النكت والانتقاد على مقامات الحريري
لعبد الله بن أحمد بن الخشاب البغدادي (ت 567 هـ )
دراسة وتحقيق
د. يوسف بن محمود فجال

مقدمة محقق الكتاب الحمد لله الذي أَودَعَ اللغةَ العربيةَ قوَّةَ البيانِ ، ورَوْنَقَ التعبيرِ ، وأنزلَ بها قُرآناً عربياً غيرَ ذي عِوَجٍ ، والصلاةُ والسلامُ على أفصحِ من نَطَقَ بالضَّادِ ، سيدِنا محمدٍ الذي أُوتِيَ جوامع الكَلِمِ ، والحكمةَ البالغةَ ، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين . أما بعد : فإن مقاماتِ الأديبِ البارعِ أبي محمدٍ القاسم بن علي الحريريِّ ( ت 516 هـ ) ، قد نالت إعجاب الأدباء ، وحظيت بمجالس العلماء ، فإذا أرادوا الثناء على كتابات أحدٍ شبهوها بمقامات الحريري ، فقالوا : « وله نثر في غاية الحُسْنِ يكاد يحكي ألفاظ مقامات الحريري من حسنه وحلاوته ، ورشاقة سجعه » . وقال الزمخشري : « أقسم بالله وآياته ومشعر الحج وميقاته ، أن الحريريَّ حري بأن نكتب بالتِّبْرِ مقاماته » . وقال شُميم الحلي - عندما اجتمع معه ياقوت الحموي في قصة طويلة أزرى فيها بعلماء عصره جميعاً وشنَّع عليهم ، حتى قال ياقوت : « يا مولانا ما أراك ترضى عن أحد ممن تقدم » - : « كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني ، قلت : فما فيهم قط أحد جاء بما يرضيك ؟ فقال : لا أعلمه ، إلا أن يكون المتنبي في مديحه خاصة ، وابن نباته في خطبه ، وابن الحريري في مقاماته فهؤلاء لم يقصِّروا . قلت له : يا مولانا قد عجبت إذ لم تُصَنِّف مقاماتٍ تدحضُ بها مقامات الحريري ، فقال لي : يا بني اعلم أن الرجوعَ إلى الحق خيرٌ من التمادي على الباطل ، عملت مقاماتٍ مرتين ، فلم ترضني ، فغسلتها ، وما أعلم أن الله خلقني إلا لأظهر فضل ابن الحريري » . ويؤكد ذلك كثرة شروح مقامات الحريري ، وقد أحصيت لها أكثر من ثلاثة وثلاثين شرحاً ، حتى إنك لتجد للعالم ثلاثةَ شروح كبيرة ومتوسطة وصغيرة ، بل إن ابن الساعي شرح المقامات بخمسة وعشرين جزءاً . ولم يقتصر أثر مقامات الحريري على العلماء في شرحها ، بل كان هناك من عارضها ونسجَ نَسْجها وقلَّدها ، وهناك من درَّسها وعلَّمها في مجالسه ، وهناك من حفظها . وكان ممن درّسها في مجالسه ابن الخشَّاب ، حتى قيل : إنها أُخِذَتْ عنه أكثر من أخذها عن جامعها . أما نقد المقامات واستخراج خطئها فذلك ما لم أظفر بشيء عنه سوى ما كتبه ابن الخشاب ، ومن هنا يظهر فضل الرجلين ، فالمقامات تلقاها الناس بالقبول بلا منازع ، فجاء ابن الخشاب - مع إقراره بالفضل لصاحبها – منتقداً ومصححاً ومستدركاً لما وقع فيها من الزلل والخطل ، كما يرى ذلك ، في كتاب سُمِّي بـ « النكت والانتقاد على مقامات الحريري » . ولهذين الأمرين حَرَصْتُ على تحقيق هذا الكتاب وعمل دراسة عنه . وقد قسمت بحثي إلى قسمين : القسم الأول : الدراسة . وتكلمت في هذا القسم عن أمرين ، هما : الأول : التعريف بالمؤلف ، وفيه تحدثت عن ( اسمه وسيرته ، وشيوخه ، وتلاميذه ، ومصنفاته ، وشعره ، ووفاته ) . الثاني : التعريف بالكتاب ، وفيه تحدثت عن ( اسمه ، ونسبته لمؤلفه ، ومادته ، ومنهجه ، ومصادره ، وقيمة الكتاب العلمية ) . القسم الثاني : التحقيق . وتكلمت في هذا القسم عن وصف النسخ ، ووضعت صوراً عن نسخ المخطوطات ، ومنهجي في التحقيق ، ثم كتبت النص المحقق . ثم ألحقت ببحثي دليلاً للمراجع ، ودليلاً للموضوعات . اللهَ أسألُ أن ينفعَ ببحثي هذا ، وأعوذ بك اللهم من شُرُور صنيعنا ، ومن التَّصَنُّعِ لما لا نُجيدُ ، ومن العُجب بما نُجيدُ . |