة في المحور الثالث إلى المتغيرات البنيوية التي طرأت على البنية الإيقاعية في القصيدة الجديدة، وفقًا لمتغير الشكل الجديد، إذ استبدلت القصيدة العربية الموسيقى الداخلية بالموسيقى الخارجية، وتمكنت من الوصول إلى نتيجة تفيد أن دلالة التغيير في القصيدة، وفي أوزانها لم تكن واقفةً على القصيدة العربية المعاصرة فحسب؛ بل إن الشعر الأوروبي نفسه عرف الرتابة والتململ في شعره، وراح يبحث عن سبل تغيير نماذجه النمطية؛ مستعينًا بأساليب هذا التغيير من غيره. ولما كانت قصيدة النثر، والقصيدة المتنوعة الأشكال، من التقنيات الوافدة إلى الشعر العربي من الشعر الأجنبي، إذ بدأت قصيدة النثر عند بودلير، ومارسها بوضوح وولت وايتمان، فإن دراسة تأثيراتها كانت من موجبات هذا الفصل. وقد قابل إبراز الدراسة للمؤثرات الأجنبية في الشعر العربي، محاولة أخرى مغايرة كان لابد من حدوثها، خاضت في مضمار تأثر هذا الآخر الأجنبي بإبداعات الأنا العربية والإسلامية، فكانت حكايات ألف ليلة وليلة مثالاً على جذوة الإبداع النثري العربي الذي أثر في ثقافة الآخر وأدبه، وقدمت هذه المحاولة صورة أخرى لمؤثرات شعرية عربية في شعر الآخر، لاسيما تأثيرات الشعر الأندلسي فيه، أكد على إشاراتها ودلالاتها كتَّاب غربيون. انفتحت الدراسة في الباب الثالث والأخير على ثلاثة فصول، شملت موضوعات تتصل بتحوّلات الأنا الشعريّة وتحوّلات الآخر، وبتوليد نماذج متخيلة لشخوص تمثل هذه الأنا، في مقابل توليد لصور نمطيّة متعددة لشخوص غيريين. كرس الفصل الأول منه محاور أربعة، تتعلق بوعي الأنا بنفسها، وبوعيها بالآخر من خلال رؤية العالم المحيط بها، بأشكاله المتعددة، الأنوات الفردية والجمعية، والأواخر الفردية، والجمعية، وفي التوحد الجمعي للأنا في المحور الأول. وتضمن في محور ثانٍ، تشكيل الوعي الاجتماعي في ذات الشاعر. بيّن هذا المبحث العلامات الفارقة بين الوعي الواقعي والوعي المجاوز (الوعي الممكن)، كما أطلق عليه لوسيان جولدمان، الذي أسس المبادئ التكوينيّة الأصوليّة لهذا الفكر. وخلص البحث إلى تراتب في مستوى قدرة النصوص الشعرية على توليد الوعي المجاوز، وفقًا للموضوعات الفنيّة التي قدمتها. ولما برز موضوع السلطة مكونًا ظاهرًا في الخطاب الشعري العربي، تمتد جذوره، وأصوله المعرفية من إرثٍ قديم تواتر حتى الآن، تتداخل إشكاليّاته في أبعاد النص الشعري المختلفة، انكبّ هذا العمل على دراسته في المحور الثالث، الذي تفرّعت موضوعاته، فانشغل البحث بدراسة تحوّلات الأنا الشعريّة بعلاقتها بالسلطة، واضطلع بمهمة ما أنجزه المتخيل الشعري لدلالة السلطة، الذي تفرّع إلى: 1- دلالة الأنا المقموع، جرى ذلك بتقديم النماذج، والشخصيات التي تعرضت للقمع، 2- دلالة الآخر القامع، ومنها نماذج القمع، التي مثلتها مفردات، الخليفة، السيّاف، السجّان. وتعاضدت