د. خليفة أبو بكر الأسود كلية الآداب – جامعة الفاتح
تقديم تتناول هذه الدراسة موضوعاً قديماً جديداً من موضوعات الدرس اللغوي هو موضوع رسم السياسة اللغوية في المجتمع وتحديد وظائف اللغة . وما نعنيه برسم السياسة اللغوية هو تدخل السياسيين والزعماء وقادة الحركات القومية وكافة المهتمين بالأمور اللغوية في التأثير على استعمالات الآخرين للغة المتداولة في المجتمع، وفي تحديد الوظائف التي تؤديها تلك اللغة بما يخدم غاياتهم وأهدافهم السياسية. وبشيء من التحديد سنحاول في هذه الدراسة التركيز على نقطتين أساسيتين هما : توضيح مفهوم رسم السياسة اللغوية وتحديد وظائف اللغة كما يراها المخططون اللغويون ، ثم مناقشة وتحليل الوظائف التي تؤديها اللغة في المجتمع بالتمثيل لها من واقع اللغات المتداولة في مجتمعات متعددة . ولإيضاح هاتين النقطتين سوف نعرض أمثلة من لغات عديدة أهمها العربية والعبرية وغيرهما من اللغات . 1- رسم السياسات اللغوية تشير الشواهد التاريخية إلى أن اللغة كانت دائماً شوكة في ظهور الحكومات ، سواء على المستوى القومي أو المستوى المحلي . حيث تسعى دائماً الجماعات العرقية المختلفة وتعمل – بالطرق السليمة أو بواسطة العنف أحياناً – من أجل أن ترى لغاتها التي تمثل هويتها وتعكس الاعتراف بها مصونة ومحفوظة ومن ناحية أخرى ، تفرض العلاقة القوية بين اللغة والمعتقدات الدينية ضغوطاً خاصة على السياسيين والحكومات لا يمكن تجاهلها . هذا بالإضافة إلى ما تفرضه التغيرات الاجتماعية المتسارعة من تغيير لمواكبة الواقع الاجتماعي الدائم التجديد . ولا يمكن في مثل هذه الحالات الاعتماد على النمو والتطور الطبيعي للغات من أجل توفير الحلول لهذه المشكلات اللغوية ، وبالتالي تجد الحكومات أنه لا مناص أمامها من الاستجابة لتلك الضغوط التي تمارسها عليها الجماعات العرقية أو التي تمليها عليها عقائدها أو التي يفرضها الواقع الاجتماعي المتجدد بصورة رسمية أو غير رسمية . وتتمثل هذه الاستجابة في النشاط العمدي للتدخل في بنية اللغة أو تحديد وظائفها أو في طرق تعلمها واكتسابها . وهو ما نسميه رسم السياسة اللغوية . ففيما يتعلق برسم السياسات اللغوية للغة العربية ، يعد أمر الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ( ت 35- 656 م ) بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد وحرق بقية المصاحف المعروفة أول مثالٍ على رسم السياسة اللغوية ، وهو تدخل عمدي تخطيطي هدف إلى تقنين اللغة العربية وتوحيدها من خلال توحيد النص القرآني الذي حكم بسيادة لغة قريش على بقية اللهجات العربية التي كانت متداولة قبل نزول القرآن (1) .
وكذلك يعد أمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ( 26- 86 / 647-705 م ) بأن يستبدل باللغة اليونانية في مصر وسوريا وباللغة الفارسية في بلاد فارس التي صارت بلاداً إسلامية اللغة العربية ، وأن تصبح العربية هي اللغة الرسمية في هذه الأقاليم مثالاً آخر على رسم السياسة اللغوية وتحديد وظائف اللغة . وهكذا يقوم الساسة برسم السياسات اللغوية كما يقومون برسم السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية في بلدانهم . إذن ماذا يعني مفهوم رسم السياسة اللغوية وتحديد وظائف اللغة ؟ يرى كوبر ( 1989 ) أن ما يعنيه مفهوم رسم السياسة اللغوية هو تلك الجهود المتعمدة الهادفة إلى التأثير على السلوك اللغوي للأفراد من حيث اكتسابهم وتعلمهم للغة والجهود المبذولة بغية التأثير في بنيتها وتحديد الوظائف التي تؤديها في مجتمع ما ، راجع ( 45 :
Cooper 1989 ) .
