![]() | ![]() |
.::||[ آخر المشاركات ]||::. |
![]() |
![]() ![]() |
مِنْ أهمِّ الأحْداثِ !! | |
| |||||||
| رواق البلاغة والنقد يعنى بمسائل البلاغة وفنونها ( البيان ، المعاني ، البديع ) والأسلوبيات الحديثة ، وكل ما يتعلق بالنقد والنقاد . |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #1 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Mar 2009 الدولة: في رياض اللغة
المشاركات: 219
Thanks: 5
Thanked 21 Times in 15 Posts
معدل تقييم المستوى: 3 ![]() | أيّهُمَا أسْبَق إلى الظهورُ الشعر أم النثر الفني؟ - د. محمود المقداد لم يفطن القدماء إلى هذه القضية، ولم يشغل تفكيرهم النظر في أي الفنين ظهر قبل الآخر، ولا في أيهما جاء على أثر الثاني(1)، غير أن هذه المسألة شغلت بال الباحثين في العصر الحديث، وخاصة حين فكروا في معرفة أصول الأشياء وبدايات الظواهر التي يمكن إخضاعها للبحث والنظر، متأثرين في ذلك بنزعة العلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر إلى معرفة أصل الأنواع وتطورها وتاريخها عبر العصور المختلفة، فكانت هذه القضية بناء على ذلك من مولَّدات المحدثين ومصطلحاتهم. وقد بدأ الغربيون بتطبيق هذه النظرة في مجال العلوم الإنسانية، ومنها النقد والأدب، وذلك في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، فكتب أحد البارزين في كتابة تاريخ الأدب الفرنسي، وهو غوستاف لانسون G. Lanson ، يقول في كتابه (فن النثر) الذي نشره في باريس سنة 1908: "إن النثر الأدبي تاريخياً ليس بسابق الشعر كما يُظَن، بل هو متأخر عنه، وإن ما سبق الشعر فهو الكلام العفوي، والعملي، والانفعالي" "لانسون". ويمكن القول إن هناك قانوناً عاماً في التاريخ الأدبي هو أن كل أدب يبدأ عادة بالشعر ثم ينحدر إلى النثر وإلغاء القيود التي تشد اللغة الشعرية(2). ولعل أول من أوحى بهذه الفكرة في الأدب العربي خاصة هو بروكلمان C. Brockelmann، حين أثار في فصلّي: (أولية الشعر) و (قوالب الشعر العربي) قضية أصل الشعر عند الإنسان عامة انطلاقاً من أغاني العمل الجماعي ذي الحركات الطبيعية المنتظمة(3)، ثم أضاف يقول: "ينبغي أن يكون أقدم القوالب الفنية العربية هو السجع، أي النثر المقفى المجرد من الوزن"(4)، و "السجع هو القالب الذي كان يصوغ العرافون والكهنة فيه كلامهم وأقوالهم"(5)، و "ترقى السجع إلى بحر الرجز المتألف من تكرار سببين ووتد"(6)، ثم يتوصل إلى القول: "ومن الرجز نشأ بناء أبحر العروض على مصراعين وقافية في الثاني"(7). ومعنى ذلك أن الشعر جاء مرحلة فنية لاحقة متطورة عن مرحلتين هما: السجع والرجز. والأول يعد حتى عصور متأخرة من تاريخ النثر العربي مدرسة فنية رفيعة ومذهباً أدبياً بارزاً تبارى في حلبته الكتَّاب والأدباء. غير أن بروكلمان لم يشرح خُطا هذا التطور من الوجهة التطبيقية. ويذهب المستعرب الإيطالي كارلو نالينو C. Nallino ، في محاضراته التي ألقاها بالعربية في الجامعة المصرية سنة 1910-1911(8)، مذهباً مغايراً لما ذهب إليه بروكلمان، يلخصه بقوله: "إن ابتداء الآداب عند كل أمة كان بالشعر، مع كون الكلام المرسل المعتاد أقدم من المنظوم