هذه الموضوعات مع بحثٍ، كشف عن نموذج الثائر التي جسّدت على الدوام صورة الشاعر، وطموحاته. وانبرى مستوى رابع في المتخيّل الشعري لدلالة السلطة، تحددت ملامحه باستدعاء الشاعر العربي للشاعر الأجنبي؛ دلالةً على التوحّد بينهما في المصير المشترك، وفي مقاومة السلطة، وعلى دلالة الثورة، وظهر بوضوح اهتمام الشعراء العرب بشاعرين أجنبيين من الآخر هما: 1- فيديريكوغارسيا لوركا 2- بابلوا نيرودا. هيأت العلاقة القوية بين مفهوم السلطة ومفهوم الهُويّة المجال لخوض الشعراء العرب في إشكالية الهُويّة، لكونها تتداخل مع مفهوم السلطة، وتتأثر بعناصره القامعة، لذلك استكمل مفهوم السلطة دورته موازيا مفهوم الهُويّة، فقد دخل موضوع الهُويّة العربية، وتحدياته في مفاصل النص الشعري، وهو ما دفع بالدراسة في المحور الخامس والأخير من هذا الفصل، إلى أن تتصدى لهذه الإشكالية، وتجوب في ثنايا النص المفصلية، باحثةً عن عوالمها، فمهد لها الباحث بمقدمة، تناولت الهُويّة اصطلاحًا، والتفت إلى الإشارات المتحدث عنها في النص الشعري وعن أنواعها، ودلالتها اللغوية. وإذ كان من الضروري، أن تعتني الدراسة بالأنماط الشعريّة للأنا، وتلك الأنماط المتعلقة بالآخر، لكي تتصل بتحوّلاتها في الفصل السابق، ما جعلها – أي الدراسة –تنقب في أعماق أبنية العمل الشعري عن تنوّعاتهافي الفصل الثاني، الذي أتى على أربعة مستويات، وفق ما بلورته النصوص الشعريّة؛ فمضى المستوى الأول في قراءة التنوّع الشعري للأنا في تصوّرها لموقفها الشعري، وفي حالة تماهيها مع ذات الشاعر نفسه. وأنيط المستوى الثاني بوظيفة الكشف عن التنوّع الشعري لنموذج الآخر، الذي بدت له صور متعددة، منها ثنائية الصراع بين الشرق/ الغرب، وبين الأنا /الآخر الغربي (الصليبي)، وبين الأنا /الآخر "اليهودي"؛ متصلاً بقراءة أخرى لصورة اليهودي النمطية في الأدبين الأوربي والأمريكي، وصورة العربي النمطيّة في الأدب الصهيوني، وذلك لإحداث المقارنة بين هذه الصور، وصورة الآخر اليهودي في الشعر العربي المعاصر. وقد أدى ذلك إلى بروز نموذجين شعريين صوَّرا هذا الموقف، أولهما باشر بالتصريح بالآخر اليهودي، وأما الأخير، فقد تناوله من دون أن يصرح به مباشرة. ولكي لا ينحصر مفهوم الآخر في الشخوص الإنسانيّة وحدها، فقد تصدى البحث في المستويين الأخرين، للآخر بوصفه موضوعًا فنيًا، إذ أن الآخر مثَّل على الدوام موضوع الشاعر في صورتيه السلبية والإيجابية، وانبرى البعدان الزماني والمكاني بوصفهما يمثلان آخر يؤثر في أنا الشاعر، يشكلانه، ويشكلهما، وفقًا لما يمثله هذان البعدان أو أحدهما دون الآخر من توحدٍ، أو انفصال مع أناه. وعنى الفصل الثالث (والأخير) بارتياد عوالم الضمائر وتحولاتها بوصفها، إما تمثّل الأنا، أو تمثّل الآخر، فجزء منها يصور الأنا، والجزء المتبقى