30/May/2009, 03:15 AM
|
#1 (permalink)
|
| المشرف العـام
تاريخ التسجيل: Jan 2009 الدولة: الرياض + الأحساء
المشاركات: 1,628
Thanks: 844
Thanked 954 Times in 371 Posts
معدل تقييم المستوى: 10 | الترجمة ورهان العولمة الترجمة ورهان العولمة محمد حافظ دياب |
هل يمكن للترجمة أن تمثل سلاحا تستطيع به قوى العولمة تحقيق صياغة ملتبسة وملغومة للواقع والحقائق، ضمن تمرير مصوغاتها الاستراتيجية؟ ذلك ان عملية التواصل عبر النص المترجم، وفي ظروف صراع مصالح هذه القوى، تصْطفي مصطلحات ومفاهيم بعينها، وتصوغ تصورات ذات أغراض وأهداف موجهة، قد تكسب صورة الواقع دلالات مخاتلة، ما يشي بأننا قبالة فعلين متنافيين: العولمة كهيكلة ناجزة للعالم في سعيها الى تثبيت الوحدة والتنميط، والترجمة كمحاولة لأنسنة هذا العالم بإحلالها للتواصل وتعدد اللغات والمعاني والدلالات. بهذا الهاجس، يتحدد مقصد المساهمة هنا، في البحث عما يسمح باستيضاح العلاقة بين الترجمة والعولمة، وصولا الى فهم حيثياتها، والتعرف على أوضاعها بصورة أجلى، من خلال التماس الجواب عن تساؤلات من قبيل: ماذا عن طبيعة هذه العلاقة في ظروف حرب المصطلحات والمفاهيم الرائجة راهنا؟ أية وقائع عبّر عنها توظيف الترجمة ضمن أهداف استراتيجية لقوى بعينها؟ وكيف عن السياق الذي يحكم هذا التوظيف؟ وهل في الامكان النظر الى ما يطلق عليه «الترجمة الليبرالية»، والتي تميز، في الحاضر، الخطاب الاعلاني للشركات الكونية، كشاهد على وطأة هذا التوظيف؟ وما هي الآليات التي ابتدعتها قوى الهيمنة الفكرية للعولمة في «ضبط» عملية الترجمة؟ وأخيراً، ما الذي قدمه درس الترجمة العربية في هذا الصدد؟ رُهاب الترجمة ورغم عديد المحاولات التي راكمت تصورات ومنهجيات تباينت قيمتها، وشكلت رصيداً لا يستطاع تجاهل ما ينطوي عليه من اجتهادات، ظلت الترجمة، حتى عهد قريب، معزولة عن ساحة البسْط والمطارحة، باعتبارها قطاعا هامشيا غير محدد المعالم، لم يدرس ككل مستقل، بسبب من تقاطع مهام بحثها وتوزع مشكلاتها على جملة حقول معرفية (علم اللغة، المنطق، على النفس، الانثروبولوجيا، التربية...)(١)، وان جاز القول انه وفي مجرى تحقيق التواصل مع الآخر، مثلت قناة مهمة من قنواته، رسولا متجولا بين الحضارات، وفعلا ثقافيا متقدما، استهدف محاولة تأسيس حوار انساني، وتنمية الوعي به، وتلمس الدلالات التي يتيحها التأويل، وتمثل قضايا الاختلاف والنسبية والانفتاح، وهو ما عبّر عنه جورج شتاينر G.Steiner بقوله: «اننا، حين نتحرك بين اللغات ونترجم، انما نكتشف صبْوة الفكر الانساني نحو مراودة الحرية».(٢) ذلك ان رهانات التواصل مع الترجمة تبدو ممتدة، منذ ما أطلق عليه جاك ديريدا G.Derida اللحظة البابلية»، وان احتفظت بأول ممارسة دوّنت عنها، حين ترجم ليفيوس اندرونيكوس L.Andronicun اوديسة هوميروس الى اللاتينية منتصف القرن الثالث الميلادي، ليشق بعدها الأدب الاغريقي طريقة لدى الرومان(٣)، وانتهاء الى الدورالذي تلعبه مجددا في تفعيل التعاطي بين الشعوب والثقافات. ومع تواتر هذه الرهانات، فانها لم تكن على قدر