من أسى الطرقات المهجورة ، ومن عصارات جنون الحكاية النازف سأكتب إليه بفيض الرمل اللاهب بين يدي ؛ إذ أدرك أن الدمعة والبسمة قد استوطنتا حزنه .
الموال وشدو العصافير لا يزالان يذيبان لهيبا مشتعلا في لهيبه .
من هنا تبدأ الحكاية ؛ منذ أن دخل القلب وأرصفته طفل بلغ أعوامه الألف .. سكن العين واختصر العالم كله بدمعة فاضت أنهارا وفرشاة رسمت جديلة القلب باللون الضائع.
لا زلت أذكر أرجوحته التي نثرت العمر كمشة ملامح وكلمات على ظلال المقاعد الخشبية والأشجار الباسقة . فتحت نوافذي لأرسل ألوانا ملونة بلون واحد ؛ هو لون منديل لوحت به له وهو يتلاشى غيما رماديا في أزقة الأرصفة وعروق دمي.
كيف أهديه حروفا من نبضي وهو يتراقص مع الجرح على أنغام الملح في عمقه ؛ ليخربش بها صوت حكاياه الذي خدش صفحة بحيرة الدمع فسرحته في شفق الطريق ، وحين ضج الرصيف بأصوات القصائد نثرته عذبا نديا.
ما زال يلملم شظايا الروح ويروي ظمأ الذاكرة المهترئة وسفر الحرف في بحاره التي تحمل حقائب وجع يأبى إلا أن يحط على خصر الشاطئ المنسي في الأهداب المفروشة على رماله الذهبية ، وعلى طرقات المدينة تلك التي وعدت بأن تنثر بين كفيها دمعه ملونا بألوان روحه الزاهية ولكن محطة العمر تنمو وتتمطى في أوردة الأحلام ؛ فهل ستبقى الألوان لو بقيت كما عهدناها ؟؟
ستبقى أو لن تبقى ؟
لا .. ستبقى فقط حين نلون برؤانا الربيعية شحوب المواويل ؛ وقتها لن نهتم للصحراء حين تلفعنا برملها الذي نحصده من طرقات المدينة ، وإذ ينهك أجسادنا الترحال نستريح على أرائك المرايا المنثورة غيما .. مطرا ينعش خريفنا.