.::||[ آخر المشاركات ]||::.
اليوم الخامس من الأسبوع الثاني ( دورة حفظ القرآن ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     صفحة التسميع الكتابي ( علا توفيق ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     عرض لكتاب ( أساسيات علم لغة النص ) .. [ الكاتب : د. أنس بن محمود - آخر الردود : ابن الجزيرة - ]       »     اليوم الرابع من الأسبوع الثاني ( دورة حفظ القرآن ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     صفحة خاصة بالمقترحات [ الكاتب : د. محمد فجال - آخر الردود : د. محمد فجال - ]       »     اليوم الثالث من الأسبوع الثاني ( دورة حفظ القرآن ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : أسماء العليمي - ]       »     الصحيح والضعيف في اللغة العربية مع أ.د. محمود فجال ( متجدد ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     شاركونا تهنئة العروس إكرام [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : د. أنس بن محمود - ]       »     اليوم السابع من الأسبوع الأول ( تسميع سورة يس ) [ الكاتب : شعاع - آخر الردود : شعاع - ]       »     لقاء صحفي مع المتنبي [ الكاتب : الوفاء - آخر الردود : ربيع السملالي - ]       »    


عدد الضغطات : 2,634
عدد الضغطات : 301عدد الضغطات : 983

مِنْ أهمِّ الأحْداثِ !!


العودة   منتدى الإيوان > الأروقة النحوية والصرفية > رواق النحو


رواق النحو يُعنى بقضايا النحو العربي وفكره ونقده ومسائله قديمها وحديثها ، ومدارسه القديمة .

 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 21/Sep/2009, 08:24 PM   #1 (permalink)
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية العِقْدُ الفريْد
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: مَجَالِسُ العُلَمَاء
المشاركات: 103
Thanks: 0
Thanked 5 Times in 4 Posts
معدل تقييم المستوى: 3
العِقْدُ الفريْد is on a distinguished road
افتراضي نَشْأَةُ النَّحْوِ وَتَدَرُّجُه ..

نشأةُ النَّحْوِ وتَدَرُّجُه (*)

نشأ النحو أول أمره صغيرًا شأن كلِّ كائن ، فوضع أبو الأسود منه ما أدركه عقله ، ونفذ إليه تفكيره، ثم أقره الإمام [علي] على ما وضعه ، وأشار عليه أن يقتفيه ، فقام بما عُهِدَ إليه خير قيام ، ولم يهتد بحث العلماء إلى يقين فيما وضعه أبو الأسود أولاً ، وكانت هذه النهضةُ الميمونةُ بالبصرة التي كان في أهلها ميلٌ بالطبيعة إلى الاستفادة من هذا الفن اتقاءً لوباء اللحن الزاري بصاحبه، وبخاصةٍ الموالي الذين كانوا أحوج الناس حينذاك إلى تلقي هذا العلم رغبة منهم في تقويم لسانهم وتخليصه من رطانة العجمة ، وحبًا في معرفة لغة الدين الذي اعتنقوه ، وطمعًا في رفع قدرهم بين العرب ، فصدقت عزيمتهم في دراسته والتزيُّد منه ، وما انفكوا جادين فيه بعدئذ حتى نبغ منهم كثير قاموا بأوفى قسطٍ في هذا العلم ، وقادوا حركته العلمية ؛ قال المبرد: "مر الشعبيُّ بقوم من الموالي يتذاكرون النحو، فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأولُ من أفسده " – فكان منهم علماؤه المبرزون دراسة وتأليفاً حتى أشير إليه ردحاً من الزمن أنه (علمُ الموالي).