متساو من الفعالية، او من وجهة واحدة من الدقة، فيما نهضت على توجهات متباينة، بحسب المرحلة والغرض والاوضاع والأطر والقوى التي رسمت معالمها، وحددت تقنياتها وطرائقها. فقد نحت في أحيان، الى فرض نموذجها «المدمّج»، وكرّست فكر ومنطق التبعية والاذعان ، أو ما يطلق عليه «العقل الاسير» The Captive Mind ، حين تولت خدمة قوى تنفذ سياسات معلنة وغير معلنة، وسعت نحو تمرير مفاهيم ثقافية وسياسية، من خلال الايهام تارة، أو بالطرق والاساليب المباشرة تارة أخرى(٤). وتم ذلك عبر انتقاء مصطلحات ومفاهيم بعينها، أو ترجمتها بأطر خاصة، وفق قيم ومعايير مسبقة، وتوظيفها سياسياً او انثروبولوجيا بمستوى مهني عال، عبر وسائل اعلامية محترفة وعالية التقنية، ما حدا بالباحث الايطالي لورنس فينوتي . Venuti الى الحديث عن «فضائح الترجمة»، في اشارة واضحة لمدى مقدرتها على اعادة صوغ المفاهيم، والتحكم في دلالاتها، وبالتالي الاسهام في تشكيل العقول، وتعزيز طمس الذات(٥). على انه، ومع الاشكالات والمصاعب التي تواجه الترجمة، وفي ظروف التفاوض والمناقشات والاتفاقيات الدولية التي تحاول احتكارها هذه الايام، يبدو ضروريا الاحتكام الى معايير أربعة متداخلة في نقل المصطلحات والمفاهيم: معيار الوضوح Clarity ، ويتصل بامكان استخدام هذه المصطلحات والمفاهيم كأداة للتواصل العلمي عبر استجلاء عناصرها ومتضمناتها، ومعيار النطاق Scope ، ويعنى بمدى شمولها للمواقف والوقائع التي تتضمنها، ومعيار الصدقTruth ، ويتعلق بمدى قدرتها على الاشارة الى وقائع ملموسة، وأخيراً معيار الاستهداف والغرض Purpose ، بالتوقف عند أصولها المرجعية، واستجلاء القصد منها، وكلها معايير تؤكد على ان عملية الترجمة لا تعكس مجرد صيغة لغوية، انما تحمل في طياتها تعبيرا عن خيارات فكرية وحضارية للتواصل مع الآخر، ومن ثم فهي ليست مجرد عمل تقني ضيق الأفق، ينغلق دون ما يمور به المشهد الدولي من رهانات، وما يحويه نشاطها من مظاهر صراع وتكيف وتمثل، يتعين البحث عن اجابة عليها فيما وراء الترجمة Meta-Translation ، تلك التي تستطيع تقييم السياسات السائدة في هذا النشاط. شواهد وثمة شواهد عديدة في توظيف الترجمة ضمن أهداف استراتيجية لقوى بعينها، بما قد يسمح هنا باستبصار ظروف هذا التوظيف، وبكشف العلاقة بين شروطه المادية والرمزية، حيث يتبدى على شكل تجارب عديدة، يتعين رصد تفاصيل البعض منها كالتالي: التجربة الاولى، تواترت حين ورثت الثقافة العربية في القرون الاسلامية الأولى ثقافات الهند وفارس واليونان، وكادت حركة الترجمة في اوروبا خلال العصر الوسيط ان تكون محصورة في نقلها من العربية الى اللاتينية، مع سعي المترجمين اللاتينيين الى التعرف على هذه الثقافات عبر امتلاك النص العربي المترجم، عن طريق تشذيبه وتهذيبه بالحذف والاضافة واعادة التنظيم، بزعم التقرب من القارئ الغربي، كيلا يستشعر وجود أي مسافة ثقافية تفصله عن الفكر المترجم، ولكي تظل نظرته الى الآخر العربي ثابتة لا تتغير، تتحكم فيها الثنائيات التي خطّتها بعض الكتابات الاستشراقية.