![]() | ![]() |
.::||[ آخر المشاركات ]||::. |
![]() ![]() |
مِنْ أهمِّ الأحْداثِ !! | |
| |||||||
| رواق الترجمة يُعنى بمسائل الترجمة ، والدراسات اللغوية التقابلية والنصوص اللغوية المترجمة . |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #2 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 395
Thanks: 203
Thanked 300 Times in 158 Posts
معدل تقييم المستوى: 3 ![]() | دور التعريب في تأصيل الثقافة الذاتية العربية عبد الكريم اليافي (2) * دور تعريب التعليم العالي في تطوير اللغة العربية وتجديدها وتحقيق قدرتها الكاملة على استيعاب العلوم الحديثة. لا بدّ في تعريب التعليم العالي ونقل العلوم والمعارف الحديثة إلى ظلال اللغة العربية الوارفة من إحياء ألفاظ قديمة واستحداث مصطلحات جديدة تفي بحاجات الدلالات وتؤدي حقائق التصورات والمفاهيم المستجدة وتواتي الأغراض الفكرية. وهذا كله يؤدي إلى تطور اللغة العربية وإلى حقن نسغ جديد يزيد في حيويتها وغناها ويضمن تدفقها وثراءها في شتى المجالات وتحقيق استيعابها لأغراض الحضارة الحديثة في ميادينها المختلفة. وهذا شأن اللغات جميعها سواء في غابرها وفي حاضرها إذ لا مندوحة لها عن قيام صلات واشجة بينها وبين اللغات الأخرى. وقد تطغى لغة على لغة وقد تزيد الواحدة في ثراء الأخرى وغناها. ولكل لغة أيَّاً كانت مزايا تنفرد بها. وهذه المزايا تناسب وجهاً أو أكثر من وجوه التعبير العلمي والأدبي. كنا في مقال سابق(3) شبهنا اختلاف وجوه التعبير في اللغات باختلاف مزايا نظم العد من عشري وثلاثي واثنيني واثني عشري وستيني وغيرها. ومن المعروف صعوبة إفادة الثلث تاماً في الكسور العشرية وتسهل إفادته في الجملة الثلاثية التي أساسها الثلاثة دون العشرة. وكذلك النصف تسهل إفادته التامة في الجملة العشرية وفي الجملة الاثنينية وتصعب في الجملة الثلاثية وهكذا دواليك إذا توسعنا في أنواع الجمل والنظم الحسابية وإفادة الكسور فيها. ومع ذيوع الجملة العشرية أو نظام العد العشري نجد في العصر الحاضر أهمية النظام الاثنيني في ميدان الحاسبات الإلكترونية. وهكذا اللغات. لكل لغة مزايا وإفادات تختص بها وربما لا يوجد لها أشباه في بعض اللغات الأخرى. ولكن هذا مجرد تشبيه نريد به الحث على تعرف مزايا اللغة العربية والاستفادة منها. ولا تمكن هذه الاستفادة إلا بعد تعلمها وبذل الجهود فيه والأخذ عن الأكفياء كما صنع حنين بن إسحاق حين نهض من بغداد إلى بلاد فارس ليلزم الخليل بن أحمد إمام اللغة في عصره. ولما جرت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية بلغت السريانية عصرها الذهبيّ إبان ذلك العهد. وكذلك بلغت اللغة العبرية عصرها الذهبي في ظلال الحضارة العربية الأندلسية حين استقت من الشعر العربي أكثر بحوره ومن النحو العربي أغلب قواعده كما أخذت عن العربية كثيراً من المفردات والتعابير الفكرية والفلسفية ولا سيّما حين نشأ مفكرها المشهور موسى بن ميمون الذي كتب في العربية والعبرية سواء. أما اللغة العربية فغناها الأصيل وثراؤها الجم أدخل عليها مع ذلك عند نقل العلوم القديمة إليها نصيباً من عمق التعبير وسعة البيان جعلها تتطور بأساليبها مع الاحتفاظ بأصالتها الذاتية وخصائصها المثلى. ولما أن اشتد نقل العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية سابقاً أثر ذلك في ثراء اللغة اللاتينية تأثيراً شديداً حتى إنه غدا العلماء يميزون فيها لغتين: اللاتينية القديمة واللاتينية المتأخرة. وينبغي ههنا أن ننص أمراً غفل عنه بعض اللغويين الحديثين ومحققي كتب التراث العربي حين يحققون لفظاً في اللاتينية له شبيه في العربية فيجعلون إلى ادعاء اللفظ اللاتيني أصلاً. والحقيقة هي العكس وهو أن اللفظ اللاتيني آت من العربي دخل عند حركة النقل الأوربي. وكذلك الأمر في اللغة العبرية وفي اللغة السريانية. بل إنه صحيح إلى حد في اللغة اليونانية أيضاً لأن الحروب السجال التي وقعت بين الروم والعرب ولا سيما إبان الدولة الحمدانية أدت إلى تسرب ألفاظ متعددة من العربية إلى الإغريقية كما يشهد بذلك بعض المستشرقين الذين اختصوا بعلاقات الروم والعرب في العصور الوسطى كالمستشرق الفرنسي ماريوس كنار. إن التعريب وسيلة لثراء اللغة العربية بالمصطلحات الحديثة ولبث حركة الحياة الجديدة في أوصالها. ولكن لا بد في ذلك من الانتباه لخصائص العربية ومزاياها في الدقة والإيجاز والبلاغة وسلامة التعبير وجلاء البيان دون أن تندس في أوصالها ركاكة التعبير الأجنبية وتتسرب إليها فهاهتها وطبيعة كيانها اليابس القائم على الحروف والعبارات الاصطلاحية كما تقوم الأخشاب المنصوبة على المسامير المدقوقة فيها، ولولا الطلاء الحضاري الزائف عليها لما كانت مستساغة لفقدان النسغ الحي زد على ذلك تفاوت اللفظ والكتابة فيها حتى أن أبناءها يكتبون شيئاً ويلفظون غيره. ونحن ندرك المبالغة في كلامنا هذا. ولكن المبالغة هي التي تفضح الطلاء المموّه الظاهر. إن أفضل التطور في الكائن الحي ما يجعله محافظاً على مزاياه وخصائصه الجيدة وما يزيد هذه الخصائص والمزايا ثراء. وإلا فإن في قصة الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحجلة لعبرة للمتأملين. وكذلك لا بد من التخطيط السليم في أمور التعريب بالنظر إلى اتساع البلاد العربية الواسعة ذوات الثقافات الأجنبية المختلفة فإذا لم ينتظم التعريب ناظم سويٌ غدا فوضى ونشأت لغيات ولهجات محلية خطيرة تجعل التفاهم بين أبناء الوطن الواحد وبين مثقفيهم عسيراً. وفي حكاية تعدد اللغات في برج بابل عبرة أخرى ما تزال ماثلة لأولي البصائر. المهم قبل كل شيء في التعريب إتقان اللغة العربية. ولا يصعب بعد الإتقان أن يكون شأن المصطلحات ثانوياً حتى لو استعملت بألفاظها الأجنبية وقتياً ومرحلياً كما استعمل العرب ألفاظ الجيومطريا والارتماطيقي والبيوطيقا وغيرها مما نجده في التراث العربي وكما استعملوا في مصطلحات المنطق ألفاظاً يونانية جعلت عالماً كبيراً مثل البيروني يتهكم على مستعمليها كما سلف آنفاً إذ سرعان ما تجاوزوا تلك الألفاظ الثقيلة الممجوجة ووجدوا مقابلات لها سهلة جلية سائغة. وأبو الريحان هذا هو الذي اقترح مؤرخ العلوم الأمريكي سارتون إطلاق اسمه على النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي بأن يدعى عصر البيروني في إطار تطور تاريخ العلم العالمي. وهو الذي اعتبره المستشرق الألماني زخاو أعظم عقلية عرفها التاريخ. *دور تعريب التعليم العالي في نشر اللغة العربية والعلم العربي والثقافة العربية خارج إطار الوطن العربي ولا سيما في البلاد الإسلامية. ثمّة وشائج تاريخية وثيقة بين التراث