.::||[ آخر المشاركات ]||::.
اليوم الخامس من الأسبوع الثاني ( دورة حفظ القرآن ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     صفحة التسميع الكتابي ( علا توفيق ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     عرض لكتاب ( أساسيات علم لغة النص ) .. [ الكاتب : د. أنس بن محمود - آخر الردود : ابن الجزيرة - ]       »     اليوم الرابع من الأسبوع الثاني ( دورة حفظ القرآن ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     صفحة خاصة بالمقترحات [ الكاتب : د. محمد فجال - آخر الردود : د. محمد فجال - ]       »     اليوم الثالث من الأسبوع الثاني ( دورة حفظ القرآن ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : أسماء العليمي - ]       »     الصحيح والضعيف في اللغة العربية مع أ.د. محمود فجال ( متجدد ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     شاركونا تهنئة العروس إكرام [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : د. أنس بن محمود - ]       »     اليوم السابع من الأسبوع الأول ( تسميع سورة يس ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     لقاء صحفي مع المتنبي [ الكاتب : الوفاء - آخر الردود : ربيع السملالي - ]       »    


عدد الضغطات : 2,634
عدد الضغطات : 301عدد الضغطات : 983

مِنْ أهمِّ الأحْداثِ !!


العودة   منتدى الإيوان > أروقة العلوم الأدبية والنقدية > رواق البلاغة والنقد


رواق البلاغة والنقد يعنى بمسائل البلاغة وفنونها ( البيان ، المعاني ، البديع ) والأسلوبيات الحديثة ، وكل ما يتعلق بالنقد والنقاد .

 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 14/Jun/2009, 08:12 PM   #1 (permalink)
المشرف العـام
 
الصورة الرمزية د. أنس بن محمود
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الرياض + الأحساء
المشاركات: 1,628
Thanks: 844
Thanked 954 Times in 371 Posts
معدل تقييم المستوى: 10
د. أنس بن محمود will become famous soon enough
افتراضي النظرية العربية وسؤال الغياب


النظرية العربية وسؤال الغياب
28/02/2007
سعد البازعي







السؤال المتكرر عن إمكانية تطوير (نظرية عربية في النقد الأدبي) لا يلبث تحت مجهر التأمل أن يتحول إلى سؤال عن الهوية، هوية الفكر أكثر منه عن هوية الإنسان: هل للفكر هوية؟ بمعنى هل يرتبط الفكر بالمكان وظروف الثقافة والتاريخ والاجتماع بحيث يكتسب ملامح تنسبه إلى جماعة أو وطن؟ هل للفكر وطن وأهل؟ أم أنه مستقل ينتسب للجميع ويصلح للجميع، لا مقاييس تحد من صلاحيته ولا سمات تضيق من صلاته؟

النظرية النقدية تدخل إطار السؤال المطروح لأنها منطقة تلاقح أو امتزاج بين الفكر المجرد والنص الأدبي، بين التجريد والواقع المحسوس، تلاقح يدفعه المسعى الإنساني الدائب إلى عقلنة الظواهر بإخضاعها لمقاييس التفكير والفهم. فالنظرية تعود إلى الأصل الحسي المتمثل في النظر أو المشاهدة، لكن النظر يتحول إلى التأمل والتعرف أو التفكير وهو المعنى المتكرر في القرآن الكريم (انظر كيف نبين لهم الآيات)، (انظروا كيف كان عاقبة المكذبين).

وفي اللغات الأوروبية هي (ثيوري) theory التي تعود، على الرغم من اختلاف أشكال تلفظها وكتابتها، إلى كلمة يونانية تعني المشاهدة في المسرح، فالمشاهد هو (ثيوروس) theoros عند قدماء اليونانيين. غير أن المعنى الحديث، وإن بني على ذلك الأساس العقلاني، فقد تطور بتطور العلوم ليصير تعريف النظرية الشائع هو أنها نموذج أو وصف أو تفسير لظاهرة أو ظواهر طبيعية يمكنه التنبؤ بحدوثها مستقبلاً.