(٦) والأمر هنا يتعلق بتقنيع النص المترجم من العربية، مع اغراقه في الشروح، واعادة تزويقه وتبويبه، واختزاله الى عوالم مصغّرة، والتعامل معه في أحيان كبضاعة للافتتان، وموضوع للاستيهام وتناهب روائح القديم والنكهة الشرقية، لكي يتلاءم مع ذوق الاوروبي، الباحث عن مشاعر جديدة في أرض الفطرة و«التوحش» الجميل. والتجربة الثانية، حدثت في الجزائر ابان الاحتلال الفرنسي، حيث يذكر المؤرخ الفرنسي اندريه جوليان A.Julien أن المترجمين الفرنسيين هناك، كانوا يحملون رتبا عسكرية، وكانوا يعملون بالتعاون مع ادارة التوجيه المعنوي التابعة للجيش الفرنسي، بهدف فرض نصوص بعينها تسوّغ للفكرة الاستعمارية.(٧) كذلك فانه في أول عهد الاحتلال الانجليزي لمصر، كرّس وليام ولكوكس دعوته لمحاربة الفصحى، مطالبا باقصائها عن ميدان الكتابة والأدب، واحلال العامية محلها. ولعل أهم محاولاته في هذا الصدد، ترجمته نصوصا أدبية لشكسبير الى العامية، أو كما كان يسميها «اللغة المصرية العامة».(٨) ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت تتبلور علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة العربية، والتي ركزت، ضمن ما استهدفته ، على مجال العمل الثقافي، والترجمة بالاخص، فكانت مجلة (المختار) ذات الحجم الصغير والثمن الرخيص والطباعة الجيدة من أهم ما قدمته، ومثلت هذه المجلة الترجمة العربية للمطبوعة الامريكية الشهرية (Reader DigestS) أي «الأكل المهضوم للقارئ»، ولعبت دورا ملوحظا في تهميش وعي القارئ العربي. ويلفت النظر في القيم التي روّجت لها هذه المجلة أمران: الأول، ان النجاح مرهون بالحظ والمصادفة، والثاني، أن العدل الاجتماعي معلق بأريحيّة السادة وكرم المستعدين للتبرع والاحسان.(٩) وبدءا من عام 1953، باشرت (مؤسسة فرانكلين) الامريكية نشاطها في النطاق العربي، وشهدت الستينيات ذروة نشاط الترجمة عبرها، وتوزيعه على مواقع متخصصة وحقول معرفية محسوبة، وبالذات حقلي التربية وعلم النفس، الذي أطلقت عليهما «فن صناعة البشر»، وتضمنت ترجماتها تقديم زاد ثقافي امريكي، يعالج القضايا التي تواجه المواطن العربي، والتبشير بمثالية النمط الامريكي في الحياة، ووضع موسوعات ودوائر معارف للهجات الجماعات الاثنية العربية. ويندرج في هذا الاطار، تجربة عالم اللغة الامريكي يوجين نايدا E.Nida ، واهتمامه بمن يترجم لهم، للتأثير عليهم وادخالهم الى المسيحية، عن طريق تذليل الصعوبات التي تواجه ترجمة نصوصهم، أو نقل الكتاب المقدس الى لغاتهم، عبر الافادة من مستويات الاستخدام والدلالات النفسية للكلمات، وانجازات نظرية القواعد التحويلية التوليدية Grneratuive Transformational Grammar في توجيه هذه الترجمة.( ١٠) وحول نقل الكتاب المقدس الى اللغات غير المعروفة، التي يتكلم بها سكان الجماعات «البدائية»، يتحدث جيمس كليفورد G.clifford عن ترجمة الانجيل التي قام بها المبشّر والانثروبولوجي الفرنسي موريس لينهارت M.leenhardt ما بين عامي 1902- 1926 الى لغة الهوايلوHouailou ، وهي احدى اللغات الميلانيزية، اذ يرى كليفورد بأنه: «لم يكن سهلا على الاطلاق ان يستورد المرء الها غريبا من سياقه الأصلي، وان يعيد توطينه داخل المشهد الديني الميلانيزي».