فلأبي الأسود الفضل الوافر في بدء الغرس الذي نما وترعرع وازدهر على كرِّ الزمان بإضافة اللاحق إلى السابق ما استدركه وما ابتدعه ، فازداد فيه التصنيف والتدوين شيئًا فشيئًا، غير أن هذا العلم لم تطل عليه الأيام كسائر الفنون ، فاكتمل وضعه قبلها ، والباعث على النشاط فيه والسرعة شعورُ العرب بالحاجة إليه قبل كل علم، فإن الفتوحاتِ الإسلامية متوالية في الأمصار، والعربَ متدفقون عليها ، والامتزاج مستحكمٌ بينهم وبين من دخلوا في حوزتهم وعِثْيَرُ اللحن منتشرٌ أقذى الأبصار، فهبَّ العلماء لا يلوون على شيء منكمشين في تدوينه ، فكان يسير بخطى فسيحة تبشر بالأمل القوي العاجل ، حتى نضج ودنا جناه، فتم وضعه في العصر الأموي من دون سائر العلوم اللسانية.
وما استهلَّ العصر العباسي إلا وهو يُدَرَّس دراسة واسعة النطاق في العِراقَيْن (البصرة والكوفة)، وكُمِّل وأوفى على الغاية في بغداد ولمّا ينقضِ العصر العباسي الأول، وذلك قبل تمام القرن الثالث الهجري.
ولقد تلمسنا تعرف المراحل التي اجتازها هذا العلم طبقاً لنواميس النشوء، فلكل علم أطوار يمر بها كما يمر الحي بأطوار الحياة : وليدًا وناشئًا وشابًا وكهلاً، في كثير من الكتب التي يخال فيها التعرض لذلك، فما وقفنا على ما يشفي الغلَّة وينير السبيل، فلاح لنا بعد انعدام الفكرة وإطالة النظرة أن نجعل الصلة بين هذه المراحل والعلماء القائمين بأمر هذا الفن، إذ كان على أيديهم ما نقله من طور إلى آخر.
وروى لنا التاريخ أنَّ البصريين هم الذين وضعوه وتعهدوه بالرعاية قرابة قرن كانت فيه الكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار والميل إلى التندر بالطرائف من المِلَح والنوادر، ثم تكاتف الفريقان على استكمال قواعده ، واستحثهما التنافس الذي جدَّ بينهما واستعرت ناره ردحًا من الدهر ينيف على مائة سنة، خرج بعدها هذا الفن تامَّ الوصول، كامل العناصر، وانتهى الاجتهاد فيه ، وحينذاك التأم عِقْدُ الفريقين في بغداد ، فنشأ المذهب البغدادي الذي عماده الترجيح بين الفريقين، ثم شعَّ هذا العلم في سائر البلاد الإسلامية التي احتفظت به بعد أن دانت دولة بغداد العلمية، وفي طليعتها الأندلس في عصرها الزاهر، ومصر المعزية والشام وما يتاخمها.

وعلى ضوء هذا التأريخ قد عددنا أطوارَه أربعة :

طَوْرُ الوضْعِ والتكوين (بصري).
طَوْرُ النُّشوءِ والنُّمُو (بصري كوفي).
طَوْرُ النُّضْجِ والكَمَال (بصري كوفي).
طَوْرُ التَّرجيحِ والبَسْطِ في التصنيف (بغدادي وأندلسي ومصري وشامي).


على أنه ليس في الاستطاعة وضعُ حد توقيتي ينفصل به كل طور عما يسبقه أو يعقبه ، فإن الأطوار لابد من تداخلها وسريان بعض أحكامها سابقها على لاحقها ، كما أنه لا مناص من تسرب شيء مما في تاليها على بادئها، فغير ممكن أن يوجد الطور دفعًا ، وإنما تلده المؤثرات التي تسبقه وتمهد له ، وهي بالطبع في غيره ، إلا أنها لما تكاثرت وتزايدت حتى بدا للعلم بمقتضاه طابع آخر غير الطابع السابق عليه استوجبت جعله في طور آخر جديد ، ولا يكون ذلك التمييز الظاهر إلا بعد انقضاء زمن المداخلة بين الطورين.
وعلى هذا الأساس فإن تحديد هذه الأطوار إلى التقريب أقرب منه إلى التحقيق، وبديهي أن تحديدها بالعلماء على ما سبق يعود بالتبع إلى طبقاتهم التي يمثلونها، وستعرف هذه الطبقات مرتبة بحسب الزمن مع تراجم علمائهم كلهم، وإننا سنكتفي في هذا التحديد بالعلماء المبرزين المعلمين فقط للاختصار.