بكثير، وذلك أن (الكلام العادي) لا يأخذ بمجامع القلوب، فليس كفياً بالتعبير عن حميَّا العواطف وشدة الطرب... وبما أن القوة الخيالية عند كل أمة غلبت أولاً على القوة الفكرية والنظرية، ومال الإنسان إلى ما استحسنه قبل ميله إلى إدمان الفكر في الأشياء، (فـ) لا عجب في سبق الشعر لسائد الفنون الأدبية المستظرفة. أما (الإنشاء المُنمَّق) البعيد عن (الكلام المرسل المعتاد) فلم ينشأ إلا وقت بلوغ الأمم درجة أعلى في سير ترقيها في المدنية والآداب"(9). ويتضح لنا من عرض هذه النظرية أن نالينو يرى الكلام ثلاثة مستويات هي حسب تواليها التاريخي في الظهور: 1-النثر المرسل المعتاد. 2-الشعر. 3-الإنشاء المنمَّق (أي النثر الفني). والشعر –عنده- أداة للتعبير عن العواطف، فهو من هذه الناحية غارق في الذاتية، ويتم هذا التعبير بـ "لا تفكُّرٍ وتعمُّد" على حد تعبيره، وله اتصال وثيق بقوة التصوير الخيالي، أما النثر الفني المنمَّق فهو أداة التعبير عن العقل، وموضوعه الفكر والواقع. ومثل هذا التوظيف الحاد لكلٍّ من لغة الشعر ولغة النثر بهذه البساطة هو في رأينا مدفوع، لأن النثر الفني المنمَّق ليس أقل تعبيراً، في كثير من الأحوال، عن أدق مشاعر الإنسان وعواطفه القلبية وبكل قوة وصدق، وليس هنالك شيء يُعبَّر عنه بالشعر إلا ويمكن للنثر أن يعبر عن مثله، وليس هنالك من صورة في الشعر إلا ويكون النثر أقدر على تصويرها ووصفها في كثير من الأحايين، لأن الشعر لغة معقَّدة ومقيَّدة، أما النثر فلغته مبسَّطة وأكثر حيوية وأقدر على الحركة، ولذا فإن قدرته على التعبير تظل أرحب مجالاً من قدرة الشعر. وسنبحث هذه النظرية ونبيِّن رأينا فيها من خلال امتداداتها عند طه حسين خاصة، لأنه كان التلميذ الأمين لها والمنافح القوي عنها في كل كتاباته التي تناول فيها هذا الموضوع(10)، وهو يمثِّل بحقٍّ جيل المرحلة التاريخية التأسيسية في تاريخ دراساتنا الخاصة بالأدب العربي: هي مرحلة التلمذة على آراء المستشرقين الغربيين والتبعية لها والدفاع عنها(11). يستعرض طه حسين النظرية مُسلِّماً بسبق الشعر للنثر في الظهور، كما وردت عند نالينو تماماً، من غير أن يشير إلى مصادره التي استمد منها أو تأثر بها(12)، كما كانت عادته في أكثر بحوثه وكتاباته، وقد اتبعه في القول بهذه النظرية خَلقٌ غير قليل من الباحثين العرب المحدثين(13). ويؤكد طه حسين أنه يعني بالنثر ذاك الذي يشتمل على عنصري "التفكير" و "الجمال"(14)، ومع ذلك فإن القارئ يفهم من كلامه أنه يريد (النثر العلمي) الذي يعبِّر بحق عن رقي العقل عند الأمة وعن تطورها الفكري والصناعي في ميدان الحضارة، وبذا يوقع نفسه في اضطراب وتناقض، لأنه لا يتمسك بروح الشرط الذي شرطه على نفسه فيما يعنيه بالنثر، وشواهد هذا الخروج عن القصد كثيرة(15)، وغايته من الحجج التي يسوقها لإثبات وجهة نظره هي أنه يسعى –على حد قوله- إلى "تغيير نظرية القدماء وأنصار القديم"(16)، لأن "أولئك وهؤلاء متفقون على أنه قد كان للعرب في جاهليتهم نثر، وعلى أن النثر قد وجد قبل الشعر، وكان أكثر منه وأغزر مادة"(17)، وفي الواقع، لم نجد أحداً من المؤلفين القدماء طرح القضية من زاوية التنازع في سبق الشعر أو النثر إلى الظهور، بل طُرحت من زاويتين أخريين محددتين هما (الحفظ والضياع) و (الغزارة والقلة)(18). أما المحدثون من أنصار القديم الذين يعنيهم طه حسين فلم يذكر لنا منهم أحداً بعينه. وحجَّته في سبق الشعر للنثر إلى الوجود هي أن هذا "الشعر متصل بالحسِّ والشعور والخيال"(19)، فهو ينبعث عن الحياة الإنسانية "انبعاث الضوء عن الشمس، والعطر عن الزهرة"(20)، وهذا يعني، في رأيه، أن هنالك ضرباً من التلازم الحتمي بين طبع الإنسان إنساناً وبين قول الشعر، وكأنّ البدائيين جميعاً بلا استثناء شعراء بالفطرة، وكأن نمو العقل البشري وتطوره الفكري يلغي الشعر ويعطله، وهذا مخالف لواقع الحال، إذ أن طه حسين يستبعد كون الشعر في الأصل نتاج موهبة فنية يختص بها بعض الأفراد ذاته بمستوى التعبير الشعري إلى درجات أعلى من حيث المضمون ولغة التعبير، وأما النثر –عنده- فهو "لغة العقل ومظهر من مظاهر التفكير، تأثير (الإرادة) فيه أعظم من تأثيرها في الشعر، وتأثير (الروية) فيه أعظم من تأثيرها في الشعر أيضاً(21)، وبذا ينفي عن هؤلاء الشعراء البدائيين صفات (الوعي) بعملية الإبداع الشعري، و (الأناة) في نسج الشعر، و(الجهد) المبذول في إنتاجه، وكأن هؤلاء الناس مجردون من العقل والإدراك، فهم يفرزونه أو قل إنه يتدفق منهم بلا إرادة ومن غير أن يكون لأحدهم أي دخل فيما يقول من شعر، فهو يصدر عنهم تلقائياً وعفوياً كما يصدر الضوء عن الشمس أو العطر عن الزهرة. وهكذا فإن تجريد طه حسين الشعراء البدائيين القدماء من غريزة التفكير التي يزعم أنها تقف وراء النثر بعد تطور الحضارة، يتناقض مع قدرة أولئك الشعراء على صوغ أفكارهم ومعانيهم، سواء عبَّرت عن العواطف أم عن العقل، في تلك القوالب ذات الإيقاع المنتظم المقيد بقوافٍ معقودة لا يمكن أن تصدر وحدها عفو الخاطر من غير كد الذهن وإعمال الفكر في اختيارها وانتقائها لتناسب المضمون(22) وهذه عملية أكثر تعقيداً من صوغ أولئك الشعراء المعاني والأفكار نفسها في كلام منثور غير مقيد بإيقاع ينتهي كل مقطع منه بسجعة ترد مرتين أو ثلاثاً على التوالي، ثم تتغير بسجعة أخرى، والسجع بطبيعته أكثر تعقيداً على المتكلم من التعبير عن المعاني والأفكار نفسها بكلام منثور مرسل بلا إيقاع ولا سجع: فكيف يعجز البدائيون إذن عن أبسط طرائق التعبير الفني باللغة عن عواطفهم ومشاعرهم(23)، ثم يستسهلون في الوقت نفسه ما هو أعقد من ذلك وأوعر؟ يبدو لنا من هذا المنطق تهافت رأي طه حسين في رده على القائلين بسبق النثر الفني للشعر في الظهور، على الرغم من استشهاده بحالة اليونان والرومان والأمم الغربية الحديثة والأمم الوحشية والبدوية والأرياف المصرية(24)، وعلى الرغم من استشهاد وليم مارسيه بحالة الطوارق مثلاً(25)، لأن القاعدة تظل صحيحة تنطبق على هذه الحالات جميعاً، غير أن السر الذي أغلق على طه حسين حقيقة الأمر، مع أنه قد تلمسه(26)، بسيط جداً يكمن في (الكتابة) التي تعد وسيلة الناس الوحيدة لحفظ منثورهم الفني، وقد فطن لذلك نالينو الذي نبه على أهمية "صناعة الخط" في حفظ النثر، وأعطى –بالمقابل- الوزن والقافية الأهمية نفسها التي ذكرها القدماء لحفظ الشعر وروايته(27)، وأشار وليم مارسيه نفسه إلى أهمية هذه الكتابة(28). ونحن نؤمن بسنة الارتقاء الطبيعي التدريجي من البسيط إلى المعقد، ونرى أنها تنطبق على الظواهر الفكرية ومنجزاتها، وعلى اللغة ومظاهرها الفنية المختلفة، كما تنطبق على الظواهر المادية نفسها في الطبيعة، ونرى بالتالي أن النثر العادي أو لغة التخاطب قد تهذبت بمرور الزمان وأخذت تتصفى من الشوائب على يد بعض أبناء هذه اللغة من مرهفي الإحساس الذين يتمتعون بمواهب فنية خاصة، فانتقلوا بتلك اللغة إلى المستوى الأول من مستويات الفن، ونعني به ظاهرة (السجع)(29) التي لا تنتج عفو الخاطر أثناء الحديث اليومي المعتاد الذي لا تروّي فيه، بل لا بد فيها من وقفة واعية لاختيار الكلمات المناسبة اختياراً، ولا بد فيها من شيء من التعمل الفكري الذي يتكلفه المرء تكلفاً عن عمد وإدراك لجمالية هذه الظاهرة. ونرى أن هذا السجع قد تطور، بدخول شيء من الإيقاع الموسيقي البدائي السهل في جمله، إلى المستوى الفني الثاني متمثلاً ببحر (الرجز)(30)، ثم نشأت على نمطه أوزان أخرى تتألف من تكرار تفعيلة واحدة، ثم أوزان أخرى أعقد تتألف من تكرار تفعيلتين مختلفتين، ثم أوزان أعقد منها وأكثر تطوراً نشأت من تكرار ثلاث تفعيلات مختلفة. وبيان ذلك أن الإنسان البدائي بلغ من ثراء اللغة وتنوع مبانيها وصيغها على شتى الأوزان، ومن دفق هذه اللغة الإيقاعي، حداً لفت انتباه قلة من أبنائها الموهوبين، فلمسوا فيها ظاهرة فريدة لها علاقة بالإيقاع، وهي أن كثيراً من كلمات هذه اللغة تنتهي بحرف مشترك واحد، أو بحرفين متشابهين، أو بثلاثة متشابهة مشتركة(31)، سواء أكانت الكلمة اسماً في حالة من حالاته الخمس(32)، أم فعلاً في حالة من حالات تصريفه المختلفة. و لابد من أن تكون هذه الظاهرة من نظام التشابه في مفردات اللغة قد أدهشتهم، فشدتهم إلى استغلالها، فعمدوا إلى توشيح كلامهم بهذه الظاهرة الفنية الأولى، واستخدموا هذا التشابه الصوتي خاتمة لكل عبارة من عباراته ليكون حلية موسيقية ذات إيقاع يشد انتباه السامعين ويمتعهم، ويزيد من قدرتهم على التأثير في نفوسهم وأشعارهم بتميزهم منهم في طريقة حديثهم التي ربما عجز كثير منهم عن تقليدها بيسر، إذ أن من راض نفسه طويلاً على شيء يكون أقدر عليه من غيره، وعلى ذلك بني كلام الكهان من عرب الجاهلية(33)، ونسوق لذلك مثلاً من نماذج هذا الاستخدام، الممتزج بنوع من الجلال، هو ذلك الحوار الذي دار بين (سَطيح الكاهن) و (ربيعة بن نصر) ملك اليمن في تأويل رؤيا كان الملك قد رآها فهالته كل الهول، ونصه(34): ربيعة: إني رأيت رؤيا هالتني وفَظِعتُ بها(35)، فأخبرني بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. سطيح: أفعل، رأيت حُمَمَةً(36)، خرجت من ظُلُمة(37)، فوقعت بأرضٍ تَهَمةٍ(38)، فأكلت منها كل ذات جُمجُمَةٍ. ربيعة: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ سطيح: أحلف بما بين الحرَّتين من حَنش، لتهبطن أرضكم الحبش، فلتملكنَّ ما بين أبيَنَ(39) وجُرَش(40). ربيعة: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني هذا أم بعده؟ سطيح: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين. ربيعة: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ سطيح: لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين. ربيعة: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ سطيح: يليه إ‘رم ذي يَزَنْ، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحداً منهم باليمن. ربيعة: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ سطيح: لا بل ينقطع. ربيعة: ومن يقطعه؟ سطيح: نبيّ ذكيٌّ، يأتيه الوحيّ، من قِبَل العَليِّ. ربيعة: ومن هذا النبي؟ سطيح: رجل من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه آخر الدهر. ربيعة: وهل للدهر من آخر؟ سطيح: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. ربيعة: أحق ما تخبرني؟ سطيح: نعم، والشَّفَق والغَسَق، والفَلَق إذا اتَسق، إن ما أنبأتك به لحق. ثم إن هؤلاء الأفراد القلائل تنبهوا على ظاهرة مهمة أخرى في اللغة تتعلق بإيقاع موسيقي ذي نسق وتناغم ينتج عن اجتماع بضع كلمات في متن الكلام، ويشعر سامعه بشيء من الطرب والارتياح له، فرأوا أن يستخدموه أداة للتعبير في كلامهم بدل المنثور المتوج بالسجع، فاجتمع لديهم (الإيقاع) و (السجع) معاً، وقد عرف هذا السجع فيما بعد باسم (الروي) أو (القافية)، وعرف هذا النثر المسجوع الموقع بـ (الرجز)، وهو في واقع الأمر أبسط البحور الشعرية العربية على الإطلاق، وهو أقربها في الوقت نفسه إلى النثر، وألصقها بموسيقى الكلام العادي. وقد تبينت لنا أمور كثيرة ترجح كلها إمكانية كون هذا البحر أول البحور التي عرفها الشعر العربي وأقدمها تداولاً، منها: 1-أنه مبني على تكرير تفعيلة واحدة هي (مستفعلن) ثلاث مرات، وتكرير التفعيلة الواحدة هو أبسط الوجوه أو المراحل لنشأة بحور الشعر العربي. 2-وأن زحافاته التي يطرأ على هذه التفعيلة كثيرة في الحشو والعروض والضرب(41)، مما يقربها من إيقاع النثر ويسهِّل استعمالها، وقد لاحظ فيه الناس لذلك خصوصية (الاضطراب)، حتى قيل إن اسمه مأخوذ من قولهم: "ناقة رجزاء، إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها أو داء، فلما كان هذا الوزن فيه (اضطراب) سمي رجزاً تشبيهاً بذلك"(42)، ولهذا –في أغلب الظن- وصفه أبو العلاء بأنه من "سفساف القريض"(43) ليسره وسهولة نظمه، وأخرجه بعض العلماء من حلبة الشعر أصلاً(44). 3-وأنهم ذكروا (الرجز) في مقابل (القصيد) على أنهما حقلان مختلفان، فقال الأغلب العجلي مثلاً(45): أ (رجزاً) تريدُ أم (قصيدا) لقد سألت هيناً موجودا 4-وأن النظم فيه قابل للارتجال أكثر من أي بحر آخر غيره، وهذا دليل على قربه من لغة النثر، حتى أن كثيراً من الناس الذين لم يؤثر عنهم قول الشعر جرى على ألسنتهم، في مواقفهم الحماسية والانفعالية، شيء من الرجز، حتى أنه أثر عن النبي (()، في وقعة حنين، حين حمي الوطيس ورأى الناس ينفضون من حوله، قوله(46): أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عَبدِ المُطَّلِبْ وأثر عنه أيضاً، وقد دميت إصبعه مرة، قوله(47): هل أنتِ إلا اصْبَعٌ دمِيتِ وفي سيبلِ اللهِ ما لَقيْتِ مع أن الله تعالى قال فيه: "وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما ينبغي له(48)، وقد ذكر بعضهم ذلك حجة لإخراج الرجز من ميدان الشعر، أو لجعله على الأقل نوعاً آخر يقابل هذا الشعر، وذهب بعضهم –ومنهم الخليل بن أحمد- إلى أضعف الإيمان، وهو إخراجهم (المشطور)(49) و (المنهوك)(50) فقط من حيز الرجز(51)، فيكون قولا النبي (() المذكورين ليسا بشعر، أو هما ليس بشعر ولا رجز. 5-وأن الرجز في بداية أمره –وحتى أواخر الجاهلية- كان الرجل يقول منه البيت والبيتين والثلاثة، وسمة القصر هذه يتفق عليها العلماء بالإجماع، وسبب ذلك أن المرء كان ينفِّس؛ بهذه المقطعات القصيرة والأبيات اليسيرة، عما يعتلج في صدره من الهواجس والعواطف والانفعالات والمشاعر الجياشة، فينفث ذلك على لسانه في هذا الشكل من أشكال التعبير الجميل عن النفس، وغالباً ما كان هذا التعبير مرتبطاً بمواقف قوامها النزاع: كالحرب، والخصام، والمبارزة، والمشاتمة، والمفاخرة(52)، وربما كان الناس يترنمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به"(53)، أي أن موضوعات هذا الرجز كانت محدودة ضيقة حتى كان الأغلب العجلي(54) "أول من قصّد الرجز، ثم سلك الناس بعده طريقته"(55)، فكان أول من شبَّه الرجز بالقصيد وأطاله(56)، ثم قيِّض له في العصر الأموي رُجَّاز- كالعجاج(57) وابنه رؤبة- فاختصوا به وأطالوه إطالة عظيمة لم يكن قد بلغها من قبل، ولم يبلغها بعد ذلك، فنافسوا به شعراء القصيد في أغراضهم وموضوعاتهم التقليدية المختلفة(58)، وأعطوه شخصية لم تكن له من قبل. ويمكن أن نستنبط من قصر الرجز في الجاهلية أنه كان شديد المشاكلة للنثر المسجوع الذي تتكرر فيه السجعة الواحدة ما بين مرتين إلى أربع مرات متواليات كما مرَّ بنا في سجع سطيح الكاهن. 6-وأن كل بيت من الرجز التزم وحده الحرف أو الحرفين أو الثلاثة الأخيرة منه، والتي بنيت عليها الأرجوزة الجاهلية، التزاماً دقيقاً يدل دلالة قاطعة على أن هذا الرجز كان مرحلة فنية متطورة مباشرة عن (السجع)(59)، ذلك لأنه احتفظ، إلى جانب الإيقاع، بالسجع في نهايات شطوره، مما يدل على أنه كان النقلة الأولى من مستوى الكلام المنثور المسجوع إلى مستوى الكلام الموقع المسجوع الذي يعد أرفع درجة من الحالة الأولى التي كانت بداية الانفصال عن الكلام المعتاد، وكان الرجز أكثر تأثيراً من السجع في النفوس(60)، وهو أيسر على الحفظ والتخزين في الذاكرة لمدة أطول من النثر المسجوع. ويتأكد لنا هذا التطور من مطابقته لانتقال أي ظاهرة من شكلها البسيط إلى شكل جديد أعقد، مع وجود سمة مشتركة واضحة تدل على مثل هذا الانتقال. 7-وأن سمة (الاضطراب) التي رأيناها من قبل في التفعيلة التي بني الرجز على تكريرها ثلاث مرات، تنطبق أيضاً على عدد هذه التفعيلات غير الثابت: إذ أن هذا البحر ورد في الاستعمال –دون سائر البحور- (مشطوراً)، أي أن بيته يتألف من ثلاث تفعيلات فقط، وورد (منهوكاً) على تفعيلتين فقط في البيت، وقد يبنى البيت تاماً على ست تفعيلات في شطرين متساويين على نمط القصيد، وقد يستعمل هذا البحر التام مجزوءاً باستعمال تفعيلتين فقط في كل شطر من بيته، وهكذا نجد بحر الرجز هذا مضطرباً اضطراباً كبيراً في إيقاعه الداخلي وفي شكله الخارجي معاً، مما يقربه