(١١) أما أحدث وقائع تحريف الترجمة، فهو ما تمارسه حاليا منظمة المتاحف العالمية ICOM ، حين ترجمت مصطلحات التاريخ المصري القديم والحضارة الفرعونية الى اللغة اليونانية، مغْفلة لغتها الأصلية، وهي اللغة المصرية القديمة. ولم تقتصر على ذلك، بل ادرجت هذه المصطلحات في دورياتها الرسمية العالمية بلغة يونانية، لا بالمصطلحات الأصلية التي كتبت بها. وهذا المسعى اقرب الى تزييف التاريخ، مع تعّمده تمرير ترجمات خاطئة، تخالف واقع المصطلح الأثري بدواله الصوتية والتدوينية التي عرف بها منذ العصور المصرية القديمة، من مثل تسمية هرم خوفو باسم هرم «كيوبيس» Cqui biS ، مما ينتج عنه نطق المصطلحات المصرية القديمة بشكل خاطئ، بما قد ينسبها زوراً الى الحضارة اليونانية، وليس الى الحضارة المصرية القديمة، ومن ثم يسهم في محو أصلها ومسمياتها الفرعونية، واندثار لغتها الأصلية، حين يتم استبدالها بأخرى، وهو ما يعدّ انتهاكا صارخا للأعراف الدولية، ان فيما يتصل بمجال الترجمة النصيّة للمصطلح، أو فيما يخص الحفاظ على العلاقة بين الآثار وأصحابها وموطنها ومرحلتها التاريخية والحضارية.( ١٢) ومؤخرا، تشهد مدوّنة الرواية العربية هيمنة خيار عولمي لأعمال منها، تتواتر ترجمتها الى اللغات الاوروبية، مع سعي البعض من الروائيات العربية الى شرقنة ذواتهن، باستبطان تنميطات الآخر عن الذات الشرقية من كتاباتهن، جريا وراء دغدغة عواطف القارئ الغربي، وهو ما يفسر تفضيلهن لأعمال تتناول قضايا عن الحريم والجسد والارهاب وختان الاناث والأصولية، وتقديمها على هيئة طعوم فولكلورية نيّئة (١٣)، مع تعرض هذه الاعمال في ترجمتها للتحوير والتمويل، اتساقا مع متطلبات السوق الغربية. السياق: وراهنا، تتواتر مؤشرات في تجليات العولمة، توحي بتأثيرها في تشظي عملية الترجمة وتوجيه مدلولاتها، وتمظهرها كعامل توجيه سياسي، وارتباطها بالآليات التي تقوم عليها، من شركات كونية واطار مؤسسي (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي للانشاء والتعمير، ومنظمة التجارة الدولية) وطفرة تكنولوجية ومنظومة ثقافية. وتمثل هذه المؤشرات مجتمعة، السياق الحالي لتوجيه نشاط الترجمة، يمكن تفصيلها كالتالي: (١) تزايد احتكار السوق اللغوي الكوني: حيث يتم في اطار أوضاع العولمة، تبنيّ مصطلحات جديدة، تحل محل ما كان سائدا من مصطلحات اعتبرت قديمة وغير مناسبة (الاعتماد على الذات، القطاع العام، العدالة الاجتماعية، استغلال الموارد الطبيعية، استصلاح الأراضي، السيادة الوطنية...)، واستبدالها بأخرى (نهاية الايديولوجيا او التاريخ، آلية السوق، التكيف الهيكلي، الشراكة، حقوق الانسان، صدام الحضارات، حرية الأديان، حق الاقليات، المجتمع المدني، تداول المعلومات، الفرص والتحديات، لا جنوب او شمال بعد الآن، الأجندة المستقبلية، ثقة المستثمرين، بنية اقتصادية صديقة للاستثمار...)