> من الأمور المهمة لمحبي الشعر أن يحاولوا الغوص في بحوره ؛ ليستخرجوا لآلئ المعرفة الحقة ودررا نُحتت من تقطيع الأبيات الشعرية بمساعدة الأذن الموسيقية عند قراءة قصيدة شعرية .. ومن هذا المنطلق .. منطلق التعلم ؛ سجلت في دورة لتعليم موسيقا الشعر والعروض، ليس السبب هوالرغبة أن أكون شاعرة - فلست شاعرة -.. بل لشيء أعظم عندي وهوأن أستزيد من تذوق الشعر عبر علمه وقواعده ..وأثناء هذه الدورة التقطت عيناي عند قراءة أول درس مقولة رائعة للأخ الفاضل الدكتور يوسف فجال مدرس الدورة جزاه الله خيرا.. المقولة هي: «وعندما شرعت بالإعداد لهذه الدورة تناسيت قواعد علمي العروض والقافية، بما فيها من أسماء ومصطلحات، غريبة، وكثيرة، ومتشعبة، لا تُفيد صاحبَ الأذن الموسيقيّة، ناظمَ القصيد بشيءٍ، إلا الترف الفكري العلمي، وهل كان الشعر عند العرب لا يُقال إلا بعد معرفة علمي العروض والقافية ؟!».
إن الشعر عند العرب هوبمثابة تاريخ لهم، قد سجلوا فيه ترحالهم وحلّهم،وحروبهم وصلحهم ووصف بيئتهم ولا ننسى الشيء الأهم الذي قيل من أجله الشعر وعرف به الشاعر العربي .. ألا وهوالحب ، وكان أكثر حبهم في الشعر حبا عذريا قد ازدانت به معلقاتهم التي كانت تعلق على الكعبة المشرفة – قبل الإسلام – أما الآن فالحب في الشعر صار وصفا حسيا ولقطات سينمائية سمجة تخدش الذوق والعين عند القراءة .. !إن ذلك – الترف الشعري – عند الشعراء الأوائل وذلك الهطول المستمر لقوافيهم التي تجمعت في بحيرة الشعر فكانت قصائدهم دررا يتباهون بها أكثر مما يتباهون بقناطير الدراهم والدنانير جعلهم يدركون معنى الشعر ويكرّمونه وهذا إن دل شيء فإنما يدل على أن العربي له أذن ليست موسيقية شعرية فحسب، بل أذن – زمنية – تتنقل عبر الزمن لتلتقط أعذب النوتات لسيمفونية كرامة الشعر من كرامة العربي ..!العربي ذلك الشاعر الذي قال الشعر قبل أن يعرف معنى العروض وتقسيم القافية، يكاد الشعر يكون فطرة فيه حيث تناغمت روحه مع القوافي وأبيات القصيدة ؛ فكان الشعر عنده وكريات الدم الحمراء توأمين في الأوردة .. لكن ما يؤلم حقا هذا الذي صار إليه الشعر .. فقد أصبح تجارة ربحية ومهنة من لا مهنة له قبل أن يكون موهبة ربانية جبلت عليه نفس الشاعر .. صارت القصيدة مذبذبة ومترهلة لا تكاد تقف على - قدميها - ليعرف القارئ مقدمتها من نهايتها وقوافيها أصابها الهزال، وانحنت قامتها .. لكن مازال هناك من يزرع في تربة الشعر بذور العطاء لينموالشعر نخيلا شامخا وحينها يقول - السيد الشعر - «منتصب القامة أمشي» – على قول مارسيل خليفة وما هذه الدورات الشعرية التي تقام إلا فسيلة ستصبح نخلة لتشد من عضد الشعر يوما ما .. كل الشكر لكل من يزرع في تربة الشعر فسائل العطاء ويقيم مثل هذه الدورات الشعرية وتحية لكل شاعر ..!