من لغة النثر إلى حد بعيد. 8-وإن القدماء –أخيراً- كانوا يصرحون أن "الشعر كله إنما كان رجزاً وقطعاً، وأنه إنما قصِّد على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصَّده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مئة ونيف وخمسون عاماً"(61)، وهذا دليل تاريخي على الوجود المبكر والقديم للرجز في الشعر العربي، ثم إن بقاءه على قصره وانطلاق غيره من البحور نحو الإطالة من جهة وتعبيرها عن شتى الأغراض من جهة ثانية لدليل على أنه كان مرحلة انتقالية بين السجع وهذه البحور، فقد ظلَّ عهداً طويلاً بعد إطالة القصيدة محافظاً على قصره مراوحاً في مكانه ومتردداً بين نزوعه إلى أصوله النثرية المسجوعة وطموحه إلى اكتساب شخصية مستقلة متميزة كما فعلت البحور التي اعتمدت في البداية على تقليده، ثم انطلقت بعد ذلك مبتعدة عنه ومتجاوزة إياه بأشواط مديدة ومراحل عديدة. ثم تأتي (المرحلة الثالثة) التي يرتفع بها الكلام الفني إلى مستوى ثالث أرفع من المستويين السابقين، أي: السجع والرجز، ونعني به مستوى البحور الشعرية المختلفة التي ظهرت –في رأينا- على ثلاث مراحل متوالية هي: المرحلة الأولى: بنيت فيها البحور، على نمط بحر الرجز، من تكرير تفعيلة واحد فقط في البيت الواحد مرات متساوية في الشطرين، ويختتم الشطر الثاني منهما في القطعة أو القصيدة الواحدة بحرف مشترك أو بحرفين أو ثلاثة. وقد نشأت من ذلك ستة بحور هي(62): 1-الرمل (فاعلاتن: ثلاث مرات في كل شطر) 2-الكامل (متفاعلن: ثلاث مرات في كل شطر). 3-المتدارك (فاعلن: أربع مرات في كل شطر). 4-المتقارب (فعولن: أربع مرات في كل شطر). 5-الهزج (مفاعيلن: مرتين في كل شطر). 6-الوافر (مفاعلتن: ثلاث مرات في كل شطر). المرحلة الثانية: وهي أعقد من الأولى، لأن بحورها بنيت من تكرير تفعيلتين مختلفتين مرات متساوية في الشطرين، وهي: 1-البسيط (مستفعلن فاعلن: مرتين في كل شطر). 2-الطويل (فعولن مفاعيلن: مرتين في كل شطر). المرحلة الثالثة: وهي أعقد هذه المراحل جميعاً، لأنها مبنية من تكرير ثلاث تفعيلات مرة واحدة في كل شطر، ويلاحظ أن تفعيلة واحدة منها تتكرر في الشطر مرتين متواليتين وتعقبها تفعيلة ثالثة مختلفة، أو أن هذه التفعيلة الواحدة تتكرر مرتين في الشطر والثالثة المختلفة تفصل بينهما، أو أن التفعيلة المختلفة تأتي أولاً ثم تليها التفعيلتان الأخريان المتشابهتان. وعدد بحور هذه المرحلة سبعة: واحد من النوع الأول هو (السريع) (مستفعلن مستفعلن فاعلن). وأربعة من النوع الثاني هي: (الخفيف) (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن)، و (المديد) (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن)، و (المنسرح) (مستفعلن مفعولات مستفعلن)، و (المضارع) (مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن)(63)، واثنان من النوع الثالث هما: (المجتث) (مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن)(64)، و (المقتضب) (مفعولات مستفعلن مستفعلن)(65). إلا أننا إذا نظرنا إلى هذه البحور السبعة في هذه المرحلة، فمن الناحية العملية، أي من خلال الاستعمال الفعلي، فإننا نجد ثلاثة منها، هي (المضارع، والمجتث، والمقتضب)، لا تستعمل إلا مجزوءة، أي أنها تبنى على تفعيلتين مختلفتين فقط في كل شطر، ولذا يمكن إضافتها عملياً إلى بحري المرحلة الثانية المشار إليهما آنفاً، فيصبح عدد بحورها خمسة، وتهبط بحور المرحلة الثالثة عملياً، بالتالي، إلى أربعة فقط. وهكذا نجد بحور المرحلة الأولى تسجل تفوقاً ملحوظاً في هذا المجال، لأنها تبلغ ستة بحور، فإذا أضفنا إليها بحر الرجز أصبحت سبعة، فإذا علمنا أن أربعة من بحور المرحلة الثالثة تعد في حكم النادرة والضامرة، لقلة استعمال الشعراء إياها وضعف صلاحيتها للتعبير الطليق، وهي (المديد، والمضارع، والمجتث، والمقتضب)، فإن النتيجة تعزز بوضوح بحور المرحلة الأولى، إذ تظل (سبعة بحور) ثابتة، ويبقى في المرحلة الثانية (بحران) فقط، وفي الثالثة (ثلاثة بحور). وما هذا التفوق العددي لبحور المرحلة الأولى، بل وهذه الحيوية في الاستعمال الفعلي والحياة على ألسنة الشعراء إلا دليل على أصل النشأة الشعرية الأولى لهذه البحور، ومناسبتها للعيش أكثر من غيرها، ذلك لأن تكرير تفعيلة واحدة يعد أبسط أشكال الوزن الشعري وأسهلها وأكثرها شيوعاً على ألسنة الشعراء العرب في أكثر العصور(66)، ويتأكد لنا ذلك في اعتماد شعر التفعيلة في العصر الحديث (وهو جوهر التجديد الشكلي في القصيدة الحديثة والشكل الطاغي عليها) على تكرير تفعيلة واحدة فقط على طول القصيدة الواحدة، وهو تيار جارف يدل على عودة الإنسان العربي الحديث إلى ينابيع الشعر البسيطة الصافية الأولى بعيداً عن التكلف والتعقيد، واعتماد التفعيلة يقرِّب إيقاع هذا الشعر الحديث من إيقاع النثر الفني البسيط، وهذا ما شجع بعض الشعراء على تجريب أسلوب كتابة ما أسموه (قصيدة النثر) في محاولة منهم للعودة المطلقة إلى المرحلة التي سبقت بدايات نشأة البحور الشعرية البسيطة الأولى، وهي عودة غير محمودة لأنها تحطيم لكل الإنجازات الإيقاعية في القوالب الفنية الجميلة التي توصَّل إليها العربي عبر دهور متطاولة من الزمان، مرتقياً فوق لغة النثر الفني التي أشبعت نهمه الفني أو جانباً منه على الأقل زمناً طويلاً وأحب أن يتجاوزها إلى لغة إيقاعية مطربة. وبهذا تتضح صورة ظهور الشعر مرحلة تالية لظهور الرجز الذي كان بدوره تطوراً عن السجع الذي كان –كما رأينا آنفاً- أول محاولة للارتقاء عن مستوى النثر المعتاد والانفصال عنه للوصول إلى مستوى النثر الفني الذي يحمل شيئاً من الجمال وشيئاً من الإيقاع المؤثر في النفوس، ومعروف لدينا أن هذا السجع قد ظل طوال العصور القديمة في طليعة المذاهب الفنية في النثر الأدبي العربي، وبذا يثبت لنا أن هذا الاستمرار الممتد على مدى القرون في تلك العصور لهذه الظاهرة اللغوية الفنية، إنما يدل على قوة أسرها وأصالتها وأهمية الدور الذي قامت به على صعيد نشأة النثر الفني وتطوره في الأدب العربي، وهذا كله يدحض آراء من ذهبوا إلى القول بسبق الشعر للنثر في الوجود أو الظهور، لأن طبائع الأشياء هي أن ينتقل خط التطور العام دائماً من البسيط إلى المعقد، وليس من المعقد إلى البسيط كما ارتأوا.
__________________ |
| | |
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() | ![]() |