، وكلها تمتلك معاني فضفاضة وحمولات متباينة، تتبدل أو تؤول دلالاتها لتوجهات واضعيها ، كي تصل الى أهدافها العملية، على غير حقيقتها، في مجتمع دولي تعوز معظمه المعرفة، وشدة قابليته لاستهواء الفكرة، ترويجا لصلاحية النظام العالمي الجديد، وتصويره على انه الخيار الوحيد الممكن. ذلك أن «ثقافة» هذا النظام، تبتدع لغة خاصة بها، تتظاهر بالعلمية وبالقدرة على فتح آفاق التقدم والرّفاه، فيما هي في الحقيقة تمتلك مراوغتها الدلالية. ويعاين شريف حتاتة هذه اللغة، حيث: «في العالم الثالث، يطلق على عملية تسليم الاقتصاد للشركات المتعددة الجنسيات، تخلص من احتكار الدولة. وتعني اعادة الهيكلة، خلق اقتصاد يخدم على الديون الخارجية بتكوين احتياطي للنقد، وتقليص الانفاق العام على الخدمات، وتوجيه الاقتصاد نحو التصدير، وليس لسد احتياجات الناس، بينما كانت تعني في الماضي اعادة توزيع الدخل مع زيادة الانتاج والاصلاح الزراعي وتوسيع الخدمات. وتعني الهيكلة، انتقال السيطرة الكاملة على الاقتصاد الى الشركات المتعددة الجنسيات. واصبحت الشفافية هي حرية رأس المال الاجنبي في ان يطلع على كل ما يحدث في بلادنا دون قيود، مع احتفاظ الشركات المتعددة الجنسيات بأسرارها خلف سياج من الكتمان. واصبحت مقاييس السوق هي التي تحدد ما هو خير وما هو شرّ، ما هو مفيد وما هو ضار، وما هي نماذج السلوك والأخلاق التي يجب اتباعها».(١٤) ويتم هذا التشظي في اطار ما يشير اليه عالم الاجتماع الفرنسي بيربور ديو P.Bourdieu بتوسع نطاق «السوق اللغوي الكوني» بما يشمله من احتكارات وعلاقات قوى واشكال من السيطرة، لها منطق نوعي، يسعى نحو احتواء التصورات التي تبني الوعي بالآخر، بل وبالعالم ومعرفته بما يستتبعه من اغفال الخصوصيات وردم الحدود.( ١٥) (٢) تنامي السطوة المتزايدة للغة الانجليزية: ويعد تنامي سطوة هذه اللغة من أهم مؤشرات توجيه الترجمة، رغم ما يسود حاليا من نشاط متزايد لاحياء تحالفات لغوية أخرى (الفرانكفونية، الاسبانوفية...). فبواسطة الانجليزية ، تم احراز تقدم هائل في العديد من الصناعات الثقافية، مثل هندسة اللغة وتكنولوجيا المعلومات، مما جعلها تمتلك مزايا تنافسية، بحكم مكانتها التاريخية وضخامة حجم الجماعة الناطقة بها، في سيطرتها على بعض المجالات، كالعلاقات الدولية والسياحة والنقل والتعليم والبحث العلمي ووسائل الاعلام والاتصال (٦٥٪ من برامج الاذاعة ، ٧٠٪ من الأفلام، ٨٥٪ من المكالمات الهاتفية الدولية، و٨٢٪ من الوثائق المخزنة في الانترنت، وكتب مترجمة من الانجليزية اكثر من نظيرتها في اللغات الأخرى).( ١٦) ويبدو تأثير طغيان هذه اللغة، في تقليص دور اللغات الأخرى، وضمنيا للرؤى والتحليلات الصادرة عن دولها، والتي نادرا ما تستطيع اختراق حدودها الضيقة، كالحال مثلا فيما يتعلق بالتحليل الفرنسي الناقد للعولمة، ناهيك عن ان نشاط الترجمة يرتبط بوجود تعددية لغوية، تسعى الى التواصل بينها، ما قد يطرح تساؤلات حول تدني دور الترجمة، مع تراجع هذه التعددية أمام سيادة لغة القطب الواحد. (٣) تقييد الترجمة وتسليعها ذلك انه، وفي اطار تقنين عمليات الاتصال الراهنة، لم تعد الترجمة، وخاصة العلمية منها، في المتناول، الا بشروط منظمة التجارة العالمية، كما ورد في اتفاقية «برن»، وصادقت عليه اتفاقية «الجات»، التي شددت على اجراءات عنيفة تتخذها حيال من تسوّل له نفسه ترجمة ما يعنّ له. ويتم ذلك، برغم الحفاظ على حق المؤلف، أو ما أطلقت عليه هذه الاتفاقيات «حق الملكية الفكرية».(١٧) والأمر هنا يتعلق بالتمييز بين نظريتين للترجمة: الأولى، تصوّب نحو تواصل انساني، يقوم على قاعدة الندّية بين كافة المجتمعات والثقافات، ويتعلق بالتنوع الثقافي والانفتاح على مختلف التجارب الحضارية، والتبادل الحرّ لمنجزات العلوم والتكنولوجيا والفنون، فيما تقوم النظرة الأخرى على صيغة برجماتية، منطقها محاصصة بين المؤلف والمترجم، وبينهما دار النشر، وهدفها الاستئثار بالمنجزات الانسانية واحتكارها، عن طريق تقييد الترجمة وتسليعها. (٤) استخدام لغة تقنية ومعقدة ويتم ذلك عبر الاحلال وهم اللغة التقنية المعلومانية الواحدة، التي توحّد بين البشر جميعا، كما قد يقع في الظن، بما يبدو انه معجم تكنوقراطي محايد، لتغليف ما تنطوي عليه من امور، والمصادرة على اية أسئلة محتملة، بواسطة استخدام قياسات كمية وجداول رقمية واحصاءات بيانية. ففي عالم يقوم على السرعة والكفاءة والفعالية، تتميز اللغة في بعض من استخداماتها بابتعادها عن الكتابة، وبالتالي انخفاض القراءة بفعل الكمبيوتر، واستسلامها للنظام الرقمي Digital ، القادر على تحويل النص والصوت والصورة الى علامات رقمية، يمكن نقلها من خلال الحاسب الالي وأجهزة المعلومات والأقراص المدمجة والبرمجيات، وكلها أوضاع تقتصر على المنتفعين بهذه اللغة وحدهم، وتزيد من تعقيد عملية ترجمتها. (٥) التهوين من علوم المجتمع وجنْب هذه الشواهد، يسود لدى العديد من الخبراء والكتّاب في الولايات المتحدة حاليا (روبرت كابلان، بنيامين باربرن صمويل هنتنجتون...) نغمة تقوم على التهوين من علوم المجتمع، تلك التي تمثل الحاضنة المعرفية Epistimological Incubator لرعاية المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالتاريخ والمجتمع والثقافة. وحجة مرددي هذه النغمة، ان هذه العلوم لم تعد تمتلك امكانية مقاربة ملابسات الحاضر، حين لم تستطع ان تتنبأ بسقوط المعسكر الاشتراكي مطلع تسعينيات القرن العشرين، او انتعاش، «الصحوة» الاسلامية، مع افتقارها لوجود تطورات جذرية مماثلة لما يسود في علوم الطبيعة، ذات التطور اللافت في منجزاتها ودقتها ومقدرتها التنبؤية. الآليــــات يرفد هذا السياق، آليات ابتدعتها القوى ذات المصلحة في تكريس عملية العولمة، يهيئ النفاذ الى ما وراء ظاهرها، الكشف عن رطانة ممارساتها الترجمية. وتشير خبرة التاريخ، الى ان انحراف الأقاويل الخطابية في الفلسفة الاغريقية القديمة. أدى الى ظهور «ريطوريقا» ارسطو، كبلاغة تجمع بين الاهتمام بالاسلوب والحصانة الاخلاقية، وأوجدت في الحضارة العربية عناية ببلاغة الاقناع في اطار البيان والمناظر. أما ريطوريقا العولمة، فأعلنت قسْريتها منذ لحظتها الأولى، بفضل التكنولوجيا التي جعلت من نذرها أمورا ممكنة، وهو ما يتمثل في الانتشار المتزايد لاتاحة الاتصالات الحديثة