أما فيما يتعلق بتحديد وظائف اللغة بالإضافة إلى ما سبق ذكره ، فيرى (
Stewsrt 1968) أن الوظائف التي تؤديها اللغة في المجتمع تتغير كما تتغير اللغة ذاتها بمرور الوقت . ويورد أمثلة كثيرة على ذلك ، نذكر منها التحول من استعمال اللاتينية إلى استعمال اللغات الأوروبية الحديثة في الأغراض الأدبية والأكاديمية في أوروبا ، والتحول من استعمال الفرنسية النرمانية إلى استعمال الإنجليزية في المحاكم في إنجلترا ، والتحول من استعمال اللغة الهولندية إلى استعمال لغة بوهاسا واعتبارها لغة إدارة شؤون الدولة في إندونيسيا . ومما يجدر ذكره هنا ، أن من أعظم التحولات في استعمال اللغة وتحديد وظائفها ، هو تغير اللغة الأم في المجتمع ، كما حدث ، على سبيل المثال ، عند تبني اللغة العربية في معظم أجزاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واعتبارها اللغة الأم للسكان واللغة الرسمية للدولة بعد الفتح الإسلامي لتلك المناطق .
ولعل بعض التغييرات التي تحدث في تحديد وظائف اللغة في أي مجتمع هي تغيرات تلقائية تحدث دون تخطيط ، ولكن يحدث بعضها نتيجة لتخطيط متعمد . فعلى سبيل المثال ، يعد انتشار استعمال اللغة العربية في بعض البلاد الإسلامية في قارتي آسيا وإفريقية ، كما يعد انتشار اللغة السواحيلية لأداء وظائف اقتصادية في شرق إفريقيا هو نتيجة غير مقصودة نتيجة لانتشار الإسلام عن طريق التجار في الحالة الأولى ونتيجة للتجارة في مناطق تستعمل لغات ولهجات مختلفة في الحالة الثانية ، وفي مقابل ذلك فإن انتشار اللغة السواحيلية وتبني استعمالها لأداء وظائف دينية وتعليمية كان نتيجة لسياسة متعمدة ، انظر مازروعي وزيريمو(
MAZRUIAND ZIRIMU 1978 ) . 2- تحديد وظائف اللغة
ما هي وظائف اللغة التي يستهدفها رسم السياسة اللغوية ؟ لقد جاء أوضح تحديد لوظائف اللغة من خلال القائمة التي اقترحها وليم ستيورت (
Stewart 1968 ) أثناء دراسته للتعددية اللغوية القومية . ولنتناول كل وظيفة من هذه الوظائف على حدة . ولنبدأ بعرض كل وظيفة بتفسير ستيورت لمفهوم الوظيفة ، ثم نقدم أمثلة لهذه الوظائف من واقع اللغات المتداولة في بلدان العالم . وقد جاءت وظائف اللغة أهدافاً لرسم السياسات اللغوية وهي : 2-1 الاستعمال الرسمي :
تؤدي اللغة الرسمية باعتبارها اللغة المعتمدة قانونياً كافة الأنشطة الممثلة للدولة سياسياً وثقافياً ، وفي أغلب الحالات يحدد الدستور الوظيفة الرسمية للغة . ويقصر ستيوارت مفهوم اللغة الرسمية على تلك اللغات التي تعتبرها الدولة لغات رسمية أو التي يصفها القانون بأنها كذلك . إلا أن كوبر ( 100 :
COOPER 1989 ) يرى أنه من المناسب التمييز بين نوعين آخرين من اللغات الرسمية وهما : اللغة التي تستعملها الدولة أداة لتسيير شؤونها والأنشطة اليومية المتعلقة بها ، واللغة التي تستخدمها الدولة رمزاً لكيانها . ويوظف كوبر المصطلحات التالية للدلالة على هذه الأنواع من اللغات الرسمية وهي : اللغة الدستورية الرسمية ، اللغة العملية الرسمية واللغة الرمزية الرسمية على التوالي . وتعد اللغة رسمية بأي واحد من هذه المعاني أو بها مجتمعة . فبالنظر إلى اللغة العربية ، نجد في الأحاديث الصحيحة ما يفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرح بنزول