يصور ضمائر الآخر، وكلها قد تتبادل الأدوار والمواقع في النص. فقد وُظِف ضمير الأنا في النص الشعري بصفته الفردية المصوّرة لذاته، ونطق في مواقع مغايرة بضمير الجمع (الـ"نحن")، واستعان بعض الشعراء بضمير الـ"هو" للتخفي، في أثناء مخاطبة آخر غيري. وتجسد ضمير الـ"هم" ضميرًا مصورًا للأنا في بعض السياقات، أما الآخر فقد كان يجسد على الغالب ضمير الـ"هو"، أو ضمير "الـ"هم". وفي حالة أن يلبس الشاعر القناع ويوظفه في الشعر - وإن بدا أنه يستعير ضميرًا آخر-؛ فإن حديثه بضمير المتكلم يحيل إلى أنا ثالثة مغايرة، لا تمثل كليّا أنا الشاعر، أو أنا الشخصية الأخرى المستدعاة، وإنما تتكون أنا ثالثة مغايرة، ومخترعة. وبهذا تكون الدراسة قد حاولت أن تستجلي أهم ملامح ظاهرة العلاقة بين الأنا والآخر في الشعر العربي المعاصر، وهي محاولة متواضعة تأمل أن تكون قد ألمت بجوانبه. ولا جرم أن قلت – في ختام هذا العرض الموجز لما أنجزته الرسالة، ومن دون مريّةٍ- إنني لا أبرئ نفسي من تقصير طرأ، أو خطأ أدركني، وأحاط بهذا العمل، هنا أو هناك، وغَشَيَني أمرٌ عن تعقب أمرٍ آخر، أو إهماله، فما كان لي أي منصرفٍ عنه أو محيص، وإن غلبتني الخشية الدائمة منه في أثناء الكتابة، فلست إلا بشرًا يعتنق الصواب، ولكنه قد يجانبه نحو الخطأ، فلا أدرأ عن نفسي أي اعوجاج، قد يطرأ في هذا العمل، سيستقيم- بلا محالة- مع تلك التصويبات، والآراء، والملاحظات التي ستفيض عليه، وستسدد خطاه، وستدفع عنه هذا التقصير، لكي يشهد اكتمالاته، سوف يسعد الباحث بها، ومتحفزًا إليها، لأنها ستصدر عن علماء أجلاء كبُر علمهم، وازداد تواضعهم. وأحسب أنني لا أنسى في هذا المقام أهلي الذين ظلوا يشفقون علي، ويخرجون هذه الشفاقات أمنيات طيبات، يتوشحون بالصبر والدعاء لي، وما وهنوا بحبهم فلهم مني كل محبة وثناء، وأصدقاء أخلاء قيضهم الله لي، شق عليهم ما أنا فيه، وبما رُميتُ به من ظروف قاسية، أحيانًا، هم ليسوا من مجال التخصص، ولكن كل واحدٍ منهم أراد أن يزيح عن كاهلي حملاً ثقيلاً، أو يبعد حجرة عثرة في طريقي، وأن يثبت في معيتي في المسارات الموحشة، رغبةً،ومحبةً أن استكمل مسيرة هذه الدراسة، فَتَدفقتُ، وما زلت، مودةً ومحبةً لهم، عرفانًا لجميل وقفتهم معي، ومن هؤلاء إخواني وأصدقائي الأستاذ حسام التابعي، والأستاذ نبيل جوهر، والدكتور حسن فؤاد. والأستاذ عبد ربه جرادة، فلهم كلهم جُلَّ الشكر. ولن تستطيع الكلماتُ أن تفي حقها لمشاعر وقرت في القلب، لجزيل شكرٍ وعرفانٍ؛ على أفضالٍ لم تنقطع، ومواقف رواسٍ أحاطني بها أخي العزيز، وصديقي المبدع، وأستاذي الجليل، الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي ظفرت منه برعاية كاملة، ولن يسأم القلبُ من رغبة البوح الدائم بها، فقد أحال الواقع المجذب لي ودقًا، فأقل ما أبديه من عرفانٍ له أن أهدِيَهُ هذا العمل. والشكر والثناء موصول بأخوة أعزاء أفاضوا عليّ بكرم وقوفهم إلى جانبي، وهم الأستاذ الدكتور صالح باصرة، والأستاذ الدكتور عبد الوهاب راوح، والأستاذ الدكتور عبد العزيز بن حبتور. كما أقدم شكري الجزيل للقائمين على إدارة مكتبة المعهد البريطاني بالقاهرة، على ما أتاحوه لي من ضيافة الإطلاع والمراجعة، وما أبدوه من تعاون، ووفروا من أجواء طيبة أسهمت في إنجاز هذا العمل. والباحث، وهو يتقدم بهذا العمل المتواضع إلى قسم اللغة العربية، بكليّة الآداب، جامعة القاهرة، لا يخفي امتنانه للأستاذين الجليلين، الأستاذ الدكتور صلاح فضل، هذا العلم البارز الذي تنشق له الكتابة النقدية الإبداعية بهون وسكينة، فتنبري نتائجها باسقاتٍ متلالأت صافيات، يسوقها - عبر تطبيقاته النقدية- بذورًا إبداعية في الممارسة النقدية، وكذلك الأستاذ الدكتور شمس الدين الحجاجي الذي انجزت دراساته ومؤلفاته النقدية سيلاً متدفقًا من الإنجازات الإبداعيّة، والنتائج البارزة في قضايا النقد، والمسرح، والأدب الشعبي. فأقدم شكري الكبير لهذين العالمين الجليلين، على تقبلهما مناقشة هذا العمل، وعلى ما بذلاه من جهدٍ، وما تجشماه من عناءٍٍ لقراءتها، وعلى ما منحاها من وقت ثمين لتسديد خطاها، مسكونًا بمشاعر الغبطة، ومحتفيًا بهذا المحك، الذي اتطلع للاستفادة منه، وسوف يأخذ الباحث بأرائهما وملاحظاتهما التي ستضيف إلى هذه الرسالة، ما شرد عن عين الباحث، وستكون قرة أعين له. ولئن كان موضوع هذه الرسالة، أشبه ببحر لجيّ، غاص فيه الباحث دون وَجَلٍ، فذلك لأنه تتلمذ على يد عالمِ جليل هو الأستاذ الدكتور جابر عصفور، هذا الحراك الأدبي والثقافي الفاعل، الذي سنا برقه في المشهد الأدبي العربي، وكنت أتحسسه قدوةً لي، وأتلمس خطاه، وكانت – على الدوام – تتملكني رقابته الدائمة في أثناء كتابة هذا العمل؛ بقدر ما يتملكني فيضه الإنساني الدائم، وهو الذي أمدني – بكرم لا متناهٍ – بسيلٍ جارفٍ من المراجع منذ أن وطأت قدماي هذا البلد الطيب، أو قل هذه التربة العزيزة علينا (مصر) فكان نعم الأستاذ والصديق في آن واحدٍ، فقد منحني ثقةً كبيرةً، أطمح أن أكون بهذا العمل قد نلت حسن ظنه بي. فقد كانت كتاباته المتميزة، وإنجازاته النقدية المبدعة تزجي على الدوام سحابًا من المعرفة، وتحلق آراؤه النقديّة مثل الصافات؛ ينزلن باسطات أجنحتهن على الأدب، والثقافة العربية، فمثلما ظفرت منها بمفازةٍ؛ تطلع إليها جيل من الباحثين، فالشكر كله قد لا يجزيك حقك أيها العالم الجليل، ولكنه لا يفي كذلك، بكل ما تريد المشاعر أن تبوح به، فلك الشكر الجزيل، والأمنيات الطيبة. والله ولي التوفيق،، آخر تعديل بواسطة د. عبد الله بن محمود ، 16/May/2010 الساعة 08:03 PM |
| | |
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() | ![]() |