العربي وتراث كثير من البلدان الأجنبية ولا سيما الإسلامية لأن شعوب هذه البلدان قد شاركت في تألق الحضارة العربية وعلومها وفنونها وصناعاتها. لقد التقينا في إحدى زياراتنا لبلغاريا وفداً هندياً أخبرنا أحد أعضائه وهو غير مسلم أنه لما كان صبياً صغيراً أرسله والده إلى مدرسة عربية بالهند إذ كانت اللغة العربية معتبرة إذ ذاك لغة الحضارة ثم حلت اللغة الإنكليزية التجارية المستعمرة محل اللغة التي تنادي بأن الخلق كلهم عيال الله فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله. كانت اللغة العربية حقبة طويلة من الزمان لغة تلك الشعوب العلمية والفكرية. ولذلك نجد أن لغات تلك الشعوب قد استمدت من العربية ألفاظاً حضارية ومصطلحات علمية كثيرة. ومثَل هذه اللغات في العصر الحاضر مثَل اللغة العربية في الحاجة إلى نسغ جديد يجري في عروقها ويقوّي مناعتها ويبث فيها الحداثة والمرونة والطواعية. ولما كان جزء لا بأس به منها آتياً من العربية ولا سيما ماكان منه حضارياً وفلسفياً ودينياً وعلمياً لزم أن تقوم بذلك الأخت الكبرى لتلك اللغات وهي العربية فتعمد إلى وضع المصطلحات المستجدة وضرب المثل الصالح في التعبير السليم والبيان الصحيح الموائم للأغراض الحديثة والأفكار الجديدة. وقد بلونا ذلك حين وضعنا نحن والمرحوم الدكتور الشافعي النص العربي للمعجم الديمغرافي المتعدد اللغات وسبقنا في ذلك طائفة من البلدان حتى المتقدمة منها في اعتماد ذلك المعجم العالمي الذي ظهر أول الأمر باللغات الثلاث الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، لغات منظمة الأمم الرسمية إذ ذاك. فإذا بالاتحاد العالمي للدراسة العلمية للسكان يكتب إلينا يستعلم طريقة الحصول على المعجم العربي لأن بلداناً أخرى هي تركيا وإيران وباكستان وأندونيسيا رغبت في اقتنائه ابتغاء الاستفادة منه لوضع النص بلغتها القومية. ونحن على يقين بأن اللغة العربية بين جميع اللغات قادرة على القيام بأعباء التعريب من كل نوع نظراً لغناها وتعدد سبل البيان فيها ودقتها وملاءمتها لشتى الأغراض على أن ينهض به ويشرف عليه الأكفياء أهل العلم والمعرفة. *دور التعليم العالي في مزج الثقافات الأجنبية المتعددة في بوتقة ثقافية عربية متكاملة موحدة وفي الخلاص من تنازع الثقافات الأجنبية وتعارضها في إطار الجامعات ومؤسسات التعليم العالي العربية. لقد أُتيح لنا أن نزور كثيراً من البلاد الحديثة الرأسمالية والاشتراكية. ونظراً لاتساع رقعة الوطن العربي ومكانته الاستراتيجية والاقتصادية والجغرافية والديمغرافية نشأت لدويلاته علاقات متعددة بتلك البلاد. من نتائج هذه العلاقات البعثات والمنح العلمية الكثيرة، رسمية وغير رسمية، جماعية وفردية، تحمل أبناء الوطن العربي وناشئته لتلقي العلوم في تلك المجتمعات الحديثة. وجدنا الشبان العرب في تلك المجتمعات يقبلون على تلقي العلوم ولهم دوي وهينمة كدوي جماعات النحل وأثوالها المترامية على رحيق الأزهار تمتص منه ما يشبع رغباتها وينقع طموحها. قد يقع انحراف أو تهافت أو خطأ في الإرسال وفي التمتع بالمنح وهذا شيء طبيعي يمكن تقليله وحصره ولكن تلك الكثرة ومطامح الناشئة في تلقي العلوم تفتح أبواب الأمل ونوافذه على مصاريعها لمن كان له قلب. ولما كانت البلدان الأجنبية متفاوتة اللغات متعددة الرؤى كان المتخرجون العرب فيها متسمين بذلك التعدد والاختلاف والتفاوت. ولكن يجمعهم تحصيل العلم ومقدار الإتقان الذي حصلوا عليه ومبلغ الثقافة التي تحلُّوا بها. وهؤلاء حين يرجعون إلى بلادهم التي ترحب بهم والتي هي المناخ الطبيعي لتكامل مواهبهم وتمام نضجهم وشموخ أنفسهم ومرتكز فخارهم يغدون كالمختبر الحقيقي لامتزاج الثقافات في بوتقة عربية موحدة سواء كان ذلك في الجامعات والمعاهد التثقيفية وفي مباءات البحث والتنقيب. وذلك كما تصهر الفلزات والمعادن الثمينة نفياً للخبث وإبعاداً للزيف والشوائب عنها. وفي ذلك أقوم السبل للوصول إلى ثقافة عربية علمية حديثة تمهد للابتكار وللتقدم في ركب المدنية الراهن. *دور تعريب التعليم العالي في توليد نظرة حضارية عربية واحدة أصيلة وحديثة. من تعدد الثقافات الأجنبية التي تحملها الأجبيال العربية المثقفة تثقيفاً عالياً صحيحاً وانصهارها في بوتقة تعريب التعليم الجامعي تتولد سبيكة أو أشابه من الجواهر الفكرية الراقية تنشأ عنها بالإضافة إلى الثقافة العربية التراثية نظرة حضارية عربية أصيلة وحديثة. ذلك أن الاقتباس من الثقافات الأخرى مع الحفاظ على الأصالة القومية كالاقتباس من شعل النيران يزيد التوقد ويبث الحركة والتوثب الفكريين نحو الأعلى في مجاراة الأُمم الحديثة الأخرى. ولما كانت البلاد العربية غنية بمكانتها المتنوعة الغزيرة غدت تتسع اتساعاً وافياً لمختلف الثقافات الأجنبية وهي قادرة على تمثلها مع الزمن. يبدو الزمن هنا ذا قيمة كبرى في التطور. وكما أن الأغراس في الحدائق تحتاج إلى برهة للتلاؤم هي والشروط الخارجية من تربة ورطوبة وحرارة وتغذية ورعاية وتعهد دائم لكي تنمو وتقوى وتتفرع وتزهر وتؤتي بالثمار الزكية تحتاج الأجيال إلى فترات زمنية ذات إيقاع مناسب لكي تتفاعل ثقافاتها وتتهيأ للنهوض والتفتح وإنشاء حضارة جديدة ذات كيان أصيل. هكذا تم نهوض الأُمم وظهورها بالتدرج على صعيد الحضارة العالمية. ولكنه تم أيضاً بالدعم الفعّال من قِبل المسؤولين والتعهد الدائم لنسغ الحضارة المتولد وتشجيع الأكفياء في كل ميدان، بل بمشاركة المسؤولين أنفسهم في تلك العلوم والمعارف لكي يضربوا الأمثلة الصالحة ويكونوا القدوة المثلى في الحث على العلم وتكريم أربابه ورجالاته وإعلاء شأن الإبداع والابتكار: لقد كان الأمير خالد بن يزيد من كبار المهتمين بالعلوم، الحراص على الإلمام بدقائقها. وكان الخليفة المأمون له مجالس علمية يخوض في كل فن يجري ببحثه فيها. وكان يقدم العلماء ويسبغ عليهم أفضل التقدير والتكريم. وكذلك نجد مثل هذا في عهود الخلفاء الأندلسيين ولدى الملوك الفاطميين والأيوبيين، إذ لا تقدم يحصل دون إعلاء شأن العلم وتكريم العلماء. على أن التاريخ والتراث والأعراف العربية من حقائقها دعم ذلك الاتجاه وتجسيده. فلا غرو أن يولي المسؤولون في أجواز الوطن العربي دور العلم وبيوته رعايتهم الكريمة وتعهدهم الثري المثمر. *دور تعريب التعليم العالي في رفع الدراسات العليا وفي إعداد الهيئة التدريسية الجامعية إعداداً ملائماً لحاجات الوطن العربي وفي الحد من عدد البعثات العلمية إلى الخارج ومن هجرة الكفايات العلمية بالتالي. إذا تولدت تلك الأشابه أو السبيكة المشار إليها آنفاً من صهر الثقافات المتعددة في الوطن العربي تكوّن لدى الأجيال العربية معارف توازي معارف الأمم الحديثة في العلوم والفنون وأصبح لهذه المعارف ينابيع ثرة عذبة في جامعات البلاد ومعاهدها تفجرها الأجيال العربية أنفسها ويردها الطلاب يمتاحون من معينها الفرات بل يكونون هم أنفسهم تلك الينابيع بما أوتوا من تثقيف صحيح وتعليم منهجي رفيع وحصانة ذاتية في التفكير وزكانة ملهمة في التأمل والبحث والتنقيب، لا كما هو حاصل الآن من إعادة ببغاوية لمعلومات الغرب أو الشرق واجترار آلي لمعارفهما وعدم النفوذ من خلالها إلى سر الإبداع والاختراع. لا شك أن تعريب التعليم العالي يستلزم حسن التأليف في العربية. ذلك أن التعريب لا يعني بحال من الأحوال التعليم بلغة عامية محلية لا أصول لها ولا قواعد بل هي تختلف من قطر إلى آخر وتتفاوت من صقع إلى غيره بحيث لا تستطيع الناشئة متى جد الجد أن يفهم بعضها بعضاً. وإنما المراد بالتعريب التعليم بلغة عربية سهلة سائغة دقيقة صحيحة جلية. لقد حدثني زميل في إحدى الكليات وهو أستاذ لإحدى مواد الكيمياء أن له بنتاً ناشئة تدرس شهادة الكيمياء في كلية أخرى أراد ذات يوم أن ينظر في الأمالي التي تتلقاها في كليتها فلم يفهم منها شيئاً لأنها أمليت بلغة عامية وكتبت عشوا بتلك اللغة. نحن نجرؤ فنقول: إن التعليم باللغة العامية أسوأ منه بلغة أجنبية، لأن اللغة الأجنبية ذات قواعد وأصول ومجال واسع في التأليف والمتابعة. وليس كذلك اللغة العامية المحلية. إن أكبر أخطار الاستعمار التشكيك في صلوح اللغة العربية لاستيعاب التعبير والمصطلحات الحديثة والخفض من قيمة هذه اللغة. المهم أول الأمر وعلى رأس الطريق هو إتقان اللغة العربية إتقاناً كافياً فلا يسمح لمن يتولى التدريس ألا يكون لديه مثل هذا الإتقان. وليس ذلك بعسير. إن إتقان اللغة القومية شاهد على كفاية الأستاذ كما أن عدم إتقانها يحملنا على الشك في قيمة ما حصَّل من علوم أجنبية. اللغة في مجال التعريب قبل كل شيء آخر. هي مفتاح العلوم الأخرى. وإذا نمت اللغة العربية في المستقبل نمواً صحيحاً غدت تلقَّن للأجيال تلقيناً كما تلقَّن اللغات الحديثة الأجنبية. فاللغة تتوارث وتعلَّم بالتلقين والسماع والممارسة أكثر منها بالتعمق في أصولها وقواعدها. هذا التعمق مقصور على نخبة من الناس. ولكن الناشئة والطلاب وسائر الناس يتلقونها صحيحة سليمة من أفواه الأساتذة والمعلمين والعلماء والأنبياء. وعندئذ يفكرون ويتحدثون ويتناقشون ويكتبون ويؤلفون بلغتهم الحية لا تعمية فيها ولا إبهام ولا غموض إلا إذا أريد ذلك، وإن كان لا غنية لهم عن الإلمام ببعض القواعد. وهم بطبيعة الأمر ما دام العلم مبذولاً وسائغاً شرابه في جامعاتهم لا يحتاجون إلى انتجاع بلاد أخرى لطلب العلم إلا في مجال التبادل الثقافي الحقيقي الذي يقف العلماء من شتى الأقطار على صعيده مواقف متساوية ومتتامة. هذا ولا شيء أشق على المرء، إذا غدا الجو الذي يعيش فيه حميداً وصالحاً لتكامل مواهبه واستمرار بحوثه وظهور كفاياته، من الغربة عن وطنه واقتلاع جذوره منه. وهكذا يضعف تيار هجرة الكفايات إلى بلاد أخرى. وإنما تقع الهجرة النازحة إذا نافت الشروط المحيطة بالمرء تفتُّح مواهبه وحرية تفكيره وشعر فيها بشل نشاطه وعدم القدرة على تحقيق مطامحه وعلى حماية نفسه وأسرته. الحرية والتعاون والمحبة وحماية الأنفس وتعهد المواهب الفكرية وتبوؤ الشخص المناسب المكان المناسب شروط أولى لغيض هجرة الكفايات الفكرية. إن أهم خصائص الإنسان الفكر وأعلى ملذاته العليا ممارسة هذه الخصائص فإذا حيل بينه وبين هذه الممارسة أو كانت هذه الممارسة في خطر عليه يمم وجهه شطر بلد آخر يحفظ له كرامته ويوفر له الحماية. وهذا أيضاً من طبيعة التراث. ألم يخاطب الشاعر القديم نفسه: وإن نبت بك أرض فكل أرض وطن أو لم يهتف الشنفرى الجاهلي بذلك في مطلع قصيدته المشهورة: أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل *مخاطر الغزو الثقافي الأجنبي الذي يمكن أن يتسلل خلال التعريب: بين الثقافات عامة تزاحم وتنافس ناشئان عن العنجهية القومية وعن عدم التوازن الثقافي الفكري لأنه قد يكون الباحث مختصاً في مجال يحسن العمل فيه دون أن يكون لديه حصيلة كافية في الفلسفة الإنسانية والأخلاق، فيكون ذلك مدعاة له إلى طمس بعض الحقائق وإلى التحيز لنحلته ولبني قومه دون مسوّغ. والكمال في الدنيا نادر والنفوس الإنسانية متفاوتة المنازع والاتجاهات. وهكذا نجد أن الثقافات الأجنبية ثغرات فاغرة الأفواه على المثقف المطلع أن يتحامى الانزلاق إليها والتردي فيها. إن التراث الغربي مثلاً على الرغم من كونه في السابق عيالاً على الثقافة العربية نجده في العصر الحاضر غالباً مقطوع الصلة بتاريخ تلك الثقافة مربوطاً رأساً بالثقافة اليونانية يدعوها أحياناً بالمعجزة مع أنها مقتبسة من حضارات الرافدين ووادي النيل. المعجزة الكبرى هي الحضارة العربية الإسلامية في تقدم العلوم الإنسانية والفكرية والتنويه بحقوق الإنسان أيَّاً كان لونه وأصله وبالمساواة وبإعلاء شأن العلم والمعرفة. نحن لا ننكر مزايا علماء الغرب ولا مفكريهم ولكن إقرارنا بها لا يمنع من تعرف قيم العلماء العرب واتساع آفاقهم وعلو شأنهم وسمو أهدافهم وشموخ قيمهم وتحقيقاتهم العظيمة الواسعة في كل ميدان من ميادين المعرفة والعلم، كالطب والرياضيات والفلك والفلسفة والأدب وغيره. يكفي أن نذكر هنا ما نوه به المستشرق السوفياتي كراتشكوفسكي، وأمثاله قليل، في مدخل كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي: "إن المكانة المرموقة التي تشغلها الحضارة العربية في تاريخ البشرية لأمر مسلم به من الجميع في عصرنا. هذا وقد وضح بجلاء في الخمسين عاماً الأخيرة فضل العرب في تطوير جميع تلك العلوم التي اشتقت لأنفسها طرقاً ومسالك جديدة في العصور الوسطى وما زالت حية إلى أيامنا هذه أعني علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا. أما فيما يتعلق بالأدب الفني العالمي فإن العرب قد أسهموا فيه بنصيب وافر يمثل جزءاً أساسياً من التراث العام للبشرية، كما امتدَّ تأثيرهم كذلك إلى عدد كبير من المصنفات والفنون الأدبية التي نشأت في بيئات غير عربية". *التوازن بين الأصالة والتفتح على الخبرة العالمية: مما سبق يظهر أن المهم في تعريب التعليم الجامعي نقل العلوم الأجنبية الحديثة إلى اللغة العربية وتعليمها والتأليف فيها بلغة عربية مبينة سليمة حتى يتهيأ البحث والتفكير والكتابة في المستقبل القريب بهذه اللغة التي كانت مطية الفكر العالمي أحقاباً طوالاً في الغابر. هذا هو المهم. ولكن الأهم إرساخ التفكير العلمي في أذهان الأجيال العربية المقبلة بحيث يغدو التفكير العلمي والتعبير العربي صنوين متحدين ملتحمين حافزين على الإبداع والابتكار إلى جانب الاطلاع الدائم على ما يستجد من بحوث علمية على الصعيد الإنساني العالمي باللغات الأجنبية المتقدمة. لقد جرى لنا سابقاً حديث مع أستاذ ياباني للأدب المقارن في جامعة طوكيو ذكر لنا في خلاله أن له نظرية خاصة حول مشاركة اليابان في التقدم العلمي والتكنولوجي الراهن فهو يرجعها إلى طبيعة اللغة اليابانية على الرغم من أن هذه اللغة من أصعب اللغات قاطبة. وصعوبتها يعانيها أبناؤها كما يعانيها الغرباء إذا أرادوا تعلمها. وذلك أن اللغة اليابانية حروفها مقطعية مقتبسة من اللغة الصينية مضافاً إليها بعض الحروف الخاصة التي تتعلق بقضايا الإعراب النحوي. ولما كانت الحروف الصينية رموزاً مختزلة تدل على الأشياء والمعاني استطاع الياباني إذا طالع كتاباً صينياً أن يفهم مقاصده ويصل إلى مضمونه وفحواه من خلال تلك الصور والرموز المقطعية المشتركة دون أن يعرف اللغة الصينية أو يتكلم بها. وهكذا قرأ اليابانيون الحضارة الأوربية واستطاعوا في رأيه أن يتجاوزوا أشكالها إلى المعاني الماثلة وراءها وإلى التفكير الأساسي الذي تولدت عنه. لا نريد أن نناقش هذه النظرية التي ربما كان أساسها واهياً إذ يهمل صاحبها الصروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حملت اليابان إلى ذلك التقدم السريع. ولكن غرضنا هو الإلماع بالتفتح الإنساني العقلي على آفاق العلم وتقوية المواهب المطلة على ساحات الإبداع والابتكار مع المحافظة على الذات القومية التي هي ركن الأصالة وعدم الضياع. فالأصالة الحقيقية تستدعي التفتح إذن على الخبرات العالمية كما أن التفتح يقوي الأصالة ويدعمها إذ هي بحاجة إلى نسغ حي دائم يجري في عروق أفراد الشعب الموهوبين. وإلا غدت الأصالة يبساً عقيماً وهشيماً تذروه الرياح وتقوقعاً يدخلها في عالم المستحاثات. *أهمية توضيح الهوية الثقافية الذاتية ومقومات توليدها وبيانها: في رأينا أن الشعوب كالأفراد يتمم بعضها في التباس القيم الرفيعة العليا وتحقيقها من سياسة حكيمة وأخلاق كريمة وعلوم دقيقة تكشف حقائق الكون وتنسقها وتقترب اقتراباً جدلياً منها في الحين بعد الحين والعصر تلو العصر. وكما تصيب الأمراض والعوائق الأفراد وكما أنهم رهائن الصروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية كذلك شأن الشعوب. ومن أكبر العوائق وأدهى الأمراض العوادي الطبيعية والاجتماعية كالغارات والحروب والاستغلال والاستعمار واضطراب السياسة وفساد الأخلاق وما إلى ذلك من كوارث ومآس كان يمكن تجنبها وتوحيد الجهود للتغلب عليها. إن الإنسان أخو الإنسان أيَّاً كان يشده ويدعمه ويكون وسيلة من وسائل إسعاده ما دام الإنسان اجتماعياً بالطبع أو مدنياً كما يقول علماء العرب قديماً، وكذلك الشعوب. فهي قادرة على التعاون بالتغلب على الآفات المنتشرة في الوقت الحاضر كاجتياح القوي للضعيف وسرقة الأراضي من تحت أرجل قطانها والاستغلال وسوء التغذية والتأخر وتلوث البيئات وبعض الأمراض المستعصية. وكما أن المرء لنجاحه ينبغي أن يتعرف مواهبه وملكاته وما يستطيع أن يحسن (اِعرف نفسك بنفسك على حد قول سقراط، من عرف نفسه فقد عرف ربه على حد قول يحيى بن معاذ الرازي). كذلك نجاح الأمة في إدراك مزاياها الجغرافية والاقتصادية والبشرية والديمغرافية والفكرية والروحية والسعي لتحقيقها والإفادة منها. وعندنا أن البلاد العربية كثيرة المزايا جمة النعم، ولكنها لا تستطيع أن تتعرف هوياتها الثقافية الذاتية ومقومات تحقيقها إلا في إطار تعاونها القومي. وهذا التعاون مرحلة مهمة في شأن التعريب والتعليم ثم في إطار التعاون العالمي الذي هي مدعوة كلها مجتمعة للمشاركة فيه وفي الحضارة الراهنة مشاركة الند للند لا مشاركة البلد المنفرد بشكل الأجير المستغل للمجموعة العالمية. إن كل شيء في العصر الحديث عصر الصواريخ وكشف الفضاء والتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل يدعو إلى الحوار والتفاهم والتعاون الحقيقي بين الدول والشعوب جميعها. فكيف لا يتم ذلك وقبل كل شيء بين الشعوب والدول الأشقاء ذوات التاريخ المشترك والحاضر المتشابه بمشكلاته والمستقبل المطل بملامحه وحسناته وثمراته. إن كلامنا على المستقبل الجميل ربما بدا ضرباً من التخيل ولكن أي حقيقة علمية لم يتقدمها التخيل والتشوّف والتحفز نحو السعي والعمل ورأب الصدوع ولمّ الشتات؟ الخلاصة أن اللغة العربية هي الوطن الروحي للعرب جميعاً. وإن من أفضل الأعمال الاجتماعية والثقافية والسياسية رعايتها والنهوض بها بجميع الوسائل. ومن أهم هذه الوسائل تعريب التعليم الجامعي. وهو أدعى القضايا للدعم والتخطيط وبذلك الجهود المتضافرة. ولكنه إن لم يحسن تعهده والسهر عليه قد يفضي باللغة إلى التخلع واللكنة والركاكة والوهن. إنا لنأمل في ختام الحديث أن يكون التفرق سبباً للتجمع، والتدابر مؤدياً إلى التعاون والاستلاب حافزاً على تحقيق القيم الأصيلة، وركاكة اللسان سبيلاً إلى تصحيح البيان، والمصاعب الطارئة محكاً لإظهار القيم الإنسانية. وصفوة القول أن دراسة التراث العربي يطلعنا فيما يطلعنا على أن العرب قديماً سرعان ما أتقنوا نقل المعارف الأجنبية، وذلك بفضل لغتهم الدقيقة المطواع وتمكنهم منها (ملازمة حنين بن إسحاق للفراهيدي مثلاً) مع اطلاعهم على اللغات الأجنبية ومع ممارستهم للمعارف المنقولة ومعاناتهم لها. ويساورنا اليقين أن الأجيال العربية الحديثة والمقبلة ستنقل عاجلاً أو آجلاً المعارف العالمية إلى لغتهم الأصيلة ويؤصلون تلك المعارف تأصيلاً عربياً ويتجاوزونها إلى المبتكر الطريف. وهل ينبت الخطيَّ إلا وشجيه وتغرس إلا في منابتها النخل *الحواشي: (1)-هو غير محمد بن موسى الخوارزمي صاحب "كتاب الجبر والمقابلة" مؤسس علم الجبر وهذا العالم هو الذي يحتفل العالم به هذا العام لمرور ما يقرب من اثني عشر قرناً على ميلاده. (2)-ذكر النص غاستون بوتول في التوطئة لترجمة دوسلان مقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية. (3)-عنوانه: "تجربتي في تعريب المصطلحات العلمية" مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ج4 (1399 هـ - 1979م). (*)-هذا وقد استعملنا في بحثنا لفظ ( دور ) استعمالاً متكرراً لشيوعه وإيحائه وهو لفظ مولد بهذا المعنى الذي هو الشأن والمكانة. ------------------- نشر هذا البحث في : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد :13و14 - السنة الرابعة - محرم وربيع الثاني 1404 تشرين الأول "اكتوبر" و كانون الثاني "يناير" 1984 المصدر: [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ] انتهى،، |
| | |
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() | ![]() |