ولعل أقرب الأمثلة هنا هي النظرية البنيوية التي تحاول أن تستنبط بنية النص بالكشف عن العلاقات الداخلية الثابتة داخل النص، حيث يمكننا بمقتضاها أن نكتنه النص الأدبي أمامنا ونعرف على ذلك الأساس كيفية بناء النصوص الأخرى للكاتب نفسه أو للنوع الأدبي نفسه.

النظرية النقدية، بتعبير آخر، هي محاولة النقد الأدبي أن ينتقل وقد يقول البعض (يرقى) إلى حيز العلم، ولكن تلك المحاولة ظلت دائماً مطاردة بالحقيقة المتمثلة بكون النظرية النقدية أو النظرية الأدبية متصلة بمتغيرات كثيرة أهمها صعوبة ضبط الظواهر الإنسانية على النحو الذي يمكن من خلاله ضبط ظواهر الطبيعة، فالظواهر الإنسانية متغيرة تخضع للعواطف والأفكار والظروف التاريخية والبيئية على اختلافها، ومن هنا فقد ظلت النظرية النقدية الأدبية، على الرغم من محاولاتها المتكررة أن تكون علمية، مرتبطة بإنسانيتها متغيرة بتغير الإنسان وأحوال المجتمع والثقافات.

ومع أن هذا لم يصل إلى حد النفي التام للصبغة العلمية عن النظريات في العلوم الإنسانية، ومنها الدراسات الأدبية، فإن الواضح هو أن تلك النظريات لم تحقق سوى نجاح محدود في مسعاها للوصول إلى قدر عالٍ من الدقة والتجريد يسمح لها بتحقيق العالمية المنشودة، بل إنه حتى في العلوم التطبيقية والبحتة ظلت النظريات تتأثر إلى حد ما بمتغيرات المجتمع والثقافة، كما أكد غير مفكر وغير عالم.

يقول عالم الكيمياء البلجيكي الروسي الشهير إليا بريغوجين، الذي فاز بجائزة نوبل للكيمياء سنة 1977، في كتابه التحالف الجديد (1979): (أضحى من الملح على العلم أن يعد نفسه جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التي تطور بين أحضانها). ويصل إلى ما يشبه ذلك الحكم المفكر الفرنسي ميشيل سير Serres والأمريكي كون Kuhn في كتابه بنية الثورات العلمية.

أما على مستوى النقد الأدبي فنجد إدوارد سعيد يحلل النظريات النقدية وهي تتغير تبعاً لمتغيرات البيئة الثقافية في مقالة بعنوان (النظرية المهاجرة) Traveling Theory ونجد ناقداً مثل الأمريكي هلس ملر يؤكد أن النظرية غير قابلة للانتقال من ثقافة إلى أخرى إلا إذا مرت بتغيير جوهري، أي أنها لا تنتقل كما هي وإنما بصورة مغايرة لما كانت عليه في مكان نشوئها أو بيئتها الأصلية.

كما أن انتقالها إن أمكن فإنه لا يؤدي إلى تغييرها هي كنظرية وإنما إلى تغيير الوسط الذي تنتقل إليه.

يقول ملر (على الرغم من أن النظرية قد تبدو موضوعية وعالمية مثل أي اختراع تقني، فإنها في حقيقة الأمر تنمو في مكان وزمان وثقافة ولغة محددة، وتبقى مربوطة إلى ذلك المكان واللغة).

ما الذي يحدث إذاً حين تترجم نظرية من النظريات في العلوم الإنسانية أو الاجتماعية، ومنها الدراسات الأدبية، أو يحاول أحد تطبيق تلك النظرية في سياق ثقافي مغاير؟ يقول ملر، وهو الناقد الذي انتقل بين عدة نظريات نقدية ابتداء بفينومينولوجية هوسرل وميرلو بونتي ومروراً بالمنهج التقويضي الديريدي: (عندما تترجم النظرية أو تنقل، عندما تعبر الحدود، فإنها تحضر معها ثقافة من أسًّسها). ومعنى ذلك، كما يقول الناقد الأمريكي ان (جهوداً ضخمة من الترجمة ضرورية لفك تركيب نظري معين من أصوله اللغوية والثقافية، على افتراض أن هناك من يريد أن يفعل ذلك. وفي الحقيقة قد يكون ذلك من المستحيل) (السابق: 211).

ما يعنيه هذا هو ببساطة أن النظرية النقدية تظل لصيقة بالبيئة التي أنبتتها على الرغم من وجود تلك السمات التي تمكنها من الانتقال من بيئة إلى أخرى، السمات التي تحملها بوصفها منتجاً إنسانياً يحمل خصائص عامة تتقارب الثقافات بموجبها بعضها من بعض.

فإذا كان هذا هو الحال لماذا إذاً لم تتطور حتى الآن نظرية أو نظريات نقدية تحمل سمات الثقافة العربية؟ ذلك ما سأتناوله وإن باختصار في المقالتين القادمتين.



إن الناظر في واقع التمثل العربي للنظريات الغربية على اختلافها يجد أن من ذلك التمثل ما يحمل بالفعل سمات تميزه عن غيره، على الأقل عن النظرية كما ظهرت في بيئتها الأصلية.

البنيوية تحمل تلك السمات، تماماً كما يحدث في التقويض والماركسية وغيرهما.

لكن حمل النظريات للسمات العربية جاء في بعض الأحيان، وأخشى أن أقول أكثرها، متضمناً لعدد من المشكلات التي شوهت عملية التمثل. من تلك المشكلات سوء فهم النظرية في بعض النماذج، والسعي، في نماذج أخرى، إلى تطبيقها كما هي أو الاعتقاد بإمكانية ذلك أصلاً.

هاتان المشكلتان، ولربما وجدنا غيرهما، كافيتان لجعل التميز المشار إليه على غير الوجه الخلاق المفترض في تلك الحالة، الوجه الذي يتم بمقتضاه تبيئة النظرية أو تغييرها بحيث تستوعب متغيرات واقع مختلف.

فالبنيوية، مثلاً، تفهم على أنها نوع من التحليل لا يختلف جوهرياً عن التحليل النقدي الشكلاني الذي عرف قبل مجيء البنيوية، والتقويض (التفكيك) يفهم بوصفه نوعاً من تفكيك النص لإعادة بنائه من جديد، وهكذا، أي بوصفه نقداً تقليدياً. والأمثلة على هذا وغيره كثيرة ويمكن العودة لمزيد من التفصيل حولها إلى كتابي استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004).

عروبة النظرية في الحالات المشار إليها تتحقق عبر مفارقة التبني غير المستوعب للأصل وليس عبر التفاعل الخلاق. غير أن هذا بالطبع لا ينفي وجود نماذج مغايرة في تبنيها للنظريات الغربية، نماذج تحقق تميزها ليس من خلال الوصول إلى نظرية أو نظريات تحمل سمات الثقافة والظروف المختلفة، فليس لدينا، فيما أعلم، نظريات أعيدت صياغتها ضمن رؤية منهجية واعية أو لا واعية وخرجت بنتائج باهرة وجديرة بأن توضع على خارطة النقد الحديث بوصفها إسهاماً عربياً في تطور النقد الأدبي.

ما هو متميز هو أطروحات نظرية تعالج هذه المسألة أو تصدر عن وعي بإشكاليات التبيئة النقدية وبالطموح إلى ذلك. من تلك النماذج ما نجد لدى شكري عياد في سعيه لتبيئة الأسلوبية وفي مناقشته لإشكالية النظريات أو المناهج الغربية عموماً وقلقه الدائم تجاه مسألة يراها البعض لا تحتاج إلى نقاش أو قلق.

كما أن من تلك النماذج ما نجد لدى بعض النقاد المغاربة مثل: نجيب العوفي ومحمد براده وحميد لحميداني، وكذلك لدى الناقد المصري سيد البحراوي واللبنانيين سامي سويدان ويمنى العيد، على ما بين هؤلاء من تفاوت في درجة البعد أو الاقتراب من القناعات المشار إليها.

