.::||[ آخر المشاركات ]||::.
حصول الدكتور محمد فجال على جائزة مدير جامعة الملك سعود للتميز في التدريس [ الكاتب : سيف العربية - آخر الردود : سلمان الشمري - ]       »     مراهقات الجيش الاسرائيلي [ الكاتب : سااندى عسل - آخر الردود : سااندى عسل - ]       »     كن مبدعاً [ الكاتب : رائد الطريف - آخر الردود : رائد الطريف - ]       »     من كتاب :50 ways to prevent and manage stress [ الكاتب : فراس العيسى - آخر الردود : فراس العيسى - ]       »     بالنظر إلى كل الطرق التي توصلت إليها في كل يوم، إسأل نفسك هذه الأسئلة: [ الكاتب : محمد الخطاف - آخر الردود : محمد الخطاف - ]       »     لماذا سمي العرب عربا؟ [ الكاتب : فريد البيدق - آخر الردود : فريد البيدق - ]       »     تحميل رسائل جامعية من جامعة الجزائر [ الكاتب : ألطاف محمد - آخر الردود : يقين - ]       »     البريد والبلاستيك [ الكاتب : متعب الشمري - آخر الردود : متعب الشمري - ]       »     مشاهدة تحميل عرض المصارعة ExClUsIvE Monday Night Raw 21052012 تحميل مباشر [ الكاتب : سااندى عسل - آخر الردود : سااندى عسل - ]       »     مشجع سعودي متخفي باالنقاب وجالس مع مشجعات المنتخب‏ [ الكاتب : سااندى عسل - آخر الردود : سااندى عسل - ]       »    


عدد الضغطات : 796عدد الضغطات : 190

مِنْ أهمِّ الأحْداثِ !!


العودة   منتدى الإيوان > الأروقة النحوية والصرفية > رواق النحو


رواق النحو يُعنى بقضايا النحو العربي وفكره ونقده ومسائله قديمها وحديثها ، ومدارسه القديمة .

 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 18/Mar/2009, 07:23 AM   #1 (permalink)
المشرف العـام
 
الصورة الرمزية د. أنس بن محمود
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الرياض + الأحساء
المشاركات: 1,653
Thanks: 799
Thanked 1,049 Times in 397 Posts
معدل تقييم المستوى: 10
د. أنس بن محمود will become famous soon enough
افتراضي قضية الاحتجاج للنحو واللغة

قضية الاحتجاج للنحو واللغة ( 1 / 3 )
د. حمزة قبلان المزيني

ملخص
تعد قضية الاحتجاج للنحو واللغة من القضايا المركزية في الدراسات العربية. ذلك أنها حدَّدت صورةَ اللغة العربية المعيار التي يجب أن تحتذى. ويحاول هذا البحث أن يدلل على أن النظرة السائدة للشواهد النحوية واللغوية لا تتطابق بالضرورة مع عمل العلماء العرب الأوائل. كما أن هذه الصورة النمطية مؤسسة على بعض المحاولات القديمة التي سعت لتصوير البنية النظرية التي قامت عليها الدراسات النحوية واللغوية. ومن أشهر هذه المحاولات ما قام به الفارابي في تنظيره لعمل العلماء العرب القدماء.
فمن أهم ما تتميز به النظرية اللغوية العربية القديمة، في رأيه، قَصْر الاحتجاج على لغة البدو. وقد انتقل هذا التصور النظري إلى من جاء بعده حتى أصبح أشهر المسلمات. لكن إذا تأملنا المصادر اللغوية والنحوية المبكرة، فإننا نجد أنها تخالف هذه الصورة النمطية. فصحيح أن سيبويه كان في كتابه وصفيًّا ومعياريًّا أحيانا، لكن همَّه الأول إنما كان التنظيرَ لمعرفة العربي للغته. فوظيفة الشواهد عنده اختبار تلك المعرفة. فلم يكن قصده هو والعلماء الأوائل تحديد من يحتج به ومن لا يحتج به فحسب. ذلك ما يجعل إعادة النظر في المقولات التقليدية عن تلك الفترة التأسيسية للدراسات النحوية واللغوية أمرًا ضروريّا.

