الباحث: أ/ رزاز سعيد منصور حاتم
الدرجة العلمية: ماجستير
تاريخ الإقرار: 2004الملخص: يسعى هذا البحث إلى دراسة بنية الزمن في قصص الأديب اليمني محمد أحمد عبد الولي القصيرة ، من وجهة نظر الدراسات البنيوية التي تقوم على دراسة النص الأدبي ، بوصفه بنية لغوية ، استناداً إلى جهود الناقد البنيوي جيرار جينيت وغيره من النقاد الغربيين ، وهم جميعاً قد تأثروا بآراء الشكليين الروس ، كما تأثروا بأبحاث اللغوي السويسري ( دي سو سير). وتنطلق الدراسات البنيوية من البنية الداخلية (الفنية) للنص الأدبي قيد الدرس ، بعيداً عن المؤثرات الخارجية ، و المرجعيات التاريخية والأيديولوجية ، والمقاربات الاجتماعية والنفسية والأسطورية .. التي تهتم بالجوانب الخارجية أكثر من اهتمامها بجماليات النص الداخلية .
ويرجع اختيار الباحث دراسة موضوع بنية الزمن في قصص محمد عبد الولي القصيرة لأسباب ، لعل أهمها :
-أن القصة القصيرة أصبحت جنساً أدبياً يحتل مكانة متميزة بين الفنون الأدبية الأخرى، وذلك يرجع إلى قصر حجمها ، وغناها في التناول ، واعتمادها على التركيز والتكثيف في تناول الأحداث والمواقف ، وقدرتها على تناول التحولات الاجتماعية والمعرفية ، اجتمعت فيها أهم تقنيات وملامح الأجناس الأدبية الأخرى .
-أن الأديب اليمني الراحل محمد عبد الولي من الكتاب البارزين في القصة القصيرة ، على مستوى الأدب اليمني ، وعلى مستوى الكتاب العرب ؛ فقد قدم عطاءً زاخراً في مجال الإبداع القصصي ، تحمل هموم بلاده ، وهموم أبناء مجتمعه ، وكتب عن واقعية تغلغلت فيه حتى النخاع . لم تُملَ عليه الكتابة القصصية من الخارج ؛ فابتعد عن الشعارية ، والوعظ والتنميق والمجاملات ؛ ليكتب عن معاناة لما أحس به ذاتياً ، أولما عاناه الآخرون في داخل الوطن أو في خارجه ؛ فاكتسبت كتاباته بعدا"ً إنسانياً ، لفتت أنظار كثير من الكتاب ، داخل اليمن وخارجه . ويجمع كل النقاد والباحثين على أنه الرائد الأول – بلا منازع – للقصة اليمنية ؛ فكان من المهم جداً تناول قصصه القصيرة في دراسة علمية مستقلة ، تتناسب مع حجمه الأدبي ، ومكانته القصصية التي يحتلها بين الكتاب ، يمنيين وعربا.
-قلة الدراسات الأكاديمية التي تناولت الجانب القصصي في الأدب اليمني من الداخل (الفني) ، فلم يسبق هذا البحث – حسب علمي – سوى دراسة الدكتورة آمنة يوسف – وهي روائية هي : رواية الرهنية لزيد مطيع دماج ، ورواية السمار الثلاثة لسعيد عولقي ، ورواية مدينة المياه المعلقة لمحمد مثنى .. في حين أن هذا البحث يُعد أول دراسة مستقلة تتناول القصة القصيرة في الأدب اليمني من هذا الجانب .
- وتهدف هذه الدراسة إلى موقعة القصة اليمنية القصيرة بين الدراسات الأخرى ، لما لهذا الموضوع من أهمية من وجهة نظر السر ديات الحديثة وتقنياتها .. والكشف عن جماليات القصة القصيرة عند الكاتب محمد عبد الولي من خلال تقنيات المنهج البنيوي ...كما يهدف الباحث من وراء هذه الدراسة إلى الإسهام في رفــد المكتبة اليمنية بهذا العمل المتواضع .