في تجربة عياد، الذي أعده رائداً للوعي ومساعي التأصيل في المناهج والنظريات النقدية، يبرز قلق المراوحة بين إمكانية تطوير نظرية نقدية تستلهم التراث العربي وصعوبة التوصل إلى ذلك.

فعياد الذي سعى إلى تأسيس (علم أسلوب عربي) في بعض دراساته هو نفسه الذي أثار الشكوك حول إمكانية ذلك.

يتضح ذلك في مقولتين يمكن اقتباسهما هنا، وكنت قد فعلت ذلك في مطلع الفصل الخاص بعياد ضمن كتابي استقبال الآخر: إنني أحاول أن أضع خلاصة دراساتي وتجاربي في النقد وحوله في مشروع نظري واحد مترابط الأجزاء، يتناول طبيعة العمل الأدبي، وطبيعة العملية النقدية، وخصائص لغة الأدب، وعلاقة الأدب بالإبداع الحضاري.

ذلك ما يقوله في كتابه على هامش النقد (1993)، وهو قول يؤكد ما سبق أن ذهب إليه عياد في كتابين سابقين هما: مدخل إلى علم الأسلوب (1982)، واللغة والإبداع: مبادئ علم الأسلوب العربي (1988).

في الكتاب الأول يشير عياد إلى أنه أعد الكتاب ليصير مدخلاً للدراسة الأسلوبية على أساس أن (النقد الأدبي في طريقه إلى أن يصير بدوره علماً)، وأنه (يحاول أن ينشئ في ثقافتنا العربية علماً جديداً مستمداً من تراثها اللغوي والأدبي...) أما الكتاب الثاني فيأتي لتتمة المشروع وتحقيقه.

لكن عياد هو نفسه الذي كان قد أعلن في أواخر الستينيات صعوبة مثل ذلك المشروع بل شكه في إمكانية تحقيقه، وذلك في أحد كتبه المبكرة:

أما ما لا يستطيع هذا الكتاب أن يقدمه إليك فلعل أهم ما يعنيك منه مذهب أدبي تستطيع أن تتبناه وتقول إنه مذهبك.. ولا شك أنك ترى لماذا لا يستطيع هذا الكتاب أن يقدم مثل هذا المذهب.

فالكاتب الذي يظل دائماً أبداً في حوار مع نفسه، لا يجيب عن سؤال إلا ظهر له عشرون سؤالاً.

هذا الكتاب الأخير على تقدمه في التأليف أعيد نشره عام 1994 مع مقدمة للمؤلف يؤكد فيها أن الكتاب ما زال يعني له الكثير، وكأن عياد يراه معبراً عنه في تلك المرحلة المتأخرة، غير أن المهم على أية حال هو أن الناقد الذي يسعى إلى مشروع نظري مترابط هو نفسه الذي يشكك في إمكانية ذلك وهو الذي لا يشعر بالارتياح إلى تلك النظريات المترابطة، بل التي يسخر منها، ويمثل لها بعدد من الاتجاهات منها البنيوية والتفكيكية (التقويض).

كل ذلك في الكتاب المتأخر نفسه.

ولعل الأكثر إثارة للدهشة أنه يجعل من بين الاتجاهات التي يسخر منها الاتجاه الأسلوبي الذي سعى إلى تبنيه في مرحلة سابقة: (ولكننا نقرأ ونسمع كلمات جديدة مثل: البنيوية والأسلوبية والتفكيكية والشكلانية، وتوابعها من إجرائية ومحاور رأسية وأفقية..إلخ) (على هامش النقد، ص126).