الأول: طور الوضع والتكوين (بصري) :
هذا الطور من عصر واضع النحو أبي الأسود إلى أول عصر الخليل بن أحمد، وقد سلف أن وضعه انتهى في عصر بني أمية.
وهذا هو الطور الذي استأثرت به البصرة هي صاحبة الفضل في وضعه وتعهده في نشأته ، والكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار والنوادر زهاء قرن ، اشتغل فيه طبقتان من البصريين بعد أبي الأسود حتى تأصلت أصول منه كثيرة وعرفت بعض أبوابه .
فإن الطبقة الأولى التي أخذت عن أبي الأسود استمرت في تثمير ما تلقته عنه ، ووفِّقَت إلى استنباط كثير من أحكامه، وقامت بقسط في نشره وإذاعته بين الناس . وكان من أفذاذ هذه الطبقة : عنبسة بن معدان الفيل ، ونصر بن عاصم الليثي، وعبد الرحمن بن هرمز ، ويحيى بن يعمر العدواني، ولم يدرك أحد من رجال هذه الطبقة الدولة العباسية .
ويغلب على الظن أنَّ ما تكوَّن من نحو هذه الطبقة 1) – فضلاً عن قلَّته - كان شبه الرواية للمسموع، فلم تنبت بينهم فكرة القياس،2) ولم ينهض ما حدث في عهدهم من أخطاء إلى إحداث ثغرة خلاف بينهم لقرب عهد القوم بسلامة السليقة، 3) كذلك لم تقوَ حركة التصنيف بينهم، فلم يؤثَر عنهم إلا بعض نُتَف في مواطن متفرقة من الفن لم تبلغ حد الكتب المنظمة ، إذ كان جل اعتمادهم على حفظهم في صدورهم ورواياتهم بلسانهم ، وزعم بعض المؤرخين أن أستاذها أبا الأسود قد وضع مختصرًا على ما تقدم بيانه.
أما الطبقة الثانية التي كانت أكثر عدداً من سابقتها فقد كانت أوفر منها حظًا في هذا الشأن، إذ وطأت لها سبيله، فازدادت المباحث لديه ا، وأضافت كثيرًا من القواعد ، ونشأت حركة النقاش بينها، فجدَّت في تتبع النصوص واستخراج الضوابط ما هيأ لها وقتها ، واستطاعت التصنيف فدوَّنَت فيه بعض كتب مفيدة ، وكان من المشار إليهم فيها عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي الذي يقول فيه أبو الطيب: "وكان يقال عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم ففرَّع النحو وقاسه"، وكان يخطِّئ الفرزدق كثيرًا حتى هجاه ، وستعرف تفصيل ذلك في ترجمته بمشيئة الله تعالى، وعيسى بن عمر الثقفي صاحب الكتابين في النحو الجامع والإكمال ، وقد نوَّه عن فضلهما الخليلُ بن أحمد بقوله :
ذهب النحوُ جميعاً كله ~*~ غيرَ ما أحدث عيسى بْنُ عمـرْ
ذاك إكمالٌ وهذا جامعٌ ~*~ فهمـا للنـاسِ شمـسٌ وقمـرْ
وجاء من بعدهما أبو عمرو بن العلاء صاحب التصانيف الكثيرة على ما ستعرف في ترجمته، ورجال هذه الطبقة أظلَّتهم الدولة العباسية جميعاً خلا عبد الله بن أبي إسحاق الذي مات سنة 117هـ، وهؤلاء وردت لهم آراء كثيرة في كتاب سيبويه.
لم ينقض هذا الطور حتى وُفِّق العلماء إلى وضع طائفة كبيرة من أصوله بعثتهم إلى التزيُّد فيها، فاختمرت بينهم فكرة التعليل التي كان أول متجه لها ابن أبي إسحاق، كما أنه أول من نشط للقياس، وأعمل فكره فيه ، وخرَّج مسائل كثيرة عليه ، ووافقه عليه عيسى بن عمر، وخالفهما بعض معاصريهما ، فانفسح ميدان القول في هذا العلم ، وأَنِسَ الناس به وتداولوه في كتبهم التي كانت تساير روح هذا العهد، فقد كانت مزيجًا من النحو والصرف واللغة والأدب وما إلى ذلك من علوم اللغة العربية ؛ لأن هذه الفروع كانت متداخلة آخذاً بعضها بحجز بعض، لقرب الوشيجة بينها في الغرض والمقصد، فكان الأديب حينذاك نحويًّا صرفيَّا لُغويَّا، والنحوي أديبًا لُغويَّا صرفيَّا وهكذا، يحملنا على هذا ما روي لنا عنهم في نقاشهم ومحاوراتهم، وإن لم تصلنا مؤلفاتهم التي طارت بها عواصف الأيام ؛ ونالها ما نال أربابها من الزوال، وصدق المتنبي في قوله :
تتخلف الآثارُ عن أصحابِها ~*~ حينًا ويدركُها الفناءُ فتتبعُ
نعم أخذت هذه الفروع تمتاز بعضها من بعض في البحث والتدوين من أوائل الطور الثاني تدريجيًا حتى اشتهر بعض العلماء بالنحو، وأشير إلى آخر باللغة ، ودواليك ...

الثاني : طَوْرُ النُّشُوءِ والنُّمُو (بصريّ كوفيّ)
هذا الطور من عهد الخليل بن أحمد البصري، وأبي جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي إلى أول عصر المازني البصري ، وابن السكيت الكوفي.
فهذا الطور مبدأ الاشتراك بين البلدين في النهوض بهذا الفن والمنافسة في الظفر بشرفه ، فقد تلاقت فيه الطبقةُ الثالثة البصرية برياسة الخليل ، والأولى الكوفية بزعامة الرؤاسي ، وكذا بعدهما طبقتان من كل من البلدين (البصرة والكوفة) ، فوثب هذا الفن وثبة حَيِيَ بها حياة قوية أبدية بعد ، وكان هذا الطور حريًّا أن يُسمَّى طورَ النشوء والنمو.

ونقصد الآن بالنحو معناه العام الذي يشمل مباحث الصرف ؛ لأن مباحث رجال الطور الماضي كانت منصرفة حول أواخر الكلمات كما عُرِف عنهم، بخلاف رجال هذا الطور، فإنهم قد اتجهت أنظارهم إلى مراعاة أحوال الأبنية أيضًا ، فقد راعهم ما اعتورها من خطأ يجب درؤه ، وذلك أنهم ما حاولوا صون الكلام من غوائل اللحن في أطرافه إلا ضنًا به ألا ينهض بالإفادة والاستفادة المقصودتين منه ، ورعاية أواخر الكلمات بقوانين النحو إن كفلت دفع اللحن عن الكلام ، وأصلحت هيكله الصوري للتأدية العامة ، فإن تلك التأدية لا تتم فيه إلا إذا سَلِمَت جواهر أجزائه التي يتقوَّم بها، وما تأخَّرَتْ ملاحظتها لهذا الحين إلا لقلة العثرات فيها بالإضافة إلى العثرات التي كانت تعترض الكلام في أواخر أجزائه، ولأن الخطأ فيها لا يذهب بالمعنى المقصود للمتكلم كالخطأ في أواخر الكلمات كما لمست هذا في سبب وضع النحو.
فمن هذا الحين ظهرت مباحثُ الصرف في طيِّ كتب النحو وشغلت منها فراغًا وعمَّ الأمرين اسمُ النحو، واستمر هذا الاندماج طويلاً من الزمن حتى تدوول في بعضِ كتب المتأخرين ، ولذا عرَّف بعضُهم النحوَ بأنه علمٌ يُعرَفُ به أحوال الكَلِم العربية إفرادًا وتركيبًا ليشمل الأمرين.
نعم قد تقلص عن كتب النحو من أوائل هذا الطور ما لا يتصل به هذا الاتصال الوثيق، كمباحث اللغة والأدب والأخبار، ولا ريب أن للصرف من بين سائر علوم اللغة العربية قرابتَه الدنيا بالنحو، على أن الخليل – وهو غرة جبين هذا الطور – قد جمع بين اللغة والنحو، فإنه ذكر في كتاب العين الذي هو الأساس لكتب اللغة فيما نعلم مقدارًا كبيرًا من النحو.
ابتدأ هذا الطور، وأخذ العلماء في كتب النحو ومباحثه سمتًا آخر غير ما اتجهوا إليه في الماضي على ما عرفت ، ونشطوا في التقصي والاستقراء للمأثور عن العرب ، وفي إعمال الفكر واستخراج القواعد ، وكان مبعث ذلك النشاط هو التنافس البلدي الذي عُرِض إبان هذا الطور، فرام كلٌّ من أهل البلدين (البصرة والكوفة) ظفرًا على الآخر، فالخليل – بعد أن جاب بوادي الحجاز ونجد وتهامة مواجهًا العرب في صحرائها مستمعاً لأحاديثها ـ يعود إلى البصرة ، ويستجمع كل ما سمع، ويشحذ ذهنه الحاد، ويفرغ للبحث عن لآلئ هذا الفن من بحر علمه العميق ، حتى جمع أصوله ، وفرَّع تفاريعه، وضم كل شيء إلى لفقه ، وساق الشواهد وعلَّل الأحكام ، وبلغ في ذلك غاية محمودة فاتت كل من سبقه ، بيد أنه اكتفى عن تدوينه موسوعة فيه بطلبته الذين كان يملي عليهم ، وممَّن حمل الراية في البصرة مع الخليل يونس إلا أنه قصر مجهوده على التلقي عنه ، ونصّب نفسه للإفادة ، فكانت له حلقات دراسة يؤمُّها القاصي والداني من فصحاء الأعراب وأهل العلم ، وكان له في النحو أقسيةٌ ومذاهب خاصة تفرَّد بها.
ولقد عاصرهما الرؤاسي الكوفي شيخ الطبقة الأولى الكوفية ، فإنه بعد اشتباكه معهما في التلقي عن الطبقة الثانية البصرية يمَّم الكوفة ، وألقى عصاه فيها ، وقد ألفى عمَّه معاذ بن مُسَلَّم الهرَّاء الذي كان أقدم منه سنًا يزاول هذا العلم ، إلا أنه كلف بالبحث عن الأبنية والتمارين إلى أن غلبت عليه الناحية الصرفية التي التفت إليها الكوفيون ؛ واستنبطوا للصرف كثيرًا من القواعد التي سبقوا بها البصريين ، حتى عدَّهم المؤرخون الواضعين للصرف ، إذ كان الصرف عند البصريين في المحل الثاني ، ولم يكفِ ذلك الكوفيين في دفع التخلف اللاحق بهم على ما فاتهم من شرف النحو، فتهالكوا عليه ، وتزاحموا بالمناكب شأنَ المفرِّط الذي يحاول تلافي خطئه، فظهر فيهم علماء ، وانبعثت فيهم فكرة التأليف ، وكان أول مؤلَّف تداولوه بينهم كتاب "الفيصل" للرؤاسي ، روى ابن النديم وغيره : (وقال الرؤاسي: بعث الخليل إلي يطلب كتابي ، فبعثت به إليه فقرأه ، وكل ما في كتاب سيبويه وقال الكوفي كذا، فإنما يعني الرؤاسي).
تكوَّن على يد الإمامين : الخليل ومن معه من البصريين ، والرؤاسي ومن معه من الكوفيين، بكلٍ من البلدين مدرسة خاصة لها علم تنحاز إليه كل فرقة ، وتتابعت الطبقات المتعاصرة من كلا البلدين .
فسطع في سماء البصرة نجومٌ متألقة تألَّف منها عِقْدُ الطبقة الرابعة بزعامة سيبويه الذي وُهِب مَلَكة التصنيف والتنسيق ، فأبدع كتابه على مثال لم يُسْبَق إليه ، ولم يدع للمتأخرين استدراكًا عليه، وكان يعاصرها الطبقة الثانية الكوفية التي كان يقودها الكسائي الذي لم يأل جهدًا حتى أخرج للناس مؤلفاتٍ استفادوا منها، وشدَّ من أزره إقبال الدنيا عليه بعد اتصاله بالخلفاء والأمراء ببغداد ، فأعتد للكوفيين فيها متكأً ، وسعى سعيه حتى كوَّن من الكوفيين جبهة قوية ثبتت أمام الجبهة البصرية ، ووقفت منها موقف الند للند ، فإنه الذي يعد بحق المؤسس للمذهب الكوفي، ولولاه لذهبت ريحهم ولما خفقت بنودهم على بغداد التي عطفت عليهم من هذا الحين ورفعت شأنهم ، فاستفزَّ ذلك البصريين لمناصبتهم أشد العداء وإشهار سلاح الخصام في وجوههم ، ومازال كلٌ من البلدين حريصًا على حوز قصب السبق رغبة في التغلب وحرصًا على الإزراء ، وتفانيًا في الدنو من العباسيين ، فاتسعت رواياته واستفاض تعليمه بين الدهماء وازدادت تآليفه.

فالأخفش البصري ـ شيخ الخامسة ـ يصنف ويذيع على الناس ما أوتيه من علم ، ومعاصره الفراء الكوفي ـ أستاذ الثالثة ـ تغمره عطايا المأمون وتحفِّزه إلى نشر العلم وتتيح له أن يدوِّن طوال الكتب التي راجت في بغداد والكوفة.
كل ذلك بفضل المناظرة التي بدأت هادئة أول الأمر بين البلدين على يد الخليل والرؤاسي، ثم اشتدت على مر الأيام ، وكان لها أثرها الفعال ، إذ كانت وقودًا صالحًا لإشعال نار الاجتهاد والدأب على استكمال ما بقيَ من مواد هذا الفن ، فحمي وطيسها في غضون هذا الطور، واندلع لهيبها إلى نهاية الطور الثالث ، فصُلِيَ بنارها كثيرٌ من جِلَّة البصريين وقليلٌ من الكوفيين، وسنذكر لمحة عنها إن شاء الله تعالى بعد إتمام الكلام على هذين الطورين (البصريين الكوفيين)، فإنه عند تلاقي الفريقين ببغداد وابتداء الطور الرابع الجديد قد انطفأت نار العصبية البلدية، واختبأ أوراها فلم تكُ مناظراتٌ بصريةٌ وكوفية.
وقصارى القول أنه لم ينصرم هذا الطور حتى قطع النحو شوطًا كبيرًاً شارف فيه النهاية ، فأُرهِفَت له الأسماع، وكثُرَت فيه المؤلفات التي أُزيل منها ما ليس من فن النحو، وإن كان التصريف ما لبث مندسَّا فيه عند البصريين ، فإن كتاب سيبويه – وهو البقية الباقية بأيدينا من مؤلفات هذا الطور والمرآة التي تتكشف بها صورة التأليف فيه – قد جمع بين الفنين.
ولقد بهر العلماء أمرُ هذا الكتاب ، إذ قصُرَت هممهم عن مطاولته حينًا من الدهر، فلم يروا إلا الطواف حول تعليقًا عليه في النواحي المختلفة شرحًا واختصارًا وانتقادًا واستدراكًا وردًا وإعرابًا للشواهد، وكان لذلك أثره في استبقاء الفنين معاً بحثاً وتصنيفاً مدة مديدة عند كثيرٍ من العلماء الذين انتضوا للتأليف في كتبهم الخاصة بعد ، فاحتذوا حذو سيبويه ، ومزجوا بينهما، واستمر ذلك طويلاً حتى تخطى ابن مالك من بعده.
أما الكوفيون فقد ألَّفوا في بعض أبواب الصرف كتبًا خاصة ، اعتناءً بشأنها ، لكن لم تصل تآليفُهم إلى حدٍ يجعل الصرف منفردًا عن النحو بالتأليف ، صنَّف الرؤاسي كتاب التصغير، والكسائي كتاب المصادر، والفراء كتاب فَعَلَ وأفْعَل، ومع هذا فإن النحو قد طفق يتخلص من الصرف ، ويستقل الصرف بالتأليف في مستهل الطور الآتي ، على ما سترى.

الثالث : طَوْرُ النُّضْجِ والكَمَال : (بصري كوفي)
هذا الطور من عهد أبي عثمان المازني البصري إمام الطبقة السادسة ، ويعقوب بن السكيت الكوفي إمام الرابعة ، إلى آخر عصر المبرد البصري شيخ السابعة ، وثعلب الكوفي شيخ الخامسة.
لقد هيّأ الطور السالف لهذا الطور الكمال والنضج بفضل ما بذل رجاله من جهد مضنٍ كان له الأثر الناجح في تخريج جمهرة من العلماء امتاز بها هذا الطور عن سابقيه في كلا البلدين.
ولقد شمَّر الجميع عن ساعد الجد ونزلوا الميدان تسوقهم العصبية البلدية ، وكان حادي عيسهم في البصرة أبا عثمان المازني وأبا عمر صالح الجرمي ، وأبا محمد التوزي وأبا علي الجرمازي وأبا حاتم السجستاني والرياشيَّ والمبردَ وغيرَهم ، وفي الكوفة يعقوبَ بنَ السكيت ومحمد بن سعدان وثعلبًا والطُّوال وغيرهم ، وكثيراً ما جمعت الفريقين بغدادُ بين حين وآخر على تعصبِ كلٍ لمذهبه وانتقال هذا التعصب لمن يشايعها، فكانت مناظراتٌ وإفحامات تَقُض المضاجع وتحزُ في النفوس، حتى تلاقيا أخيرًا وتوطَّنا بغداد على ضِغنٍ في القلوب أذهبه تعاقب الأيام وانقراض المتنافسين شيئًا فشيئًا.
كل ذلك دعاهم إلى الانهماك والنشاط، فأكملوا ما فات السابقين ، وشرحوا مجمل كلامهم، واختصروا ما ينبغي ، وبسطوا ما يستحق، وهذَّبوا التعريفات ، وأكملوا وضع الاصطلاحات ، ولم يدعوا شيئًا منه إلا نظَّروه ، ولا أمرًا من غيره إلا فصلوه ، فخُلِّصَ النحو من الصرف الذي بقي وحده متمسكًا به في التأليف إلى أول هذا الطور.
وأول من سلك هذا السبيل المازنيُّ ، فقد ألف في الصرف وحده ، وشق ذلك الطريق لمن بعده ، ومن هذا الحين تشعبت مسالك التأليف في العلوم العربية ، فمن مؤلف في النحو وحده ، ومن مصنف في الصرف وحده ، ومِن خالطٍ بينهما ، وقد رعى العهدَ القديمَ المبردُ في كتابه "الكامل" الذي جمع فيه من كل دوحة غصنًا ، فبينما يسبح في الأخبار إذا هو يوافيك بالتحقيق اللغوي ، ثم إذا هو يباغتك بالإشكالات الغريبة في النحو والتحقيقات الممتعة في الصرف ، ولا تكاد تنتهي منها حتى يطل عليك بالأدب الطريف ، إلا أن ذلك النهج قليلٌ تلقاء ما كثر من مؤلفات مستقلة بالفروع العربية بعد تمييزها ، وكان أكثرها مصنفات فن النحو الذي قد تحولت لهجات التصنيف فيه عن ذي قبل بما وُضع فيها من العبارات التأليفية والمصطلحات النحوية التي بقيت خالدة في كتب النحاة إلى يومنا هذا، وإنا لنرى ذلك واضحاً عند الموازنة بين كتاب سيبويه ومخلَّفات هذا الطور.

= يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مُقْتَطَفٌ من كتاب (نشأةِ النحو ، وتاريخِ أشهرِ النحاة ) تأليف الشيخ محمد الطنطاوي .
العِقْدُ الفريْد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
من شكر العِقْدُ الفريْد على المشاركة المفيدة :
جمال الدين (01/Aug/2010)
 


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:24 PM.
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi