الصّدق في الأدب
الصّدق في الأدب -مصطفى صادق الرّافعيّ -
الصّدق بمعناه الواسع ، و بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى ،مجال للأدب و شرط من شروط قوّته ، فلو عبّر امرؤ القيس عن شعوره نحو المرأة ن أو عبّر أبو نواس عن شعوره نحو الخمرة فهو أدب صادق قويّ ، و إن كانت الأخلاق الاجتماعيّة لا ترضى عن النّحو الّذي سلكاه في التّعبير ، ولكنّه من النّاحيّة الأدبيّة أدب صادق قويّ ، و إن شعر شاعر في الورع و الزّهد و لكنّه في نفسه ينطوي على دعارة و فجور ، لم يكن شعره صادقا و لا قويّا و إن رضيت عنه الأخلاق الاجتماعيّة .
و الصّدق يمنح الأدب قوّة ؛ لأنّ الأديب إذا عبّر عمّا تكنّه نفسه ، و يختلج به صدره ، كان قوله أقوى تأثيرا ، و أشذّ حياة ، و الأديب الحقّ هو من تأثّرت نفسه بالحياة و مظاهرها تأثّرا يتّفق و نفسيته و مزاجه ، ثمّ هو يحاول بأدبه أن ينقل هذا التّأثّر للنّاس و يجعلهم يشعرون بما يشعر و ينفعلون بما ينفعل ، فإن هو لم يتأثّر و حاول أن يؤثّر، كان أديبا زائفا ، و كان الفرق بينه و بين الأديب الحقّ كالفرق بين النّائحة الثّكلى و النّائحة المستأجرة .
و هذا الصّدق في التّعبير هو الّذي يسبغ على الأدب مسحة الخلود ؛ فالشّعر الّذي قيل في المديح و الهجاء أقلّ قيمة و خلودا ممّا قاله الشّعراء في وصف عواطفهم ، فرثاء ابن الرّومي لولديه أبقى من هجائه لخالد بن قحطبة ،و اعتداد المتنبّي بنفسه في شعره أقوى من مدحه لغيره ...
|