أواصل
مناقشة لبعض أطروحات الدكتور شكري عياد النقدية ولاسيما نقده للاتجاهات الحديثة في النقد الغربي الحديث. ذلك النقد ينطلق من قناعته الأساسية بالاختلاف الحضاري والحاجة إلى الانطلاق منه بوصفه معطى. وهو في هذا السياق حريص على تطوير مفهوم (التأصيل) بوصفه مخرجاً من مأزق المناهج والنظريات. فمن خلال التأصيل يمكن للناقد أن يجمع الوعي بالأطروحات الغربية إلى استلهام الموروث لإيجاد صيغة جديدة. فالتأصيل ليس تخلياً عن المعطى الغربي وإنما إعادة إنتاج له توائم بين الذات بخصوصيتها ومتطلبات الثقافة الوافدة باختلافها: (إن فكرة التأصيل لا تولي ظهرها للثقافة الغربية بل إنها ما كانت لتوجد لولا لقاؤها بهذه الحضارة).

إن عياد لا يقدم لنا الوصفة المنتظرة للخروج بنظرية أو نظريات عربية في النقد، وفكرة التأصيل ليست أكثر من مؤشر بذلك الاتجاه. لكن ما يفعله عياد هو أولاً أنه يرفع معدل الوعي بإشكالية الاتكاء على النظريات الجاهزة كائناً ما كان المبرر لذلك (عالمية النظريات، صحتها، وحدة البشرية، .. الخ)، ثم إنه ثانياً يطرح تجربته في مواجهة تلك الإشكالية أو التحدي، وهي بالتأكيد تجربة ثرية لمن يدرسها. بالإضافة إلى ذلك يطرح عياد رؤية حول إمكانية صياغة (نظرية عربية في النقد) في مقالتين من كتابه (على هامش النقد) تتلخص في أن النظرية لا توضع عن سابق قصد وتخطيط وإنما تتطور على نحو غير مباشر من خلال الممارسة النقدية. ف (نحن النقاد)، كما يقول،

قد تكون لنا نظرية ولكننا لا نعرفها ولا نصفها، لأننا لا ننظر إليها من خارجها. نحن ننقد فحسب.. وإذا رأى من بعدنا أن ينظروا في هذا النقد فقد يجدون فيه نظرية، وقد لا يجدون، وقد يعطون النظرية اسماً، وسنكون نحن - إن كنا بعد أحياء -

أول من يتبرأ من الاسم ومن النظرية!.

في نهاية المطاف سيتبين لنا أن إشكالية الإسهام العربي المميز في النقد الأدبي المعاصر تأتي ضمن إشكالية حضارية أكبر: فهل لدينا إسهام عربي مميز - باختلافه الثقافي والفكري والعلمي - في الفلسفة أو علم الاجتماع أو علم النفس أو أيّ من العلوم الإنسانية أو الاجتماعية، أم أن ما لدينا ليس في أفضل الظروف سوى ترديد لما يطرح في المراجع الغربية مع تعديلات تكاد تكون حتمية لاختلاف الظروف والحاجة إلى الانتقاء، وهو انتقاء تمليه أحياناً مصالح سياسية تبعد هذا الاتجاه وتقرب ذاك، أو مصالح أيديولوجية تفضل اتجاهاً على آخر، كأن يفضل الاتجاه الماركسي أو الواقعي في بيئات ثقافية عربية بدلا من الاتجاه الشكلاني أو العكس وتبعاً لرؤية الناقد نفسه بطبيعة الحال.

