بسم الله الرحمن الرحيم
الدعوة إلى الله نجاة و سعادة
بقلم طويلب العلم /أبو ثابت جمال الدين
الحمد لله فالق الحب و النوى ، و الصلاة و السلام على نبينا صاحب الحوض و اللوا ، و على من لنهجه اتبع و لأثره اقتفى ، وبعد :
فإن تبليغ الدين و الدلالة على الله هي وظيفة الرسل و الأنبياء ، و هي وظيفة أتباعهم الصادقين من بعدهم ، و رب العزة قد جعل لها أجرا كبيراً و فضلا عظيما و صيّرها سببا للنجاة و الفلاح ، قال جل في علاه : ((وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٌ يَدۡعُونَ إِلَى الۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِالۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ الۡمُنكَرِ وَأُوۡلَٰـئِكَ هُمُ الۡمُفۡلِحُونَ )) [1].
و قال نبيه صلى الله عليه و سلم : (( بلغوا عني و لو آية ))[2] و قال : ((نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره))[3] و كان دائما يردد في مجالسه : (( ألا ليبلغ الشاهد الغائب))[4] .
و لما وصفت أمتنا بالخيرية قرن ذلك بالدعوة إلى الله ، قال تعالى : ((كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِالۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ الۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِاللّهِ))[5] فانظر يا رعاك الله كيف قرنت الخيرية بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإيمان بالله تعالى .
حينما ظهرت المعاصي و فشت في بني إسرائيل ، ثمّ لما هم جاهروا بها رب العباد ، ثمّ زادوا على ذلك أن لم ينكروا على بعضهم تلك المعاصي و الآثام كان من الله عز و جل أن أحل بهم لعنته و غضبه و طردهم من رحمته جزاء ذلك ، قال تعالى : ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن بَنِىٰ إِسۡرَآئِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَىٰ ابۡنِ مَرۡيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا۟ يَعۡتَدُونَ ، كَانُوا۟ لاَ يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئۡسَ مَا كَانُوا۟ يَفۡعَلُونَ ))[6] ....... ، و لما قال قوم لا داع أن تنصحوا و ترشدوا قوماً كثرة معاصيهم و هي مهلكتهم لا محالة ، قال تعالى يحكي مقالتهم : ((وَإِذَ قَالَتۡ أُمَّةٌ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا اللّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا شَدِيدًا ))[7] . ثمّ بين أنهم مخطئون ، و قد تصدى لهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر فقال تقدست أسماءه يحكي قولهم : ((قَالُوا۟ مَعۡذِرَةً إِلَى رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ))[8]، فيا أيها النّاس أدوا واجبكم بالنصح و البيان و لا تتحججوا بكثرة العصيان ، و هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ((إذا قال الرجل : هلك الناس ، فهو أهلكهم ))[9] .
إنّ الأمة مطالبة بالعمل .. ، مطالبة ببذل الجهد و الجهاد في سبيل الله ، مطالبة بالسعي و بذل الغالي و النفيس في سبيل إعلاء كلمة الله ، أما النتائج فأمرها إليه سبحانه ، إن شاء أظهرها و إن شاء أخرّها لحكمة يعلمها ، فهو تعالى ((َلا يُسۡأَلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡأَلُونَ))[10] . قال تعالى : ((خُلِقَ الۡإِنسَانُ مِنۡ عَجَلٍ سَأُرِيكُمۡ آيَاتِى فَـَلا تَسۡتَعۡجِلُونِ))[11]، و قال صلى الله عليه و سلم لخباب بن الأرت حين طلب منه الدعاء بالنصر : ((والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ))[12] .
إنّ ترك الدعوة إلى الخير و بيان المعروف و الأمر به و تجلية المنكر و النهي عنه لهي من أسباب الهلاك العام ، و العقاب الذي يأتي على النّـاس صالحهم و فاسدهم ، عابدهم و فاسقهم ، و اسمع لهذا الحديث ، فعن ْ عبد الله بن مسعود ، قَالَ : قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم : ((لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي فنهتهم علماؤهم ، فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم و واكلوهم وشاربوهم ، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض ولعنهم { على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } . قال : فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان متكئا ، فقال : لا ، والذي نفسي بيده ، حتى تأطروهم على الحق أطرا ً))[13]، وتأمل قصة أصحاب السبت ففيها خير دليل و عبرة ، ذلك أنَّ الله تعالى ضرب من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسوط عذابه ، فمسخهم قردة وخنازير ، هذا مع أنهم لم يفعلوا ما فعله المعتدون من الذنب ، بل سكتوا عن إبلاغ حجة الله – و حسبها معصية - ، والقيام بما أمر به ، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[14] .
لقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم مثالا بديعاً بيّن لنا فيه أهمية الدعوة إلى الله و الدلالة على الخير فقال صلى الله عليه و سلم : (( مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا، فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا : مَا لَكَ؟ قَالَ : تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ )) [15].
شرع الله عز و جل الدعوة إليه و كلف بها الأمة لحكم بالغة و عبر جليلة ، فإنها تدخل في عموم الاختبار و الامتحان في هذه الدار ، فهي من جملة أوامر الله تعالى التي يطالب المرء بفعلها و الصبر عليها ، قال تعالى : ((الَّذِى خَلَقَ الۡمَوۡتَ وَالۡحَيَاةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الۡعَزِيزُ الۡغَفُورُ))[16] .
و بها و بأدائها تتبين درجة صدق المحبة و الاتباع لنبينا صلى الله عليه و سلم و قد أمره ربه عز و جل أن يقول : ((هَذِهِ سَبِيلِى أَدۡعُو إِلَى اللّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۟ وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبۡحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا۟ مِنَ الۡمُشۡرِكِينَ)) [17]، و قال تعالى : ((قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحۡبِبۡكُمُ اللّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))[18] .
و إنها –أي الدعوة إلى الله - لتعزز حب الخير للنّاس ، و الرحمة لهم و بينهم ، قال صلى الله عليه و سلم : (( المؤمن يألف و يؤلف ، و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف ، و خير النّاس أنفعهم للناس))[19] ، و قال صلى الله عليه و سلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ))[20] . و أي خير أعظم من الاستقامة و الاطمئنان بذكر الله و الدخول في عباده الصالحين ...، و لعمر الله هل وجد في النّاس أرحم من المصطفى صلوات ربي و سلامه عليه و انظر كيف يصف نفسه في دعوته للنّاس فيقول : (( إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا )) رواه البخاري .
متى ما وعينا بضرورة الدعوة إلى الله و أهميتها و قمنا بها جميعاً فلن يخيب لنا أمل بإذن الواحد الأحد ، و لن نغلب من عدو و لا خصيم ، و سترتفع أمتنا عالياً كما كانت سلفاً ، الأمة القائدة ، الأمة المعطاءة ، الأمة التي حملت راية الإسلام و الدعوة إليه و شقت الصحاري و البحار تنادي بأعلى صوت : ((رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلإِيمَانِ أَنۡ آمِنُوا۟ بِرَبِّكُمۡ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبۡرَارِ ))[21] ، و تتمثل قوله صلى الله عليه و سلم : (( بلغوا عني و لو آية ))[22] و قوله صلى الله عليه و سلم : ((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا ، خير لك من أن يكون لك حمر النعم))[23] ، و كيف انتشر الإسلام ؟ ألم يكن أكثره بدعوة التجّار العملية و أخلاقهم العلية و معاملاتهم الزكية. التي أسرت قلوب النّاس فدخلوا في دين الله أفواجا ، وأصبحوا من مشركين أعداء لله إلى مسلمين أولياء مقربين ، فأي نقلة و أي تحول ، و أي أجر سيناله من كانوا سببا في ذلك – لله درهم و على الله أجرهم - .
جعلنا الله و إياكم من الدعاة إليه ،الدالين على نهجه و هداه ، إنه ربّنا الكريم و هو الكافي لكل عديم ، و صلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .
[1] سورة آل عمران 104
[2] حديث صحيح ، أخرجه الألباني في صحيح الجامع
[3] حديث إسناده صحيح ، أخرجه الألباني في الصحيحة صفحة 404
[4] رواه البخاري 5550
[5] سورة آل عمران 110
[6] سورة المائدة 78 ، 79
[7] سورة الأعراف 164
[8] سورة الأعراف 164
[9] رواه مسلم 2623
[10] سورة النساء 23
[11] سورة الأنبياء 37
[12] رواه البخاري 3612
[13] رواه الترمذ و قال حسن غريب
[14] الفتح الرباني للشوكاني
[15] رواه البخاري 2686
[16] سورة الملك 2
[17] سورة يوسف 108
[18] سورة آل عمران 31
[19] إسناده حسن ، السلسلة الصحيحة للألباني ص 426
[20] رواه البخاري 13
[21] سورة آل عمران 193
[22] سبق تخريجه
[23] رواه البخاري 3701