ونظم وتكنولوجيا معالجة البيانات، والتحول العالمي الذي شهدته الوسائل الحديثة المتعارف عليها، في مجالات مثل الحملات السياسية القومية والتسويق والدعاية، والحرب المتصاعدة للمعلومات واستخباراتها، ساعد عليها تزايد مسامية الاقتصاديات والمجتمعات، وتحرير الأسواق والاستثمارات، وما يتعلق بها من مواصفات قياسية للمنتجات ووسائل الترفيه والثقافة والتعليم. والأهم ، أن ما حدث كان أمراً منطقيا ونتيجة متوقعة، في سياق سلسلة الأحداث التي ادت الى ظهور القطب الأوحد في فترة ما بعد الحرب الباردة.( ١٨) وطبيعي ان تنسحب هذه الاوضاع على ريطوريقا العولمة، وخاصة ما يتصل بمعجم لغتها، واستتباعاً ترجمتها، عبر آليات بعينها يمكن معاينتها، مع اشارات لأمثلة لها، كالتالي: (١) التحويل في دلالة المصطلح المترجم وفي علم الترجمة ، يتم التعبير عن هذا التحويل بمصطلح «الانتحاء» Tropism ، ويعني ترجمة مصطلحات ومفاهيم للدلالة على معان غير منطبقة على الحقائق، وبمعزل عن دلالاتها في لغتها الأصلية، كي لا تلبث مع التداول ان تزداد قوتها التعميمية على تبديل فكر في اتجاه مقصود، أكثر ملاءمة لمصلحة واضعيه. ويمارس هذا الانتماء ضمن اطار ترجمي ملتبس، تشح فيه المعلومات المتصلة بكافة جوانب المصطلح المراد ترجمته، أو يتم فيه، عن قصد، تسريب دلالة له بعينها، بواسطة عدوى التوجهات المقصودة التي تسعى الى رفع حصتها من التأثير الى حدّها الأقصى، واستثمار جملة الفوارق المميزة بين لغتي المصدر والهدف.( ١٩) ومن الأمثلة الدالة على ذلك، انه، وفي غمار انشغال النظام العالمي الجديد بالحرب ضد الارهاب، تترجم لفظة «الشهيد» العربيةن تارة الى Martyr واخرى Suicide Bomber وتعني «من قتل نفسه». كذلك تترجم لفظة «الجهاد» الى Holy War ، وفي الادبيات السياسية الامريكية الى «سفك الدماء حبّا في القتل والارهاب».(٢٠) وهذه الامثلة أقرب ما تكون الى المواقف الأيديولوجية، قدْر بُعدها عن طريق الوضوح المفاهيمي. ذلك ان كل تحويل، هو بمثابة احالة من دلالة الى اخرى، وكل انتماء هو صرف لفظ، او انتهاك قصد، او اعادة تشكيل معنى، من أجل توليد دلالة أخرى، تنبثق معها امكانيات جديدة للتفكير والعمل، بقدر ما تنْسج علاقات مغايرة مع الحقيقة. والأمر هنا يتعلق بقناعات تضفي معاني موجهة على تلك المصطلحات المترجمة، بوضعها في سياق غير محايد، وصوغها بشكل مشوّه، وتحويل حقل دلالاتها، كي تضحى تحت سلطة تداولها، ورهن تخليق ايديولوجيا لمتلقيها، الى الدرجة التي تصبح فيها أشبه بلغة أخرى يجري التعبير عنها، ليست هي اللغة التي تثري البديهة وتضيء الحقيقة، ولكنها: «لغة الغالب، التي تفكر بدلا منك» على ما يذكر فيكتور كليمبرر . V.Klemperer (٢١) ٢ - احتكار تعريف المصطلحات المترجمة وهي الآلية الثانية في ريطوريقا العولمة ذات الصلة بالعمل الترجمي، وتعرف في علم اللغة بمصطلح «المحاكاة بعبارة أخرى» Paraphrase ، وتعني الانطلاق من قول، ثم شرحه وتأويله على صياغة جديدة، بنية ومعجما، توهم بوجود تكافؤ دلالي.