إن إمكانية تطوير نظرية متميزة بانتمائها للثقافة العربية وللظروف التاريخية التي تعيشها المنطقة واضحة في ما حدث لدى فئة من نقاد ينتمون وإن جزئياً إلى العالم الثالث ولاسيما الهند وإفريقيا ممن اشتغلوا على ما يعرف بالدراسات ما بعد الاستعمارية، فهذه الدراسات نشأت استجابة لظروف تاريخية وحضارية لا تعني المجتمعات الأوروبية بقدر ما تعني المنتمين إلى المناطق التي سبق استعمارها. فابتداءً بفرانز فانون ومروراً بإدوارد سعيد وهومي بابا وغيرهم تطورت النظرية النقدية ما بعد الاستعمارية، أو ما بعد الكولونيالية، باتجاهات بالغة الثراء والدلالة على إمكانية الاختلاف الثقافي، في الدرس والبحث الأدبي والثقافي عموماً، عن المعطيات الأوروبية أو الغربية المباشرة. غير أن الملاحظ أن معظم ذلك التطور حدث في بيئات غربية أصلاً، كما يلاحظ الهندي إعجاز أحمد في نقده لبعض تلك التوجهات. وفي تقديري أن ذلك لا يقلل من أهمية المنجز لأن الاختلاف الثقافي الذي مثله النقاد الذين عملوا على تطوير تلك الدراسات استمدوا بعض، أو الكثير من، عناصر تكوينهم من بيئاتهم الأصلية. ففانون الإفريقي وسعيد العربي وهومي بابا الهندي كانوا بتلك الخلفيات الثقافية - الاجتماعية مؤسسين لتوجه لم يكن ليتطور في بريطانيا أو فرنسا لدى سكانها الأوروبيين، تماماً مثلما أن نظريات البنيوية أو التقويض أو التحليل النفسي لم يكن ممكناً تصور تطورها في إفريقيا أو العالم العربي بالشروط والظروف التي أدت إلى ذلك التطور على النحو المعروف.

السؤال هو: لماذا لم ينطلق حتى الآن ناقد عربي واحد من البلاد العربية ليشارك في صياغة هذا الاتجاه الأخير بوصفه الأقرب إلى التميز غير الأوروبي؟ هناك بالتأكيد بعض الإسهامات الجادة لكنها لا ترقى إلى ما نجد لدى بعض من ذكرت من غير العرب. أما إدوارد سعيد فمن المؤكد أو شبه المؤكد أنه لم يكن ليطور ما طوره لو أنه ظل في بلد عربي، أو لو أنه لم يكتسب مكوناً غربياً رئيساً في تشكيله الثقافي والعلمي.

إن النماذج التي طرحتها في ثنايا هذه المداخلة قادرة على بعث الأمل في حدوث الانطلاقة العربية، لكن ذلك يستلزم شروطاً بطبيعة الحال منها الحوار الجاد والاستيعاب المعرفي لما هو مطروح، بالإضافة إلى شرط آخر أريد أن أختم به هذه المداخلة.

إن النصوص الأدبية تعد بحد ذاتها منطلقاً مهماً لتطوير النظريات، وأعني هنا أن الناقد بحاجة إلى الانشغال بتحليل النصوص بوصف ذلك رافداً مهماً، وإن لم يكن كافياً بحد ذاته، لتحقيق الأصالة النقدية المنشودة. فلا شك أن النظريات الغربية اتكأت في تطورها على مصادر عدة منها الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، كما أن منها النصوص الأدبية، بل إن النصوص تأتي في الطليعة من حيث هي توفر المادة الأساسية للاشتغال النقدي. وفي عصرنا الحديث يظل الأدب العربي أكثر انتماءً لمكوناته البيئية على اختلافها من الأطروحات العلمية المختلفة، ولم يكن غريباً أن يحقق العرب حضوراً عالمياً من خلال الأدب وليس من خلال العلوم أو الفكر. فما يترجم من الثقافة العربية هو أدب بالدرجة الأولى ولا أعرف كم ترجم من النتاج الفكري العربي المعاصر لكنه قليل بكل تأكيد. فالعالم غير مهتم بما ننتج من نقد أو فكر أو علم، بقدر ما هو مهتم بما ننتج من أدب وفنون بشكل عام. ولا أظن أن من الصعب التوصل من ذلك إلى أننا في الفكر والعلوم عالة على الآخرين أكثر مما نحن في الإبداع الأدبي والفني، فنحن هنا أقرب إلى ذواتنا واختلافها، وهو ما يبحث عنه العالم، وما ينبغي أن نبحث عنه من ثم إذا كنا ننشد الاختلاف المتميز والإسهام الحقيقي للإنسانية.
المرجع


د. أنس بن محمود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:16 PM.
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi