12/Mar/2011, 11:38 AM
|
#1 (permalink)
|
| المشرف العـام
تاريخ التسجيل: Jan 2009 الدولة: الرياض + الأحساء
المشاركات: 1,655
Thanks: 799
Thanked 1,051 Times in 398 Posts
معدل تقييم المستوى: 10 | أثر السياق في فهم الإحالة النصية : قصة ابن أم مكتوم أنموذجًا .. أثر السياق في فهم الإحالة قصة النبي – صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله بن أم مكتوم ( الأعمى ) أنموذجًا د. أنس بن محمود فجّال |
من أمثلة أثر السياق في فهم الإحالة ما جاء في قصة النبي – صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله ابن أم مكتوم في سورة عبس ، قال تعالى : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى /1/ أَن جَاءَهُ الأَعْمَى / 2 / وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى / 3 / أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى / 4 / أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى / 5 / فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى / 6 / وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى / 7 / وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى / 8 / وَهُوَ يَخْشَى / 9 / فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى / 10 / كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ / 11 / فَمَن شَاء ذَكَرَهُ / 12 /﴾ ( عبس : 1 – 12 ) . 1 – سبب النزول : رُويَ عن ابن عباس أنّه قال في تفسير قوله تعالى : ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى /1/ أَن جَاءَهُ الأَعْمَى / 2 / ﴾: « بينا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم - يناجي عتبةَ بنَ ربيعة وأبا جهل بنَ هشام والعبّاسَ بنَ عبد المطلب , وكان يتصدى لهم كثيرًا , ويحرص عليهم أن يؤمنوا , فأقبل إليه رجل أعمى , يقال له عبد الله بن أم مكتوم , يمشي وهو يناجيهم , فجعلَ عبدُ الله يستقرئُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم - آيةً من القرآن , وقال: يا رسول الله , علّمني مما علّمك الله , فأعرض عنه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم - , وعَبَسَ في وجهه وتَوَلّى , وكَرِهَ كلامَه , وأقبل على الآخرين ; فلما قضى رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -, وأخذ ينقلب إلى أهله , أمسك الله بعض بصره , ثم خفق برأسه, ثم أنزل الله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى /1/ أَن جَاءَهُ الأَعْمَى / 2 / وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى / 3 / أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى / 4 / ﴾ , فلما نزل فيه أكرمه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم - وكلّمه , وقال له : « ما حاجتُك, هل تريدُ من شيءٍ؟ » وإذا ذَهَبَ من عنده قال له : « هل لك حاجة في شيء ؟ » وذلك لما أنزل الله : ﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى / 5 / فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى / 6 / وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى / 7 / ﴾ » ([1]). 2 – علاقة النص بعنوان السورة : للعنوان أهمية كبرى في تفكيك النص ودراسته وتحليله ، إذ يقدّم لنا المعونة في ضبط انسجام النصّ وفهم ما غَمُضَ منه ، فهو بمثابة الرأس للجسد ([2])، و « يشكّل الموضوع أو المحور العام التي تكون كلُّ أفكار النص مستندات إليه ، يكون هو الكل، وتكون هي جزئياته » ([3]). ونلحظ هنا أنّ ارتباط النص القصصي - الذي يحكي موقف النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم - من الأعمى - بالعنوان فيه دلالةٌ واضحةٌ على مركزيّة تلك القصة وأهميتها من بين سائر جمل السورة وفقراتها . فالسورة الكريمة قد سمّيت بـ ( عبس ) وهو فعل يحمل ضميرًا يُحيل إلى النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم - ، وهذه التسمية هي الأشهر لهذه السورة « ولم يذكرها صاحب الإتقان في السور التي لها أكثر من اسم وهو عبس »([4]) . ولم يشتهر تسميتها بسورة ( الأعمى) ؛ بل أنكرها بعضهم وتجاهلها كما سبق . وقد حاز صاحب الضمير في ( عبس ) – صلى الله عليه وسلم - على أعلى نسبة من إحالات الضمائر في السورة كلها ، مما جعله الشخصية المحورية في السورة دون غيره من الشخصيات الأخرى . وعلى ذلك فإن تسمية السورة بهذا الاسم لم تكن عبثًا . 