(٢٢) وتختزن هذه الآلية في اشتغالها، آليات أخرى فرعية، يجري وضعها أو استخدامها، كالزحزحة والتفكيك والتوسيع والتضييق، فضلا عن الاختلاف والتوليد والاكتفاء بالنفحة الاطلاقية المعلنة، عبر مركبات وانساق معرفية أخرى، بما لا يدعم الاستدعاء الايجابي للمصطلحات. والمثـال الابـرز هنـا ، هـو مصطـلح «القريــة الكونيــة»The Global Village ، الذي صاغه عالم الاجتماع والاتصال الكندي مارشال ماكلوهان nahulcM.M مطلع ستينيات القرن العشرين، وركز فيه على دور التطورات المتسارعة لتكنولوجيا وسائل الاتصال في تقليص سرعة حركتها للمسافات، وتحويل العالم الى قرية كونية واحدة.( ٢٣) والمصطلح بهذا المعنى وثيق الصلة بالعولمة، وربما مثّل صورتها الجنينية، ويتراود مع نزعة ما بعد الحداثة. حين جاور بين العالم والقرية، وزامن بين أنماطهما وقيمهما وأمزجتهما. والمقصود بهذا المصطلح، هو ان العالم لم يعد مسكنا لكيانات مجتمعية مفصولة ومعزولة عن بعضها، إذ أفضت التطورات الثورية المتصاعدة في تكنولوجيا الاتصال الى حقيقة ان المجتمعات أضحت متواصة على درجة مدهشة ومتعاظمة من الكثافة. وثم معنى آخر للقرية الكونية، هو ان العالم صار مترابطا على هيئة عضوية، بحيث ان ما يحدث في أي بقعة فيه يؤثر على جميع بقاعه الأخرى، مهما تباعدت المسافات او تنافرت الثقافات او اتسعت فجوة التطور والرفاهية والنمو، بما يقرّب الشؤون العالمية من المعنى الاجتماعي لتعبير القرية، الدال على عمق الروابط وشدة الاعتماد المتبادل ومدى الحاجة الى التضامن بين سكان هذا الكوكب. على ان هذا التواصل لم ينتج بعد قبول المتبادل، الضروري للتعايش في سلام، ولا الالتزام المشترك بأغراض موحدة، وهو امر حيوي لتحرير قطاع كبير يعاني غوائل الجوع والفقر، ولا الألفة وحس الانتساب الحقيقي لكيان موحد هو الانسانية، باعتباره الحاضنة الأساسية للشعور النبيل بالحرية. وعلى العكس من ذلك كله، لم يكن العالم مكانا أكثر خطرا وتهديدا او عصفا بالأمن مما هو عليه في الحاضر، بما اثبته واقع القرية الكونية الراهن، والذي تمخض عن مستوطنة غريبة أو جزر منفصلة، يربط مناطقها المتباعدة توحّد تليفزيوني وبضع مدنا تتركز فيها وسائل الصناعة الحديثة والتكنولوجيا العالية، بما يشي ان المصطلح بمثابة محاولة لطمس التناقضات الاجتماعية والثقافية الجديدة، الناتجة عن ثورة التكنولوجيا. ذلك أن (٨٠٪) على الاقل من سكان العالم، ما زالوا يفتقدون حرية الوصول الى الوسائل الاساسية لتكنولوجيا الاتصالات، وحوالي (٥٠) دولة لديها اقل من خط تليفون واحد لكل مائة نسمة، وخطوط التليفونات في مدينة مانهاتن الامريكية اكثر من كل الدول الافريقية جنوب الصحراء. وعلى حين يوجد لدى الولايات المتحدة (٢٥) جهاز كمبيوتر لكل مائة شخص، فانه حتى في كوريا الجنوبية سريعة النمو، لديها (٩) اجهزة فقط، فبينما ينخفض العدد في غانا الى (11.0٪)، اضافة الى ان استعمال الانترنت ما زال الى حد كبير قاصرا على اوروبا الغربية والولايات المتحدة (٢٤) وكلها شواهد تجعل من الدلالة القارة لمصطلح القرية الكونية، حال توسيع تناقلها ونشرها ومداومة استخدامها، عبر ترجمته ، أمراً خادعا.
|
|
| |