بين التقدير و التحقير ! ‘‘ أهدي هذا المقال لكل من خاب ظنه في من اعتلى عنده يوما قدره و سمت مكانته ، و لكل من ظن به السوء و احتقرت مكانته أزف البشرى بأنّ الله وعد و لن يخلف وعده .. ’’
الحمد لله رب النّاس إله النّاس ، رافع من يشاء من عباده و كاشف الأرجاس ، و الصلاة و السلام على حبيبنا و قدوتنا رفيع الشان و الإحساس ، منير الحقّ لا يعترضه وسواس ، و بعد :
فإن المرء لا يكاد تمر به مرحلة من مراحل حياته إلا و دائرة معارفه تتسع ، و من تلك المعارف من نلمح فيه من الخير و منهم من نلمح الشر ، و بطبع النفوس الطيبة فإنها تحب أهل الخير و تنفر عن أهل الشر ، فتقدر الخيّرين و تحتقر الأشرار ، تعز الطيبين و تبغض أصحاب المكر و الخديعة ، إذا كان ذلك و برغم ذاك التقدير أو التحقير ، فإن في مرات كثيرة يتحول التقدير إلى تحقير أو التحقير إلى تقدير ، فلماذا يحصل ذلك و ما أسبابه ، سنحاول في هذ الأسطر أن نحلل هذا الأمر بشيء من الإيجاز و على الله التكلان .
نقلة نوعية أو سقوط حر ممن كان يجاري السحاب و يداني السماء قدرا ، فلماذا ساء الحال و تغير المقال ، إنه لا يمكننا سوى أن نقول أنّ ذاك المقدَر من النّاس لم يحقَر إلا لأنه غيّر! ، أكيد هذا و ليس دونه مفسّر ، ظهر أولا بلباس الصالحين ثمّ كشف عنه الغطاء فتبين لؤمه و خبث طبعه و سريرته ، حاول تلميع الصورة و تنقيتها من الشوائب فلبس لباس الصالحين المتقين ، ثم ما استطاع الصبر عليه لأنه واسع عليه و على نفسه الضيقة فعاد لما أسر و أخفى من لبوس السوء و الخديعة ، فتبين أخيرا لمن حوله زيف ما ادّعى و ظهر لمن عامله ضعف همته و قلة توكله و عجزه عن الثبات على الخير.
لو أدرك أن العلم بالتعلم و الحلم بالتحلم ، و أن من يصبر يصبّره الله ، و أن الثبات على الخُلق و الطيبة و حسن السريرة لا يدانيه شيء ، و لو فوّت بعض ما يراه من عاجل المصالح لشرف عند الله في الملأ الأعلى ، و لبُسط له القبول في الأرض و نال الدرجات العلا ، لكن يا حسرته حين رأى بعين القصور و الهون ، رأى مصلحة عاجلة فأخلف و بدّل و للحق أوّل ، ظنّ أن الله غافلا عما يعمل ، فحصّل ما رأه لا يحصّل إلا العودة لما كان عليه من أوّل ..!!
أما من احتقر ظلما أو خطأ ، أو لأن بعضهم حاول إظهاره على غير صورته الحقّة ، فهو الموعود من الله عز و جل بقوله : (( و العاقبة للمتقين )) ، و إن كل من احتقر لأي سبب كان ، و كان قلبه و سريرته على أحسن ما يكون ، بل كان الله عنه راض و بأعماله له قريب ، فلن يطول ما حلّ به أبدا ، و مهما طال سوء الظانين به فسرعان ما أن يجلّي الله صفاته الحميدة و مناقبه التليدة ، تلك سنة الله في خلقه و وعده الذي لا يخلف ، و تلك عاجل بشرى المؤمنين ، لأنه صبر على الخَلق ، و لأنه صبر على طاعة الخالق و صابر ، و تمثل قول القائل :
فَلَيْتَكَ تَحْلُو، وَالحَيَاة ُ مَرِيرَة ٌ*** وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر*** و بيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين*** فكل الذي فوق التراب تراب
فما كان من الله الباري جل و علا ، منصف المظلومين و مجيب السائلين و كاشف كرب المكروبين ، إلا أن حقّق ما به وعد في قوله : (( فاصبر ، إنّ العاقبة للمتقين )) .
الله نسأل أن يجعل سريرتنا كعلانيتنا ، و أن يطيّب بالإيمان و الخُلق قلوبنا ، و أن يرضى عنا و يرفع درجتنا ، و أن يرزقنا حبَه و حب من أحبه و حب كل ما يقرب لحبه ، و أن يجعلنا من الذين لهم عقبى الدار ، من المتقين الأخيار ، و صلى الله و سلم على نبيه المختار ، و على صحبه أولي الرفعة الأطهار .
و الله أعلم و أحكم .
و كتب / جمال الدين ابن يحي مشاكو