3 – العناصر الإحالية المحيلة على عنصر إشاري خارج النص : لم تصادفنا في هذه القصة عناصر إشارية عاملة داخل النص سوى ( الأعمى ) الذي أحيل عليه بالضمير في قوله لعلّه ، يذكّر ، فتنفعه ، جاءك ، يسعى ، هو ، يخشى ، عنه ) ، وكلها إحالات داخلية تُفهم من دون اللجوء إلى السياق، فليست موضع الشاهد ؛ لذا ابتدأنا بذكر العناصر الإحالية المحيلة على عنصر إشاري خارجي، وهذا العنصر الخارجي المحال عليه لا بدّ من الاستعانة بالسياق لمعرفته والوقوف عليه ، وذلك على النحو الآتي : 1 ، 2 – قوله تعالى : ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ الضمير المستتر الغائب في كلا الفعلين يحيل إحالة خارجيّة تفهم من السياق القرآني الذي يسهم بدور فاعل في تحديد إحالات الضمائر في النص القصصي ، كما سيأتي . 3 – قوله تعالى :﴿ جاءه ﴾ الضمير المتصل الغائب هنا يحيل على ضميري الشخص الغائب في الفعلين السابقين مشكّلًا بداية سلسلة إحالة ابتدأت حلقاتها بضمائر الغائب ، ولا يزال المتلقي هنا في حالة مراقبة ، يجهل الشخص المحال عليه بتلك الضمائر الثلاثة ، ولم يأت في سياق النص إلى الآن ما يفسرها ويزيل إبهامها . 4 – قوله تعالى :﴿ يدريك ﴾ الضمير المتصل البارز هنا يحيل على شخص مخاطب ، وهذا الالتفات الضميري المفاجئ يستوقف المتلقي ، ويلفت انتباهه ، مما يستدعي منه إعمال الذهن في تحديد المحال عليه ، فإذا كان المتلقي يدرك أن كلّ ضمير مخاطب في القرآن الكريم لم يحدد مفسره يعودُ على النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّه هو المخاطب الأوّل بالنص القرآني – أيقن أنّ الضمير هنا يعود على النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وهذا الإدراك للقاعدة السابقة مأخوذ من السياق الخارجي للنص ، وقد أشار إليه المفسرون في غير موضع ، حتى أصبح من الضروريات التي ينبغي معرفتها لقارئ القرآن ومتلقيه . إذن فتحوّل الضمير من الغيبة إلى الخطاب أسهم في عملية تفسير الإحالة وتعيين المحال عليه من خلال السياق . وحينما نمعن النظر في انحراف النسق اللغوي في التعبير بضمير الغائب واختراقه بنسق لغوي آخر وهو التعبير بضمير المخاطب – نجد أنّ الأمر لا يتوقّف عند قضية لفت الانتباه وجذب المتلقي فحسب ، بل يتجاوزه إلى بيان معنى على قدر كبير من الرهافة والخفاء ، لا يلتفت المتلقي إليه إلا إذا أدرك التغيير الحادث في النسق اللغوي في النص القصصي . فالله عز وجل لم يعبّر بالضمير المخاطب في عتابه للنبي – صلى الله عليه وسلم - ولومه له على إعراضه عن الرجل الأعمى ، واستبدل به ضميرَ الغائب ، وذلك أدعى لتقبّل المخاطَبِ اللومَ ، وإدراكه لخطأ صنيعه عن طريق التلميح دون اللجوء إلى التصريح ، إذ إنّ العتاب بضمير الغائب – مع ما فيه من التلميح – أجدى في تقبّل النصح . وهذا الالتفات في الضمائر والمغايرة في الاستخدام لا يؤثّر في عملية التماسك كما قد يتوهّم المتلقي ؛ لأنّ المحال عليه هو شخص واحد ، بل أسهم هذا الالتفات في تفسير عملية الإحالة ، وصنع حلقة إحالية تضاف إلى الحلقات السابقة مشكلة بداية سلسلة متماسكة لبنية إحالية نصيّة . إذن فالنبي – صلى الله عليه وسلم - هو العنصر الإشاري الخارجي المحوري الذي استحوذ على معظم إحالات هذه القصة البالغة ( 10 ) إحالات ، وهي : ( عبس ، تولى ، جاءه ، يدريك ، أنت ، تصدى ، عليك ، جاءك ، أنت ، تلهى ) وكلّ هذه الضمائر قد كُنّي بها عن النبي – صلى الله عليه وسلم - ، بداءة بالضمير الغائب الذي ورد في أول كلمة جاءت في أول جملة في النص ، وهنا تبرز أهمية الجملة الأولى في النصوص ، وقد أصبحت تلك الكلمة الأولى الحاملة لضمير يحيل على النبي – صلى الله عليه وسلم - عنوانًا لهذا النص ، وقد توالت بعدها السلسلة الإحالية المتتابعة على صاحب هذا الضمير مما يومئ إلى الانسجام والاتساق المحكم الذي أسهم به ذلك الضمير وحركته الإحالية في هذا النص . المرجع : الإحالة وأثرها في تماسك النص في القصص القرآني ، د. أنس فجال ، 234 . |
|
| |