القرآن على سبعة أحرف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فأقرءوا ما تيسر منه }(2). ولقد اختلف المسلمون في تأويل هذه الأحرف ، ولكن اتفق الأكثرية منهم على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، وأن هذه الأحرف هي سبع لغات من لغات قريش وألفافها من ظواهر مكة . وقد تمارى أصحاب الرسول في هذه الأحرف والنبي بين أظهرهم ، فنهاهم عن ذلك وألح في نهيهم . فلما توفى الرسول استمر أصحابه يقرءون القرآن على هذه الأحرف السبعة . فاشتد الخلاف والمراء في ذلك حتى كادت الفتنة تقع بين الناس ، ولاسيما في جيوش المسلمين التي تغزو وترابط في الثغور البعيدة عن مهبط الوحي ومقر الخلافة . فلما رفع الأمر إلى عثمان ، جمع لهم المصحف الإمام ( كما أشرت سابقاً ) وأشاعه في الأمصار . وعلى هذا محيت من الأحرف السبعة ستة أحرف ، ولم يبق إلا حرف واحد ، هو هذا الذي نقرأه في مصحف عثمان ، وهو حرف قريش وهكذا نرى أن تلك القراءات التي أنزل عليها القرآن إنما هي لغات محي منها ست وبقيت منها واحدة . وبالتالي فرض الإسلام لغة قريش على قبائل الحجاز ، وعلى قبائل كانت تتصل بقريش اتصالاً قوياً . كما فرض الإسلام لغة قريش على أمم لم تكن من قريش في شيء . وهكذا صارت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة الإسلامية منذ قيامها في المدينة المنورة بعد الهجرة . واستمرت العربية الفصحى تؤدي دور اللغة الرسمية في الدول الإسلامية المتوالية حتى نهاية الخلافة العثمانية في الوطن العربي . وبعد مجيء المستعمرين الأوروبيين توقف دور اللغة العربية كلغة رسمية بالمفهومين الدستوري والعملي وبقيت لغة رسمية بالمفهوم الرمزي للشعب العربي ( وليس للحكومات المسيطرة عليه ) لأنها تمثل الرمز والهوية لديهم ، وبعد تخلص الشعوب العربية من السيطرة والحكم الأجنبي عادت اللغة العربية لغة رسمية في كافة البلدان العربية بالمفاهيم الثلاثة . فعلى سبيل المثال ، نصت المادة (186) من الدستور في المملكة الليبية المتحدة ( سابقاً ) ، على أن " اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة "(3) كما ورد في المادة رقم (1) من القانون رقم 6 للسنة 1952 ف ، وهو القانون المسمى قانون اللغة العربية أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة بناء على المادة 186 من الدستور(4). وجاء في الأمر الصادر من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 19 / 9 / 1969 ف " وجوب استعمال اللغة العربية " (5)، ثم تلاه القانون رقم (12) الصادر من مؤتمر الشعب العام بتاريخ 19 / 4 / 1984 ف الذي تنص المادة الأولى منه على ما يلي: " يمنع استعمال غير اللغة العربية والأرقام العربية في جميع المكاتبات والوثائق والمستندات واللافتات والإعلانات وكذلك كافة المطبوعات والمحررات في جميع المعاملات داخل الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية . كما يمنع استعمال غير اللغة العربية في الكتابة على جميع وسائل النقل والآليات الأخرى وواجهات المباني وعلى الطرق … " (6). وهكذا يحدد الدستور كما تحدد القوانين والقرارات التي تتبناها الدولة الوظيفة الرسمية للغة. ومن ثم توظف اللغة لأداء كافة الأنشطة الممثلة للدولة سياسياً وثقافياً .
وعندما حصلت دول المغرب العربي ( تونس والجزائر والمغرب ) على استقلالها من الاستعمار الفرنسي أعلنت تلك الدول أن الإسلام هو دين الدولة وأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية فيها . ومع ذلك وجد قالقر (
G allagher 1968 ) ، بعد مرور عدة سنوات على الاستقلال ، أن اللغة الفرنسية تستعمل على نطاق واسع في الإدارات الحكومية لتلك الدول الثلاث ، ووجد أن اللغة الفرنسية هي اللغة العملية في الواقع ، ليس لأداء المهام الحكومية واستقبالها فحسب ولكن إلى الحد الذي تبين أن مكتب البريد في المملكة المغربية ، على سبيل المثال ، رفض قبول برقيات مكتوبة باللغة العربية ، وأن غالبية المكاتب الحكومية تصر على ملء نماذج البيانات الثنائية اللغة باللغة الفرنسية أولاً ، واعتبارها اللغة العربية المرجع (ص131) . ومنذ ذلك الحين ، نشطت عملية التعريب للمكاتب الحكومية في المغرب ، ولكن مازالت اللغة العربية إلى هذا الوقت لم تصل إلى مرحلة السيادة التامة في كافة المعاملات . ففي الجمهورية التونسية على سبيل المثال بعد مرور أكثر من 45 عاماً على الاستقلال مازالت بعض الوزارات تستعمل اللغة الفرنسية لتوثيق أعمالها ، بينما تقوم وزارات أخرى باستعمال اللغتين ، راجع كوبر
Cooper ( 101 : 1989 ) . وعندما احتلت بريطانيا فلسطين عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918 ف وجدت بها قوتين متمثلتين في المجتمع العربي والمجتمع اليهودي ، وبمرور الوقت صارت اللغة العبرية هي لغة التعامل اليومي بين أبناء المجتمع اليهودي ، ومن الطبيعي أن تبقى اللغة العربية لغة التعامل اليومي بين أبناء المجتمع العربي . وعندما قبلت بريطانيا أمر الوصاية على تدبير شؤون فلسطين الصادر من عصبة الأمم عام 1922 ف ، أعلنت أن اللغات الرسمية في فلسطين هي الإنجليزية والعربية والعبرية على التوالي . وعقب ظهور دولة إسرائيل عام 1948 ف في الأراضي العربية المحتلة ، بقيت كافة القوانين التي أصدرها الإنجليز سارية المفعول إلا ما تم إبطاله أو تعديله . وتم إبطال الحاجة إلى استعمال اللغة الإنجليزية وبالتالي بقيت اللغتان العبرية والعربية وحدهما اللغتين الرسميتين الساريتين المفعول .
وبينما كانت اللغتان العبرية والعربية متساويتين من الناحية القانونية ، كانت اللغة العبرية هي السائدة في الاستعمالات الرسمية لتسيير شؤون الدولة ، وفي الوقت الذي تمثل كل لغة من اللغتين قومية مستقلة ، كانت العبرية هي اللغة التي ترمز إلى الدولة . وعلى الرغم من إبطال الوضع القانوني للغة الإنجليزية إلا أن استعمالها استمر لفترة طويلة لأداء العديد من المهام الرسمية في الدولة . فكانت ، على سبيل المثال ، العملة الورقية وكذلك المعدنية وطوابع البريد تطبع باللغة الإنجليزية وباللغتين العبرية والعربية كذلك . وعندما يتم وضع علامات إرشادية على الطرق العامة باستعمال لغتين كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثانية بدلاً من العربية . وكذلك عندما تصدر الدولة منشورات رسمية باستعمال لغتين ، مثل التقارير التي يصدرها مكتب الإحصاءات المركزي . غالباً ما تأتي الإنجليزية هي اللغة الثانية بدلاً من العربية . ومن ناحية أخرى ، كانت المداولات التي تجرى في الكنيست ( البرلمان الإسرائيلي ) تنشر باللغتين العبرية والعربية ، بينما تكتب عناوين الموضوعات باللغة الإنجليزية ( 1972
Fisherman ). وبالتالي ، فيما يتعلق بالأنواع الثلاثة للغة الرسمية في دولة إسرائيل . كانت اللغة العبرية لغة رسمية بالمفاهيم الثلاثة . وكانت العربية لغة رسمية من الناحيتين العملية والقانونية ( أما مفهوم المزية فيصدق على الفلسطينيين العرب وليس على الدولة العبرية ) ، أما اللغة الإنجليزية فكانت لغة رسمية من الناحية العملية فقط .
ولنأخذ دولة أيرلندا مثالاً آخر ، إذ عندما أنهى الدستور الجديد سلطة التاج البريطاني رسمياً في عام 1973 م تغير اسم الدولة من دولة أيرلندا الحرة إلى اسم جديد (
Fire ) بلغة غيلي ( اللغة الأيرلندية ) ، وصارت اللغة الأيرلندية هي اللغة الرسمية الأولى والإنجليزية هي اللغة الرسمية الثانية . إلا أن مكانة اللغتين من الناحية العملية كانت معكوسة ، حيث كانت الإنجليزية هي اللغة السائدة، وعلى الرغم من أن كافة التشريعات تطبع باللغتين إلا أن كافة المداولات داخل البرلمان تؤدي باللغة الإنجليزية . وفي الوقت الذي يعد الإلمام باللغة الأيرلندية متطلباً أساسياً للتعيين في الوظائف المدنية الرسمية نجد أن معظم الأنشطة الحكومية اليومية تؤدى باللغة الإنجليزية . وبالتالي ، تعد اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية من الناحيتين القانونية والعملية بينما تؤدي اللغة الأيرلندية الوظائف الثلاث للغة الرسمية ، رغم أن استعمالاتها العملية أقل كثيراً من استعمالات اللغة الإنجليزية . وما دام ليس من الضروري تحديد اللغة الرسمية وليس من الضروري الالتزام باستعمالها عندما يتم تحديدها ينبغي علينا النظر إلى الاستعمال الرمزي للغة الدستورية بدلاً من النظر إلى قيمتها العملية المباشرة . ففي بعض الأحيان كما هو حال العربية في المغرب العربي ، وكما هو حال اللغتين العبرية والأيرلندية فإن اللغة الدستورية أو القانونية ترمز إلى الذاكرة المشتركة وإلى تطلعات أفراد المجتمع أو غالبيتهم وطموحاتهم وإلى ماضيهم ومستقبلهم . فعندما ينظر المجتمع إلى اللغة بأنها رمز لكيانه ، فإن تحديد تلك اللغة بأنها اللغة الرسمية يعزز شرعية سلطة الحكومة، وعندما تعترف الحكومة بلغة إحدى الأقليات في المجتمع بأنها اللغة القانونية الرسمية ، كما هو حال اللغة العربية في دولة إسرائيل ، فإن الحكام يمنحون الاعتراف الرسمي لتلك الأقلية بالمحافظة على سماتها المميزة لها . وبالتالي يستطيع المرء أن يجادل بأن تحديد اللغة الدستورية الرسمية ، في أغلب الأحيان ، هو ممارسة التحكم في الرموز السياسية من أجل الحفاظ على بقاء النخبة الحاكمة ، وإذا صح هذا الأمر ، فإن مثل هذه الممارسة تؤدي إلى ظهور أمرين خطيرين هما : أولاً : قد يحاول الخصوم السياسيون للحكومة كسب التأييد الشعبي عن طريق الإدعاء بأنهم أفضل الأمناء على الرموز المقدسة للدولة . وتعد حركة اليمين المتطرف الإسرائيلي ، في الثمانينيات ، لجعل اللغة العبرية اللغة الرسمية الوحيدة للدولة مثالاً على تلك المحاولات . ثانياً : قد يحاول الخصوم السياسيون استبدال رموز مختلفة بالرموز القائمة في محاولة منهم لحشد التأييد الشعبي . وعلى الرغم من أن اللغة الدستورية هي نتاج لتخطيط متعمد للسياسة اللغوية ، فإن استخدام الحكومات للغات معينة لأداء وظائف محددة قد لا يكون نتيجة حتمية لتخطيط متعمد . حيث لم يتم اختيار اللغة الإنجليزية لتصبح لغة التداول والمناظرة في الكونجرس ( البرلمان ) الأمريكي ، على سبيل المثال ، إذ إن مثل هذا الاستعمال يعد أمراً بديهياً . ولكن استعمال لغة عملية رسمية قد يحتاج إلى تحديد كما كان الحال ، على سبيل المثال ، عند استبدال اللغة العربية باللغتين اليونانية في مصر وسوريا وبالفارسية في بلاد فارس في زمن الدولة الأموية واستبدال اللغة السواحيلية باللغة الإنجليزية وسيلة التداول في البرلمان التنزاني . ومن الجدير بالذكر ، أن لغة التداول في البرلمانات ملحوظة بشكل ظاهر ، لأنها تحدث في سياق عام ذي أهمية رمزية كبرى وسواء كان للبرلمان سلطة فعلية أم ليس له سلطة فهو يرمز إلى الدولة بكل فخامتها وهيبتها . وعندما تتسق القيم والتقاليد المرتبطة بلغة المناظرة في البرلمان مع القيم والتقاليد المرتبطة بالدولة ذاتها فإن ذلك لن يلفت انتباه أحد ، لأن كل شيء يسير كما ينبغي له أن يسير . ولكن إذا غاب الاتساق بين هذين النوعين من القيم والتقاليد : كما يحدث عندما تستعمل دولة حديثة الاستقلال لغة الدولة الاستعمارية لمداولة التشريعات القانونية في البرلمان فإن الفجوة بين ما يجري على أرض الواقع وما ينبغي أن يكون قد تبعث على تحدي شرعية سلطة الحكومة . وهنا يبرز السؤال : ما هو الحق الذي تمتلكه للتحدث باسمي إذا كنت تتكلم لغة أجنبية ؟ وفي كثير من الحالات لم يكن أمام بعض الدول الحديثة الاستقلال بديل عن استخدام لغة الدولة الاستعمارية . فإذا كانت الدولة المستقلة متعددة اللغات فسوف يبعث اختيارها لإحدى اللغات المحلية على استثارة معارضة الناطقين باللغات الأخرى . بالإضافة إلى أنه لا توجد لغة محلية متداولة خارج الحدود الجغرافية والاجتماعية للناطقين بها . وتمثل تنزانيا عند استقلالها حالة استثنائية حيث كان معظم سكانها يتكلمون لغة محلية ( اللغة السواحيلية ) وكانت هي اللغة الأم لعدد محدود جداً من السكان . وبالتالي لم يساند ولم يميز اختيار اللغة السواحيلية لتصبح لغة التداول في البرلمان التنزاني أي السواحيلية إلى اختيار لغة محلية أفريقية ، على عكس اختيار اللغة الإنجليزية . وباختصار عندما يكون استخدام الحكومة للغة واضحاً وملحوظاً ويحدث في سياقات رمزية هامة ، فإن عدم الاتساق بين القيمة الرمزية للغة والسياق الذي تستخدم فيه يؤدي إلى إحداث ضغوط من أجل تغيير اللغة . وقد يحدث ظرف آخر يتعلق باستخدام الحكومة للغة مما يستثير رسم السياسة اللغوية . فقد يشكل استخدام لغة معينة في سياق حكومي معين عقبة أمام فهم أقلية من السكان لتلك اللغة . كما يحدث عندما تستخدم لغة إحدى الأقليات لطباعة بطاقات الانتخابات ، أو اختيار لغة محلية لكتابة العلامات الدالة في الشوارع أو لطباعة النماذج الرسمية الخاصة بالاستعمالات الحكومية، فيستطيع زعيم تلك الأقلية جلب تأييد شعبي باستغلاله لورقة التمييز اللغوي خلال الحملة الانتخابية ، وبالتالي تستطيع تلك الأقلية أن تكسب تنازلات من الحكومة بسبب تعامل الحكومة مع لغة تلك الأقلية . وبدلاً من ذلك ، قد تسعى الحكومة إلى تحييد أقلية معينة عن طريق حيلة رخيصة وذلك باستعمال لغة تلك الأقلية لطباعة بطاقات الانتخابات . وفي الغالب ما تستمر الحكومة في استعمال اللغة العملية المتداولة من قبل إلا أن يهدد استمرار استعمال تلك اللغة شرعية سلطتها ، أو يؤدي إلى تشجيع النخبة المعارضة للعمل ضدها أو يزعزع مقدرة الحكومة على الحكم . ويشكل إعلان أي لغة بأنها اللغة الرسمية ، كما في إعلان اللغة الأيرلندية في الدستور الأيرلندي ، وكذلك البيان الخاص بفلسطين الذي أصدره الملك الإنجليزي وتعديل الكينيست الإسرائيلي لذلك البيان أمثلة على رسم السياسات اللغوية . ولكن لماذا يتم إصدار مثل هذه الأوامر والبيانات ؟ وللإجابة على هذا التساؤل نقول إن إصدار مثل هذه البيانات لا لزوم له من الناحية العملية . حيث لا يوجد في العديد من الدول ، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ، لغة دستورية رسمية وعلى العكس من ذلك فإن اللغات الدستورية الرسمية غالباً ما يتم تجاهلها . وإذا كانت اللغات الدستورية الرسمية هي نتيجة لرسم السياسة اللغوية ، وكانت اللغات العملية الرسمية ، في بعض الأحيان نتيجة لرسم السياسة اللغوية فإن اللغة الرسمية الرمزية لم تكن في يوم من الأيام كذلك . فإذا كانت العلاقة بين العلامة وبين مدلولها غير واضحة وتحتاج إلى استصدار قرار لإيضاحها فإن تلك العلامة لم تصل بعد إلى مستوى الرمز ، إذ إن العلامة تصبح رمزاً بعد تكرر الارتباط بينها وبين مدلولها مرات عديدة . فعندما حصلت دولتا إسرائيل وأيرلندا على الاستقلال ، صارت اللغتان العبرية والأيرلندية على التوالي متشابكتين تشابكاً تاماً مع الحركتين القوميتين في البلدين . واكتسبت اللغتان مدلول القومية في بلديهما . وكان تطورهما من رموز قومية إلى رمز للدولة نتاجاً طبيعياً لحركة قومية ناجحة . وكان طبيعياً أن تمثل تلك اللغتان رمزاً للدولتين الناطقتين بهما سواء أصدرت التشريعات التي تفيد ذلك أم لم يتما إصدارها . لأن الرموز لا تخلق عن طريق التشريعات ولكن يصنعها التاريخ . ولا تعد اللغتان الأيرلندية والسواحيلية رموزاً قومية لأن الدستور الأيرلندي والتنزاني ينصان على أنهما اللغتان الرسميتان بل إنهما رمزان قوميان لارتباطهما بحركات التحرير في البلدين ولارتباطهما بالذاكرة المشتركة للمواطنين .