- ولعل أهم من أفرد لكتابات محمد عبد الولي – حسب ما اطلعت عليه – فصولاً في دراسات علمية ، - كتاب القصة اليمنية المعاصرة (1939-1976) الصادر عن دار العودة – بيروت عام 1977م ، لمؤلفه الدكتور عبد الحميد إبراهيم ، الذي أفرد فصلاً تحدث فيه عن محمد عبد الولي وتاريخ القصة اليمنية ، وقد أفاد المؤلف في الكشف عن أدب الرائد الراحل ، من خلال تناوله للظواهر الاجتماعية التي عالجها القاص ، ودور الجنس في كتاباته ، وكيف لجأ إليه الكاتب هروباً من السأم ورداءة الواقع ، كما لجأ المؤلف كثيراً إلى الجانب النفسي لدى الشخصيات القصصية ، وما تلاقيه في داخل السجون ، وما يلاقيه المهاجر اليمني في مجتمع أثيوبيا .
-وكتاب قراءة في أدب اليمن المعاصر ، الصادر عن دار العودة – بيروت عام 1977م ، لمؤلفه الدكتور عبد العزيز المقالح ، الذي أفرد فصلاً تحدث فيه عن الشعر في قصص محمد عبد الولي ، أوضح فيه كيف استطاع القاص الراحل أن يفيد من الشعر في قصصه ؛ إذ لا تكاد تخلو قصة من قصصه من لوحة ، أو لوحات شعرية رائعة ، تنبض بروح شاعرية جميلة ، لاسيما في مقدمات قصصه الكثيرة .
-ورسالة الماجستير الموسومة بـ (القصة القصيرة في اليمن – 1939-1980) ، للدكتور محمد على يحيى التي تقدم بها عام 1988م إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة حلب ، وقد تحدث في الفصل الرابع منها عن أعمال محمد عبد الولي ، وعالمه القصصي ، وجمالياته الفنية ، وكيف عكس استيعاباً معرفياً خلاقاً للواقع ؛ بتصويره للشخصيات التي تعبر عن الفئات والطبقات الاجتماعية الفاعلة في حركة المجتمع ، والشخصيات الأخرى التي تعبر عن هموم عامة ، تتجاوز الهموم الفردية ، كما تحدث عن جمالية اللغة في قصص محمد عبد الولي القصــيرة ، وكيف حافظت اللغة على مستواها الجمالي ؛ فجاءت طيعةغيراعتباطية ، معبرة عن معاناة الشخصيات ومواقفهم ، وكيف انتقل الكاتب من مستوى الوصف ، إلى مستويات السرد والحوار والمونولوج .
-وكتاب شعرية القصة القصيرة في اليمن ، الصادر عن مركز عبادي للدراسات والنشر – صنعاء عام 2003م ، للدكتورة آمنة يوسف ، وقد اعتمدت فيه على رسالتها للدكتوراه ، وقد أفردت فصلاً تناولت فيه رؤيا الهجرة في مجموعة شئ اسمه الحنين ، من خلال تقديمها لمتابعات فنية في الحوار، وفي الرؤيا القصصية باستخدام ضمير ألـ (أنا) ، وضمير ألـ (هو) ، والجمع بين الرؤيتين ، ثم الرؤيا القصصية الانتقادية في قصة (أصدقاء الرماد) ...
-أما في الدوريات فلعل أهم الأبحاث التي تناولت أعمال محمد عبد الولي ، كان البحث الذي قدمه الدكتور وهب روميه ( مشكلة الهجرة في أعمال محمد عبد الولي ) ، الذي نشرته مجلة اليمن الجديد في عددها السادس – السنة السادسة عشرة – صنعاء – يونيو 1987م ، وقد تسلل الكاتب فيه إلى العوامل النفسية لدى الشخصيات ، فضلاً عن تناوله لأثار الهجرة وأبعادها في كتابات الرائد الراحل وهو الوحيد الذي أشار إلى مهمة الزمن عند محمد عبد الولي في ترسيخ الواقع وتخليده ، لا تغييره وتبديله ..
-والبحث الذي قدمه منصور عبد العزيز ( واقعية محمد عبد الولي ) في العدد نفسه ، الذي أدرك وعى الكاتب بالواقعية النقدية ، والمعايير الفنية لها ، وتأثره بالمفاهيم الجمالية ، كون الواقعية النقدية مذهباً أدبياً له فلسفته الخاصة في النظر إلى الواقع والوجود والطبيعة وإلى نموذجية الإنسان التي تشكلها طبيعة علائقه الموالية بالمجتمع ، كل ذلك من خلال تصويره للتناقضات الاجتماعية ، والكشف عن مساوئ الواقع المقنعة بالزيف ، من خلال مواقف الشخوص المختلفة من الواقع .
-أما الدكتور محمد حامد شريف، الذي تناول الهجرة اليمنية وأبعادها الاجتماعية ، والمرأة في ظل الهجرة اليمنية ، في كُتيبه ( الاتجاه الواقعي في قصص الأديب اليمني محمد عبد الولي ) ، الصادر عن مركز التركي للكمبيوتر وطباعة الأوفست – طنطا عام 1991م ، فإنه لم يُضف عما جاء في كتاب القصة اليمنية المعاصرة ، وما نُشر في مجلة اليمن الجديد .
-أما الدكتورة ثناء أنس الوجود ، فقد أشارت إلى خصوصية الهجرة في كتابات محمد عبد الولي في الفصل الذي تناولت فيه رؤية الواقع في القصة اليمنية القصيرة بعد محمد عبد الولي وذلك في كتابها قراءات نقدية في القصة المعاصرة ، الصادر عن دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة 2000م .
وقد وُزع هذا البحث على مدخل وثلاثة فصول ، تناول الباحث في المدخل ، مكانة القصة القصيرة بين الأجناس الأدبية الأخرى ، وأهميتها ، وسبب شيوعها لدى القراء والكتاب ودور الرائد الراحل محمد عبد الولي في إرساء هذا الفن الأدبي ، وطبيعة معالجته الفنية للقضايا الواقعية والاجتماعية ، من خلال هذا الفن الأدبي المتميز ، ثم قضايا الزمن التي سيتم من خلالها دراسة قصص محمد عبد الولي القصيرة .
أما الفصل الأول ، فقد تناول الباحث فيه التصرف الزمني من خلال مبحثين ، عرض في المبحث الأول قضية الترتيب في السرد ، ومقارنته في القصة ، سواء داخل البنيان الجزئي داخل المقطع السردي ا لواحد ، أو من خلال البنيان الكلي في موضوعات القصة ... وتناول في المبحث الثاني حركتي المفارقة الزمنية ، وهما : الاسترجاع بنوعيه الخارجي الذي بدا مسيطراً على مجريات الأحداث ، والداخلي الذي بدا أقل حضوراً ، ثم التوقع بنوعية أيضاً ، الخارجي الذي بدا أقل من التوقعات الداخلية ، والقليل من التوقعات تحمل في طياتها اليقين في الوقوع والتحقق.
وفي الفصل الثاني ، تناول الباحث سرعة السرد ، وحركة الزمن ، من خلال التقنيات الأربع التي وزعها على مبحثين ، تناول في المبحث الأول تسريع السرد ، من خلال تقنيتي الحذف والإيجاز ؛ فالحذف الزمني ، سواء إلى الأمام أو نحو الماضي ، يُعد سمة أسلوبية في قصص محمد عبد الولي القصيرة ، و في بعض الأحيان يضفي على بعض القصص بعداً روائياً . أما الإيجاز – سواء كان بعيداً أم قريباً – فهو وسيلة الكاتب في تلخيص الأحداث والمواقف ، والتقديم لحياة الشخصيات وماضيها .. وفي المبحث الثاني تناول تعطيل السرد ، الذي يحققه المشهد بنوعية ، السردي والدرامي ، وإن كانت الدرامية تمثل العمود الفقري في قصص محمد عبد الولي القصيرة ، والتوقف الذي يقابل الحذف الزمني ، سواء في الوصف ، أو التحليل النفسي ، أو تقديم المعلومات.
أما في الفصل الثالث ، فقد تناول الباحث فيه قضية التواتر الزمني للأحداث في القصة وفي السرد ، من خلال مبحثين ، عرض في المبحث الأول نماذج التواتر وهي : المفرد ، والمفرد المضاعف ، والتكراري ، والترددي ، والنوعان الأخيران يُعدان من ملامح الزمنية السردية في قصص محمد عبد الولي القصيرة . وفي المبحث الثاني عرض للوحدات الزمنية المتواترة ، المحددة ، وغير المحددة ، وهي في معظمها محددة ؛ لارتباطها بالتواتر الترددي ، وتقنية الإيجاز .
وقد ذُيّل البحث بخاتمة ، تلخص أهم نتائجه ، كما قُدّم ملخص لموضوعه باللغة الإنجليزية .
وقد أتبع الباحث منهجاً في الكتابة كالآتي :
أولاً: عرض مقدمة نظرية لكل تقنية زمنية ، تجمع بين مختلف آراء النقاد والباحثين .
ثانياً: إيراد الأمثلة التطبيقية والنماذج باستفاضة بعد استعراض المقدمة النظرية لكل
تقنية .
ثالثاً: الاعتماد – في الفصلين الأول والثالث – على الجداول واللوائح الإحصائية ، في إصدار الأحكام ، ورصد النتائج الموضوعية ، التي لا مجال فيها للأحكام الانطباعية ، والآراء الذاتية .
رابعاً: نظراً لعدم التمكن من الإحصاء في الفصل الثاني ، بسبب التداخل بين التقنيات الزمنية في سرعة السرد ؛ فقد اعتمد الباحث على تحليل نموذجين تطبيقيين لقصتين ، الأولى تعالج مدة زمنية طويلة ، والأخرى تغطي فترة زمنية أقل .
خامساً: تم اقتباس المقاطع والنماذج المدروسة في قصص محمد عبد الولي القصيرة ، كما وردت في المصادر ، حتى وإن كان فيها بعض الأخطاء اللغوية والتركيبية ، دون أي تعديل فيها ، وذلك ما تقتضيه الأمانة العلمية ، والحقوق الأدبية لأصحابها ، وحتى لا تفقد تلك النماذج صدقها وواقعيتها .
أما مكتبة البحث فقد تكونت من قسمين : -المصادر ، وهي المجموعات القصصية الثلاث لمحمد عبد الولي ، والقصص التي نشرت في المجلات والدراسات الأدبية .
-المراجع ، وهي قسمان أيضاً :
المراجع العربية ، وتتكون من الكتب والرسائل الجامعية و الدوريات والمعاجم ، ثم المراجع المترجمة ، ومن مشكلات المراجع التي واجهت البحث ، هي شحة المراجع والدراسات التي تتنـاول القصة القصيرة ، من خلال البنية الداخلية للمادة قيد الدرس ؛
بل حتى الدراسات القليلة التي تتناول القصة القصيرة ، تطبق عليها تقنيات السرد الروائي . و إذا كان هذا البحث قد واجه بعض الصعوبات ؛ فإن ذلك شأن كل بحث ، ودرب كل باحث ، ومن أهم الصعوبات التي واجهت هذا البحث ، صعوبة الحصول على القصص المنشورة في مجلة الحكمة ، العدد / 105- السنة الثالثة عشرة ، وعدم وجود بعض المراجع التي تتناول تقنيات السرد الحديثة في المكتبات العامة ، وقد تم بعون الله تذليلها ، والتغلب عليها بالاستعانة بالمكتبة الشخصية للدكتور محمد علي يحيي ، والمكتبة العامة في مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة بتعز .
والله ولي التوفيق
الباحث