إن القصيدة السياسية في اليمن – منذ الأربعينيات إلى التسعينيات – قد استطاعت أن تخطو خطوات متميزة وبشكل ملحوظ في الجانب الثوري منها، سواء في ذلك القصيدة السياسية بصفة عامة كما أشرنا إليها في الفصل الأول، أم القصيدة السياسية للبردوني كنموذج، كما هو في الفصلين الأخيرين.
<LI dir=rtl>
إن النقلة النوعية للشعر وخاصة القصيدة السياسية قد جاءت متدرجة من المدح والإصلاح إلى الإيقظ والاحتجاج، ومن التمرد إلى المقاومة والثورة.
<LI dir=rtl>
مثلت السياسة والشعر ترابطا وثيقا في التعبير عن الواقع المعيش الذي يتمثله الشاعر، واعتبر الشعراء أن الأدب أداة السياسة ومحركها، والسياسة ظل الأدب وقوته، وكان الزبيري هو رائد هذا الاتجاه وفارسه، وقد ارتقى شعره إلى حجم نضاله أداء وفنا.
<LI dir=rtl>
كان للقبيلة دورها الفاعل في مسايرتها للأحداث قولا وفعلا، سواء في القصيدة السياسية، أو التمردات الجماهيرية، التي قادت القبيلة طلائعها، فكانت الكلمة العامية أصدق في القتال، وكان ميدانها أوسع الميادين،
<LI dir=rtl>
اتسم شعراء الشمال اليمني سابقا بالمباشرة، دون أي غموض يعتري قصائدهم، متأثرين بشعراء مصر، على عكس شعراء الجنوب، المتميزة قصائدهم الوطنية بالرمز والقناع، متأثرين بشعراء الشام والسودان والمهاجر الأمريكية. ورغم اختلاف الأسلوبين عند شعراء الشمال والجنوب، إلا أن القصيدة السياسية قد أدت دورها الفاعل والمثمر.
<LI dir=rtl>
انطلق الشعراء في اليمن في هذه المرحلة منفصلين عن أشكال التعبير الموروثة، موجهين شعرهم إلى الشعب لا إلى الحاكم، وعلى هذا المنوال سار البردوني معتبرا الشعر رسالة للمجتمع من خلال ذاتية الشاعر وفرديته، مستغلا ذلك في تحقيق أهدافه السياسية بتوعية الشعب وتحريضه.
<LI dir=rtl>
اعتمد البردوني في تشكيله القصيدة السياسية على السخرية التي أصبحت خصوصية تميزه عن الشعراء الآخرين، منفردا في عرضه لبعض الصور، بما يثبت أصالته الفنية فيها، محققا أغراضه السياسية بأسلوبه هذا.
<LI dir=rtl>
مرّ تكون البردوني شعريا بمراحل أربع، مرحلة تشكل الولادة الشعرية الذي حاول الخروج فيها من الأنا، ليرسم المأساة اليمنية، ثم مرحلة النضج الفني التي رسخ من خلالها الوعي الوطني لدى الشعب، ثم مرحلة الرمز والغموض والإبهام، وهي مرحلة التحول لقصيدته تحولا جذريا، ثم مرحلة تكثيف الرمز ليتواءم مع الواقع العربي الراهن0 وهذه المرحلية في تكوين شعره لم تؤثر على توظيف أغراضه وتحقيق أهدافه، وإنما كانت ضرورة واقعية أملتها الظروف والمتغيرات بما يتناسب مع تلك الأغراض والأهداف.
<LI dir=rtl>
حدّد البردوني اتجاهه الشعري حول القضايا السياسية، متخليا عن كثير من الموضوعات، تاركا التراكيب القديمة، مشكلا لغته الخاصة من خلال نقل قلقه إليها وتعامله معها بطريقة عبثية.
<LI dir=rtl>
ومن إبداعات البردوني المتميز بها عن غيره ابتعاده عن الكلمات القاموسية واقترابه من لغة الحديث اليومي، وخلقه اشتقاقات لغوية جديدة أبدع في معظمها، كما استخدم الكلمات الغريبة والنادرة والأجنبية دون تكلف أو عجز، موظفا الموروث ببراعة في تجربته المعاصرة، التي تخدم قضايا وطنه وشعبه السياسية والاجتماعية،
<LI dir=rtl>
الأصل في المعجم الشعري للبردوني أنه يتسم بالسهولة واليسر والجزالة وقوة المعنى ووضوحه، فلا غموض في تعبيراته، ولا إسفاف يصل بها إلى الرداءة، وهي لغة تفرضها طبيعة جمهوره ومخاطبيه؛ إلا أنه يعمد أحيانا إلى التعبيرات الغريبة المعقدة عندما يسلك مسلك الرمز والإبهام والتورية والقناع، والأصل والاستثناء أسلوبان تقتضيهما القصيدة السياسية لظروفها ومراحلها وجمهورها.
<LI dir=rtl>
استطاع البردوني أن يوظف موروثة التراثي توظيفا دقيقا في بناء نصه الشعري بما يحقق أهدافه السياسية، حيث وظف بجدارة التراث االديني والتفاعل النصي مع الشعر العربي، واستدعاء الأحداث التاريخية، والأعلام التراثية، وقد جاءت في مجملها متلائمة مع الموقف الذي يعبر عنه النص.
<LI dir=rtl>
للبردوني في شعره مجموعة من الظواهر الأسلوبية التي تميز بها، وأضفت على شعره خاصية تفرد بها عن غيره، تؤكد على عمق ثقافته وقدرته الفائقة في توظيف المفردات والأساليب في أغراض متعددة تصب في تحقيق أهدافه السياسية المنشودة، من تلك الظواهر الأسلوبية التكرار والحوار والاستفهام وفعللة الأسماء والثنائيات المتضادة والسخرية وهيمنة الجملة الفعلية بفعلها المضارع الدال على الدوام والاستمرارية والحياة، وإرادة التغيير لواقعه السياسي المعيش.
<LI dir=rtl>
أما عن الصورة عنده فقد عمد فيها إلى أبدع ألوان من الصور الشعرية، لم تكن موجودة من قبل، وأصبح التعبير يتم من خلال الصورة التي صارت هي الفكرة نفسها، واستطاع أن ينقد بتلك الصور الواقع المعيش، بل جعلها مرآة عاكسة له، مهيجا الشعب، ومحرضا له، ودافعا به نحو الثورة والتغيير.
<LI dir=rtl>
ولم تكن الصورة عنده لتزيين القصيدة، وإنما اعتبر الصورة جزءا لا يتجزأ من البناء الشعري، ووسيلة تعبيرية يستخدمها، ويحقق من خلالها ما يصبو إليه ويريد تحقيقه، فإضافة إلى ما حققته الصورة من وظيفة فنية، فقد جعل منها مرآة عاكسة لصورة المجتمع الذي عاش فيه، كما كان وسيلة للتهكم والسخرية والنقد اللاذع للحكام وللشعب.
<LI dir=rtl>
أما الموسيقى فهي من حيث الشكل والإيقاع خاضعة لبحر واحد وقافية واحدة، إلا في خمسة عشر قصيدة، منها أحد عشر قصيدة سياسية، عدد فيها القوافي، وقد نظم على البحر الواحد أغراضا عدة وفقا لما يقتضيه الحدث والهدف السياسي المراد تحقيقه.
<LI dir=rtl>
استطاع البردوني أن يبدع أوزانا موسيقية من بيئته الفنية، ونسج على أوزان لم ينسج عليها الشعراء من قبله، موظفا ذلك كله في قصيدته السياسية.
<LI dir=rtl>
واستخدم البردوني أنظمة في الوقف تتجاوز وجود الشطر والتفعيلة والبيت، والوقف يخضع لإيقاعه النفسي، ويخضع لزفراته التي تسمع من خلال قراءة المتلقي لشعره، كما استخدم القافية الواحدة والروي المتعدد الذي يولّد إحساسا بالتنهد وانقطاع النفس الذي يتناسب مع الواقع وحدث القصيدة.
<LI dir=rtl>
كان للموسيقى الداخلية عند البردوني تشكيلات صوتية خاصة ارتبطت بالمعاني والأفكار، فاستطاع أن يخلق باللغة والصورة والموسيقى أشكالا فنية خاصة به.