في قضية الاحتجاج:
تعد قضية الاحتجاج واحدة من المسائل المهمة في الدراسة اللغوية العربية قديمًا وحديثا. فقد استقر في الأذهان أن العلماء العرب قعّدوا للغتهم خوفًا عليها من الفساد الذي أصابها بسبب دخول غير العرب الإسلام. إذ نتج عن خطأ هؤلاء في استعمالها ما يشبه الانهيار الكامل للنظام اللغوي العربي. وعمد العلماء العرب القدماء ـ كما يقال ـ إلى استخراج قواعد اللغة في الأصوات والصرف والنحو والمعجم والدلالة من مادة لغوية حرصوا على أخذها من مصادر لم يصبها هذا الفساد. ومبالغة في الحرص على تحصين اللغة من كل فساد أوقفوا الاستشهاد بالكلام العربي الذي جاء بعد فترة رأوا أنها حد فاصل بين الفصاحة العربية والفساد الذي جاء به المولََّدون. ويبدو أن كثيرًا من المعالجات لهذه القضية في القديم والحديث أخذت هذه الأفكار كأنها مسلمات.
وسأحاول هنا أن أعرض لهذه القضية وأبيّن أن هذه الأفكار مما يمكن التشكيك فيه، فهي ليست حقائق. وسأتناول بالتفصيل هذه الأفكار مبينًا أن كثيرًا منها لا يعدو أن يكون انطباعات نجد مثيلاً لها في الحضارات الأخرى التي دُرست فيها هذه القضية. كما أن فيما أورده العلماء العرب القدماء أدلة كافية تجعل من المواقف التقليدية من هذه القضية جزءًا واحدًا مما كان سائدًا من مواقف. بل نجد أن في التراث اللغوي والنحوي مقولات كثيرة تناقض تلك المواقف السائدة.
كما تُبيِّن المصادر النحوية واللغوية العربية نفسها عدمَ دقة المواقف السائدة في قضية الاستشهاد، إذ نجد أن هذه المصادر لم تتعامل مع هذه القضية بالطريقة التي توحي بها هذه المقولات، وكانت وظيفة الشواهد في هذه المصادر تختلف اختلافًا كبيرًا عن الوظيفة التي يُظن أنها جاءت من أجلها.
ويشتمل البحث على إيراد المواقف التقليدية بشأن هذه القضية ثم عرضها في ضوء المصادر الأساسية. ويعالج من بعد ذلك الظروف الاجتماعية والعلمية التي نشأت فيها هذه المقولات. وللتدليل على عدم دقة تلك المقولات التقليدية سيقارن بينها وبين المواقف الشبيهة في اللغات الأخرى وهي التي بحثت من قبلوبُيِّن أنها ليست صحيحة ويُختتم بفحص كتاب سيبويه لكي نرى وظيفة الشواهد فيه.

نص الفارابي:
من النصوص التي سيطرت على الفكر اللغوي العربي في القديم والحديث ما أورده أبو نصر الفارابي في كتابه الألفاظ والحروف واصفًا فيه منهج العلماء العرب الأوائل في تقعيد اللغة. وقبل إيراد النص ينبغي أن ننظر في السياق الذي ورد فيه.
مهّد الفارابي لهذا النص بوضع نظرية يفسر فيها حدوث الخطأ في اللغة يقول:
"وقد يجب لذلك أن يعلم من الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم لسان تلك الأمة. فنقول إنه ينبغي أن يؤخذ عن الذين تمكنت عاداتهم لهم علىطول الزمان في ألسنتهم وأنفسهم تمكنًا يحصنون به عن تخيل حروف سوى حروفهم والنطق بها، وعن تحصيل ألفاظ سوى المركبة عن حروفهم وعن النطق بها ممن لم يسمع غير لسانهم ولغتهم أو ممن سمعها وجفا ذهنه عن تخيلها ولسانه عن النطق بها. وأما من كان لسانه مطاوعًا على النطق بأي حرف شاء مما هو خارج عن حروفهم وبأي لفظ شاء من الألفاظ المركبة عن حروف غير حروفهم وبأي قول شاء من الأقاويل المركبة من ألفاظ سوى ألفاظهم فإنه لا يؤمن أن يجري على لسانه ما هو خارج عن عاداتهم الممكنة الأولى فيعود ما قد جرى على لسانه فتصير عبارته خارجة عن عبارة الأمة ويكون خطأ ولحنًا وغير فصيح. فإن كان مع ذلك قد خالط غيرهم من الأمم وسمع ألسنتهم أو نطق بها كان الخطأ منه أقرب وأحرى، ولم يؤمن بما يوجد في عادته أنه لغير تلك الأمة التي هو منهم. وكذلك الذين كانوا يحصنون عن النطق وعن تحصيل حروف سائر الأمم وألفاظهم ـ إذ كانوا يحصنون عما لم يكن عودوه أولاً من مخالفة أشكال ألفاظهم وإعرابها ـ إذا كثرت مخالطتهم لسائر الأمم وسماعهم بحروفهم وألفاظهم، لم يؤمن عليه أن تتغير عادته الأولى ويتمكن فيه ما يسمعه منهم فيصير بحيث لا يوثق بما يسمع منه(1).
ويستمر الفارابي في تحديد هذاالإطار النظري قائلا:
"ولما كان سكان البرية في بيوت الشعر أو الصوف أو الخيام والأحسية [الأخبية] من كل أمة أجفى وأبعد من أن يتركوا ما قد تمكن بالعادة فيهم وأحرى أن يحصنوا نفوسهم عن تخيل حروف سائر الأمم وألفاظهم وألسنتهم عن النطق بها وأحرى ألا يخالطهم غيرهم من الأمم للتوحش والجفاء الذي فيهم، وكان سكان المدن والقرى وبيوت المدر منهم أطبع وكانت نفوسهم أشد انقياداً لتفهم ما لم يتعودوه ولتصوره وتخيله وألسنتهم للنطق بما لم يتعودوه، كان الأفضل أن تؤخذ لغات الأمة عن سكان البراري منهم متى كانت الأمم فيهم هاتان الطائفتان. ويتحرى منهم من كان في أوسط بلادهم فإن من كان في الأطراف منهم أحرى أن يخالطوا مجاوريهم من الأمم فتختلط لغاتهم بلغات أولئك، وأن يتخيلوا عجمة من يجاورهم. فإنهم إذا عاملوهم احتاج أولئك أن يتكلموا بلغة غريبة عن ألسنتهم، فلا يطاوعهم على كثير من حروف هؤلاء، فيلتجؤوا إلى أن يعبروا بما يتأتى لهم ويتركوا ما يعسر عليهم. فتكون ألفاظهم عسيرة قبيحة وتوجد فيها لكنة وعجمة مأخوذة من لغات أولئك. فإذا كثر سماع هؤلاء ممن جاورهم من هذه الأمم للخطأ وتعودوا أن يفهموه على أنه من الصواب لم يؤمن تغير عادتهم، فلذلك ليس ينبغي أن تؤخذ عنهم اللغة ومن لم يكن فيهم سكان البراري أخذت عن أوسطهم سكنا"(2).
ومن هذا يتبين أن الفارابي يرى أن المصدر الوحيد للخطأ في اللغة هو التأثير الخارجي.
وبعد أن ينتهي الفارابي من هذا التأطير النظري الذي يحدد من يمكن أن تؤخذ عنه اللغة يبرهن عليه بما يرى أن العلماء العرب الأوائل قاموا به عند تدوينهم اللغة العربية وتقعيدها، فيقول:
"وأنت تتبين ذلك متى تأملت أمر العرب في هذه الأشياء. فإن فيهم سكان البراري وفيهم سكان الأمصار. وأكثر ما تشاغلوا بذلك من سنة تسعين إلى مائتين. وكان الذي تولى ذلك منهم من بين الأمصار أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق. فتعلموا لغتهم والفصيح منها من سكان البراري منهم دون الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أواسط بلادهم ومن أشدهم توحشًا وجفاء وأبعدهم إذعانًا وانقيادا، وهم قيس وتميم وأسد وطيء ثم هذيل، فإن هؤلاء هم معظم من نقل عنه لسان العرب. والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطيفة بهم من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر"(3).
ويمثل هذا الإطار النظري النظرة السائدة في الثقافة العربية.فهو يلخصها ويصوغها في شكل نظرية تفسر ما قام به العلماء العرب الأوائل وتُعَقلِن منهجَهم. وقد رسم هذا النص الصورة التي رسخت في أذهان الناس عن اللغة العربية نفسها التي سمعها العلماء الأقدمون، ولا سبيل إلى الكشف عن الصورة الأقرب إلى الحقيقة إلا بمناقشة هذه الصورة وعرضها على ما ورد في المصادر من الأخبار وعلى ما عمله العلماء العرب فعلاً ومقارنة ذلك بما نجده في الحضارات الأخرى.

مدى مطابقة نص الفارابي لما عمله الخليل وسيبويه:
لكي نقوّم نص الفارابي من حيث صحة تصويره لما قام به العلماء العرب، يجب أن نفحص مصدرين مهمين من مصادر الدراسة النحوية واللغوية العربية القديمة، وأول المصدرين كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي وهو أول معجم عربي كما يقال.
فقد استشهد الخليل في العين بالقرآن الكريم وقراءاته المتعددة، واستشهد بما يزيد على ثلاثمائة حديث نبوي وبعدد كبير من أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء المعاصرين له، كما استشهد بالشعر جاهليِّه وإسلاميه وبشعر المعاصرين له(4). واستشهد بشعره هو(5)، كما أورد مفردات كثيرة وصفها بأنها لغات لبعض القبائل والمدن أو الأقطار وقد ضمّن معجمه كثيرًا من الكلمات المعرّبة، مما يوحي بأنه يعدها داخلة في العربية التي يعدها صحيحة، كما أنه في بعض الأحيان يؤرخ لهذا التعريب ويستشهد عليه بأبيات لبعض الشعراء(6). وتجدر الإشارة إلى أن الخليل ينص في بعض الأحيان على الفصاحة والفصحاء ويصف بعض صيغ الألفاظ بأنها رديئة أو قبيحة، إلا أنه في الغالب الأعم ينظر إلى التنوعات اللغوية الكثيرة على أنها تنتسب إلى شيء واحد هو اللغة العربية. وهذا ما يبينه قوله في مقدمة معجمه: "بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب"(7).
أما سيبويه، فإن كتابه شاهد على عدم دقة وصف الفارابي. فقد استشهد سيبويه بشعراء نص الفارابي (كما يبدو نَصُّه في المزهر للسيوطي)(8) على عدم استشهاد العلماء العرب بقبائلهم. ومن ذلك قول الفارابي بعدم أخذهم عن قضاعة مع أن سيبويه استشهد بتسعة شعراء منها، ونص الفارابي على عدم أخذهم عن ثقيف، واستشهد سيبويه بأربعة شعراء منها، ونص الفارابي على عدم أخذهم من بكر وتغلب، وقد استشهد بعدد كبير منهم، إذ استشهد سيبويه بالأخطل التغلبي وحده في مواضع كثيرة. كما استشهد بشعراء من إياد وغسان وغيرهم مما نص الفارابي على عدم الأخذ منهم. وعلى نقيض ما يقوله الفارابي من عدم أخذهم "عن حضري قط"، استشهد سيبويه بعدد كبير من شعراء مكة والطائف والمدينة والحيرة والبصرة والكوفة(9). فلم يكن نص الفارابي إذن دقيقًا في تصويره لما قام به هذان العالمان الرائدان المؤسسان للدراسة اللغوية والنحوية العربية. وبهذا تسقط دلالة هذا النص. وينبغي عدم الاستدلال به لذلك في الكشف عن منهج العلماء العرب القدماء في تدوينهم للغة وتقعيدهم لها. ولم يكن نص الفارابي إلا تلخيصًا للمواقف التي كانت سائدة في الثقافة العربية. وهي المواقف التي تصوِّرها المصادر العربية المعاصرة لفترة التدوين والتقعيد. وينبغي أن يشار هنا إلى أن هذه المواقف ليست إلا انطباعات وحسب، ولم تكن صادرة عن دراسات مستقصية للوضع اللغوي في تلك الفترة. يضاف إلى ذلك أن وراء كثير من هذه المواقف تقف بعض المؤثرات الذوقية والقومية والجدالية بل والعنصرية في بعض الأحيان.
وسوف أورد فيما يلي بعض النماذج من هذه المقولات وأورد مقولات أخرى تناقضها كانت تعيش جنبًا إلى جنب معها.
ومن أبرز المقولات التي ظهرت عن الوضع اللغوي القول بفصاحة قريش. ويبين نصُّ الفارابي كما يبدو في كتاب المزهر، ومقولة الفراء في المزهر أيضا، والخبر الذي رواه الجاحظ في البيان والتبيين(10)، والخبر نفسه بصيغة مقاربة الذي رواه صاحب الكامل(11) الثناءَ العريض على فصاحة هذه القبيلة. ومع ذلك، يخلو كتاب الخليل من أي نص يوحي بفصاحة قريش، ولا تمثِّل الشواهد من لغة قريش في كتاب سيبويه إلا جزءًا ضئيلا. وللمقارنة فقط فقد استشهد سيبويه بأربعة وعشرين شاعرًا من بكر وتغلب في أكثر من مائة وعشرين موضعا، أما قريش فقد استشهد بأربعة عشر شاعرًا منها في حوالي خمسة وثلاثين موضعا. وترد في بعض المصادر أقوال أخرى تنسب التفوق في الفصاحة إلى قبائل غير قريش. ومن ذلك ما يقوله أبو عمرو بن العلاء بأن أفصح العرب قبائل السراة(12)، كما ورد في العين أن أفصح العرب قعين نصر أو نصر قعين(13)، وهناك نص في "معاني القرآن" للفراء يجعل بني أسد هم الفصحاء(14).
ومن هذا يتبين عدم إجماع المصادر على اختصاص قريش بالفصاحة، بل إن بعضها يجعل هذا الاختصاص لقبائل غيرها. ولو صح اختصاص قريش بالفصاحة لكان هذا متناقضًا مع نص الفارابي الذي يحصر الفصاحة وصفاء اللغة في سكان البراري. ويدل تعدد هذه الأقوال على أنها لم تصدر عن استقصاء للغة، بل لا تزيد هذه الأقوال على كونها انطباعات يطلقها بعض العلماء سنجد مثيلاً لها في بعض الأقوال التي سأعرض لها فيما بعد. ومما يشكك في مثل هذه المقولات، أن المصادر العربية تورد أقوالاً مؤداها أن لغة العرب واحدة لا يفضل بعض القبائل القبائلَ الأخرى فيها، وينظر إليها وحدة واحدة مقابل اللغات الأخرى. ومن هذه المقولات ما يقوله الجاحظ: "والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة وأربت على كل لسان"(15) وقوله: "والعرب كلهم شيء واحد لأن الدار والجزيرة واحدة والأخلاق والشيم واحدة واللغة واحدة"(16).
ومن الأقوال التي يوردها الجاحظ وتدل على الموقف الذي يرى أن العرب لا يفضل بعضهم بعضًا في اللغة ما رواه من شهادة عبد الملك بن عمير (القرشي المتوفى سنة 136هـ) للأحنف بالفصاحة، يقول: "ولكنه كان إذا تكلم جلّى عن نفسه"(17). وبالمقابل يورد شهادة أحد الأعراب لعبد الملك بن عمير هذا بالفصاحة، فيقول: "وتكلم عبد الملك بن عمير وأعرابي حاضر، فقيل له: كيف ترى هذا الكلام؟ فقال: "لو كان كلامٌ يُؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به"(18). فلو كانت الفصاحة مقصورة على أحد لما وجدنا هذا الثناء المتبادل بين شخصين ينتميان إلى قبيلتين مختلفتين. ومن ذلك ما يقوله الجاحظ: "وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام أمتع ولا آنق ولا ألذ في الأسماع ولا أشد اتصالاً بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويمًا للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء والفصحاء البلغاء"(19). وكذلك قوله: "لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت، واطردت، وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة، لفقد الخلطاء من جميع الأمم"(20). ومن ذلك أيضًا ثناؤه على الأعراب بالفصاحة في مواضع كثيرة من كتبه. فكيف تستقيم هذه الأقوال التي تنظر إلى العرب على أنهم متساوون في الفصاحة مع اختصاص قريش بالفصاحة؟
ومما يدل على أن المقولات التي ترد في المصادر العربية لم تكن تصدر عن استقصاء ما ورد في نص الفارابي وما تورده المصادر عن فصاحة الأعراب في الحين الذي فيه نجد المصادر نفسها تورد بعض المقولات التي لا ترى للأعراب تميزًا على غيرهم. ومن ذلك ما يقوله أبو الخطاب (شيخ سيبويه): "إن عامة أهل البدو لا تفهم ما يريد الشاعر ولا يحسنون التفسير"(21). وكذلك قول الجاحظ: "وليس الأعرابي بقدوة إلا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء، وأما غير ذلك فقد يخطئ ويصيب"(22).
وقوله: "فالرواية كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر. فلذلك صار بعضهم يدعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو تزويجها"(23). وصورة الأعراب التي تبينها هذه الأقوال تختلف اختلافًا حادًّا عن تلك الصورة التي يظهر فيها الأعرابي أمينًا فيما يرويه، حجة في كل ما يقول.
وليست هذه المقولات المتناقضة عن الوضع اللغوي بشيء غريب على الجو الثقافي في تلك الفترة، فقد وردت مقولات كثيرة متناقضة عن قضايا لغوية كثيرة. ومن أشهر تلك القضايا التي وردت بشأنها أقوال متناقضة ما يروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: "ما لسان حمير اليوم بلساننا ولا لغتهم بلغتنا". ومع أن هذه المقولة تنفي التشابه بين اللغتين إلا أنه قد ورد عن أبي عمرو بن العلاء نفسه أقوال في العين والجمهرة تظهر فيها اللغة الحميرية لغة عربية لا فرقبينها وبين التنوعات الأخرى لهذه اللغة. ومن ذلك ما يرويه الخليل، قال: قال تبع حيث حج:

وأقمنا به من الدهر شيئًا وجعلنا لبابه إقليدا (24)

واستشهاده بشاعر حميري آخر، قال: "والقبابة: المفازة، بلغة حمير. قال شاعرهم:

وما كان عنز ترتعي بقبابة. . . " (25)

وما أورده صاحب الجمهرة: "قال أبو حاتم: قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء:
رأيت باليمن امرأة ترقص ابنها وهي تقول:

يا ربنا من سره أن يكبرا فَشُقْ له يا رب ملاًّ حيِّرا(26)

وقوله: "وأخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيًّا يمانيًّا يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت: يقول: جاءته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة؟"(27)
وكذلك ما ورد في العين عن كلمة (البِلّ) وقوله عنها إنها بمعنى "المباح" بلغة حمير. واستشهد عليها بحديث نبوي نصُّه: "وهي لشارب حل وبل"(28). فتُبين هذه النصوص وبعضها مروي عن أبي عمرو بن العلاء نفسه أن الحميرية ليست مختلفة عن العربية.
ومن الدوافع المحتملة لمثل هذه المقولات المتناقضة اختلاف الأذواق والاهتمامات. ومن ذلك ما يرويه الجاحظ عن النحويين إذ يقول: "ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. . . ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارًا من أفواه جلسائه، ليُدخلها في باب التحفُّظ والتذكُّر. وربما خيِّل إليّ أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدًا أن يقولوا شعرًا جيدًا لمكانة أعراقهم من أولئك. ولو لا أن أكون عيابًا ثَمَّ للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة"(29). فترجع اختلاف العلماء في اختياراتهم إلى اهتماماتهم العلمية واختلاف أذواقهم. وما يعده بعضهم جديرًا بالعناية يراه آخرون مثالاً لما يجب أن يُترك. لذلك تؤثِّر هذه الأذواق والاهتمامات في الأحكام التي يصدرها كل فريق.
بل إن الأذواق قد تتغير لدى المجموعات نفسها. ومن ذلك ما يقوله الجاحظ أيضا: "وقد أدركت رواة المسجديِّين والمريدين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصِفة، فإنهم لا يعدونه في الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفِقَر والنُّتف من كل شيء. ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سُنيَّات، وما يروي عندهم نسيبَ الأعراب إلا حديثُ السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتيانيٌّ متغزِّل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو بن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قَصَد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله"(30). فهذه التغيرات المتلاحقة في الأذواق لا بد أن يصدر عنها مقولات قد يتناقض بعضها مع بعض.
ويمكن أن يعد من ذلك التعصب للقديم بسبب قدمه، وكمثال على ذلك تشدد أبي عمرو بن العلاء الذي يروى عنه أنه لم يحتج ببيت إسلامي(31)، وكذلك أحكامه الصارمة التي يرويها الجاحظ عنه مثل قوله: "لم أر قرويَّين أفصح من الحسن والحجاج". وأنه "كان زعموا ـ لا يبرِّئهما من اللحن"(32). يضاف إلى ذلك عدم روايته لشعر جرير والفرزدق وبشار على الرغم من إعجابه بهم. إن هذا التشدد لو اتبعه العلماء العرب لحذفوا أكثر ما يستشهد به في اللغة والنحو والأدب.
ولا يبعد أن يكون للتحيز العرقي والحضاري دور في هذه المقولات. ومن ذلك أننا نجد كثيرًا من هذه المقولات حول اللغة مدفوعًا بهذه التحيزات. ومن أمثلة ذلك ما يورده الجاحظ قال: "وأنا رأيت عبدًا أسود لبني أسيد، قدم عليهم من شق اليمامة، فبعثوه ناطورًا وكان وحشيًّا محرما، لطول تَعزُّبه كان في الإبل، وكان لا يلقى إلا الأكَرَة، فكان لا يفهم عنهم، ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إليّ وسمعته يقول: لعن الله بلادًا ليس فيها عرب. قاتل الله الشاعر حيث يقول: حر الثرى مستعرب التراب. أبا عثمان إن هذه العُريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جميع جلد الفرس. فلو لا الله رق لهم فجعلهم في حاشيته لطمست هذه العُجمان آثارهم. أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا؟ والله ما أمر الله نبيه بقتلهم إلا ضِنَّة بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا تنزيها لهم"(33). فهذا "العبد الأسود" يبلغ به التعصب للعرب من أجل عدم فهمه أو إفهامه لهؤلاء الأكرة هذا الحد من التحيز. ومن الطبيعي أن ينتج عن مثل هذه المواقف مقولات متحيزة تفضل لغة العرب على غيرهم.
ويورد الجاحظ بعض المقولات التي توضح أن غير العربي يمكن أن يتمكن من العربية إلى حد بعيد وإن لم يتمكن من إجادة الجانب الصوتي. ومن ذلك قوله: "وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيرًا فاخرا، ومعناه شريفًا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه،أنه خراساني، وكذلك إن كان من كتّاب الأهواز"(34). ويؤكد الجاحظ أن السندي: "إذا جُلِب كبيرًا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الميم زايًا ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عجز هوازن خمسين عاما"(35).
وفي هاتين المقولتين نرى أن الجانب الذي يستعصي على هؤلاء الداخلين في العربية ليس إلا الجانب الصوتي، أما أنظمة اللغة الأخرى، فيمكن لهؤلاء أن يتمكنوا منها. ويتماشى هذا مع ما هو معروف اليوم في الدراسة اللسانية من أن الإنسان لا يمكن أن يتمكن من الجانب الصوتي في اللغة التي يكتسبها بعد سن الثانية عشرة.
وأورد الجاحظ أقوالاً ينطق فيها بعض العرب نسَبًا بعض الأصوات نطقًا غير عربي بسبب نشأتهم في بيئة غير عربية. ومن ذلك ما يرويه عن خطأ عبيد الله بن زياد بسبب نشأته بالأساورة مع أمه مرجانة (36). بل إن عبيد الله بن زياد يتجاوز الأخطاء الصوتية إلى الوقوع في الخطأ في استعمال المفردات مثل قوله: "افتحوا سيوفكم"(37). وكذلك ما يرويه عن لكنة ابن سنان وهو عربي نشأ في بيئة غير عربية. وعلى عكس ذلك يورد خبرًا يصحح فيه عبد الله بن المقفع الفارسي عِرقًا خطأ لرجل ينطق الظاء ضادا. فلم يمنعه عرقه من سماع الفرق الدقيق بين الصوتين(38). وكذلك ما يرويه من فصاحة موسى بن سيار الأسواري بالفارسية والعربية(39). ومع إيراده هذه الأخبار التي تتفق مع ما تراه الدراسة اللسانية اليوم، يورد بعض المقولات التي تجعل أمر اللغة محكومًا بالعِرق لا بالنشأة. ومن ذلك قوله: "ونقول: إن الفرق بين المولَّد والأعرابي: أن المولد يقول بنشاطه وجمع بالِه، الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلت قوته واضطرب كلامه"(40). وقوله: "فإن قلت: إن المولد لا يؤمن عليه الخطأ إذا كان دخيلاً في ذلك الأمر، وليس كالأعرابي الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، وبمعرفته غذي، فالعلماء الذين اتسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثقات فيهم وبينهم وهم الذين نقلوا إلينا. وسواء علينا جعلوه كلامًا وحديثًا منشورا، أو جعلوه رجزًا وقصيدًا موزونا.
ومتى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم استظهر عليه بمسألة الأعراب· ولكنه إن تكلم وتحدث فأنكرت في كلامه بعض الإعراب لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنه ممن لا يؤمن عليه اللحن الخفي قبل التفكر"(41).
وكذلك كلامه عن الرقاشيين: "قال أبو عبيدة كان أبوهم خطيبًا، وكذلك كان جدُّهم، وكانوا خطباء الأكاسرة. فلما سُبوا ووُلد لهم الأولاد في الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر إليهم الغرباء، ففسد ذلك العرق ودخله الخوَر"(42).
ويحمل هذا النص دلالتين متناقضتين: الأولى: أن غير العربي يمكن أن يكون مثل العربي فصاحة، والثانية: أن هذه الفصاحة تعود إلى الوراثة العرقية. وليس هذا التناقض في هذه المسألة مقصورًا على هذه المقولة، بل نجد مقولة أخرى تحمل هذا التناقض، يقول: "والقضية التي لا أحتشم منها، ولا أهاب الخصومة فيها: أن عامة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب أشعر من عامة الأمصار والقرى من المولدة والنابتة، وليس ذلك بواجب لهم في كل ما قالوه. وقد رأيت ناسًا يُبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها. ولم أر ذلك قط إلا في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروي. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان ومكان"(43).
ومن المقولات المتناقضة ما ترويه المصادر العربية عن الشعراء الذين ختم بهم الشعر. فمن ذلك ما يرويه الجاحظ عن الأصمعي أنه قال: "ختم الشعر بالرَّماح"(44). وقول إسحاق: "وحدثني أبو داوود أن بني ذبيان تزعم أن الرماح بن ميادة كان آخر الشعراء"(45). كما روي أن الأصمعي قال إن بشارًا "خاتمة الشعراء، والله لو لا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم"(46). ويروى عن الأصمعي أنه لما عاد إلى البصرة من بغداد وسئل عن مروان بن أبي حفصة: "وجد أهل بغداد قد ختموا به الشعراء، وبشار أحق أن يختموا به من مروان، فقيل له: ولِم؟ فقال: وكيف لا يكون كذلك وما كان مروان في حياة بشار يقول شعرًا حتى يصلحه له بشار ويقومه"(47). ويروى عنه أيضًا أنه كان يقول: "ختم الشعراء بابن هرمة والحكم الخضري، وابن ميادة، وطفيل الكناني ومكين العذري"(48). فهذه الروايات متعددة يُختم الشعراء فيها بشعراء مختلفين من غير ذكر لأسباب موضوعية غير انطباعية.
ويكفي في التشكيك في قيمة مثل هذه المقولات ما يرويه أحد الرواة عن مروان بن أبي حفصة، وهو من الذين قيل إن الشعراء ختموا بهم، قال: "أنشدنا مروان بن أبي حفصة يومًا شعر زهير. ثم قال: زهير والله أشعر الناس، ثم أنشد للأعشى فقال: الأعشى أشعر الناس، ثم أنشد شعرًا لامرئ القيس فقال: أمرؤ القيس أشعر الناس، ثم قال: والناس والله أشعر الناس. أي أن أشعر الناس من أنشدت له فوجدته قد أجاد، حتى تنقل إلى شعر غيره"(49).
ويتضح مما تقدم أن كثيرًا من المقولات المتعلقةباللغة لم تؤسس على استقصاء موضوعي. فهي لا تزيد عن انطباعات يلعب الذوق والاهتمام والتعصب والعرقية فيها بسهم وافر. كما أن هذه المقولات تنقضها مقولات أخرى نجدها في المصادر نفسها مما يجعلنا نتردد في قبولها.
وصفوة القول أن الخوف من فساد اللغة الذي يبدو واضحًا في المصادر وما يتبعه من قصر الاستشهاد على سكان البراري ووقف الاستشهاد لم يكن له مسوغ. ذلك أن الأخطاء التي يقع فيها غير العرب تكاد تكون محصورة في الجيل الأول من الداخلين في العربية، وكذلك على الطبقة غير المتعلِّمة من الخدم والعمال وغيرهم. وهذا أمر متوقع إذ إن هؤلاء اتصلوا بالعرب على كبر في السن ولم تتح لهم الفرصة لإجادة العربية عن طريق التعليم، فبقيت لغاتهم الأم تؤثر في لغتهم المكتسَبة. أما المتعلمون فقد استطاعوا أن يبلغوا منزلة رفيعة من التمكن من اللغة فصار منهم الخطباء الشعراء والعلماء، خاصة من الجيل الثاني.
ففساد اللغة الذي أوجب في ظن بعض الناس إيقاف الاستشهاد لم يَحدُث أو هو لم يحدث بالدرجة التي تصورها المصادر. ولم أجد فيما قرأت أقوالاً واضحة في وقف الاستشهاد بله الإجماع على ذلك. إن هذه المقولات والمواقف التي كانت سببًا في صدورها لا تكفي للاطمئنان إلى صحة الموقف الذي يشيع في المصادر العربية الذي يقضي بوقف الاستشهاد وقصره على طوائف معينة من العرب.
ومن الأسباب التي تدعو إلى عدم الاطمئنان إلى تلك المقولات أن لها ما يماثلها في حضارات مختلفة أثبت البحث فيها أنها لا تزيد على تخرصات لا تمثل واقعا.
وسوف أعرض فيما يلي الحالة المثيلة في الغرب.

يتبع =
د. أنس بن محمود متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:30 AM.
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi