إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قضية الاستشهاد بالحديث النبوي على قواعد النحو العربي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قضية الاستشهاد بالحديث النبوي على قواعد النحو العربي

    قضية الاستشهاد بالحديث النبوي على قواعد النحو العربي

    مصادر الاحتجاج في العربية:
    القرآن هو المصدر الأول لــلاحتجاج في "النحو العربي", و كان من الواجب أن يعتبر الحديث الشريف هو المصدر الثاني للاحتجاج, لولا أن المسلمين الأوائل أجازوا روايته بالمعنى, ولم يعتمدوا فيه على اللفظ الذي نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم غالبا, فنجد أئمة النحو البصري والكوفي لا يعتمدون عليه ولا يعتبرونه أصلا من أصول الاستشهاد وتقعيد القواعد النحوية وتثبيت أحكامها كالقرآن وفصيح كلام العرب, وعلة ذلك عندهم أن الحديث لم يروَ بألفاظه, وإنما أجيزت الرواية بالمعنى.
    وأجمع اللغويون على أن الحديث النبوي يحتج به على مسائل اللغة, أمثال: أبي عمرو بن العلاء, والخليل, والكسائي, والفراء, والأصمعي...
    أما في ميدان النحو فقد سكت علماء المرحلة الأولى عن الاستدلال بالحديث, لأنه وقع في بعض الأحاديث شيء من الأساليب والتراكيب غير الجارية على ما شاع من الاستعمال العربي, وقد لجأ بعض النحاة إلى تأويلها.
    وبعد أن ظهرت الحاجة واضحة إلى موارد جديدة للاستدلال والاحتجاج, فقد ذهب كثير من العلماء إلى الحديث يلتمس فيه ما يؤيد أقيسته, في حين رفض بعضهم اعتبار الحديث مصدرا للاحتجاج به في النحو العربي, فاختلف النحويون في الاحتجاج بالحديث النبوي على ثلاث طوائف: طائفة منعت الاحتجاج به مطلقا وعلى رأسها أبو حيان, وشيخه أبو الحسن الضائع, وطائفة اتخذت الوسط سبيلا وعلى رأسها الشاطبي, والسيوطي وكثير من المحدثين, وطائفة أجازت الاستشهاد بالحديث كله وعلى رأسها ابن مالك, وابن هشام, السهيلي.
    وقد اهتم بعض الباحثين بهذه القضية, وأفردوا لها فصولا في كتبهم كان من أولها بحثان للشيخ محمد الخضر الأول " الحديث الشريف", والثاني" الاستشهاد بالحديث في اللغة", وقد قرر الشيخ أنه يجوز الاحتجاج بالحديث في اللغة والنحو والصرف, وبين أنواع الأحاديث التي يحتج بها, وضمن الأستاذ سعيد الأفغاني كتابه" في أصول النحو" بحثا بعنوان: " ما يحتج به من الحديث الشريف", وأفرد الدكتور عبد الجبار علوان الفصل الرابع من كتابه " الشواهد والاستشهاد في النحو" للاستشهاد بالحديث النبوي.
    واستطاعت الباحثة خديجة الحديثي في كتابها (موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث) الرد على هؤلاء النحاة الذين قالوا بعدم الاحتجاج بالحديث النبوي في النحو, فجمعت الأحاديث التي احتجت بها كتب النحو والصرف التي استطاعت الحصول عليها, وذكرت العلماء الذين احتجوا بها في كتبهم, فقد أحصت هؤلاء العلماء وبينت عدد الأحاديث الواردة في كتبهم.
    فالنحاة الأوائل قد احتجوا بالحديث ولم يرفضوه، لكنهم احتجوا به على قلة مع التصريح بأن ما يحتجون به حديث، أو مع إغفال الإشارة إلى أنه حديث. فالحديث كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويعد بعد كلام الله العزيز فصاحة وبلاغة, وكان ينبغي أن يعد المصدر الثاني في الاحتجاج في جميع علوم العربية بلا تمييز.
    وقام الدكتور محمود فجال أيضا بدراسة ظاهرة الاحتجاج بالحديث النبوي في العديد من الكتب والبحوث والدراسات التي ألفها, فبحث الظاهرة باتجاهات نحوية حديثية فبذل جهدا عظيما, حتى كأنه متخصص في علم الحديث, درس وناقش وعلل؛ ليثبت أن الحديث النبوي هو المصدر الثاني للاحتجاج بعد القرآن الكريم.
    لتصبح مصادر الاحتجاج في العربية هي: القرآن الكريم, والحديث النبوي, وكلام العرب من شعر ونثر, والإجماع والقياس.

    آراء النحويين في الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف:
    مذهب المجوزين: ذهب طائفة من النحويين إلى جواز الاحتجاج بالحديث في المسائل النحوية, ومنهم: ابن خروف, ابن هشام, الصفّار, والسيرافي, والشريف الغرناطي, والشريف الصقلي, وابن عصفور, وابن الحاج وابن الخباز... وأكثر من الاستشهاد بالحديث "السهيلي" في أماليه, وفاق الجميع في الاستشهاد "ابن مالك".
    وهذا الذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه, إذ المتكلم به صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق على الإطلاق, وأبلغ من أعجزت فصاحته الفصحاء على جهة العموم, فالاحتجاج بكلامه عليه الصلاة والسلام, الذي هو أفصح العبارات, وأبلغ الكلام أولى وأجدر من الاحتجاج بكلام الأعراب الأجلاف.

    مذهب المانعين: ذهب جماعة إلى المنع مطلقاً, منهم "أبو الحسن الضائع" و "أبو حيان", قال ابن الطيب: "لا نعلم أحداً من علماء العربية خالف العلماء في الاحتجاج بالحديث الشريف إلا ما أبداه الشيخ "أبو حيان" في شرح التسهيل, و"أبو الحسن ابن الضائع" في شرح الجمل, وتابعهما على ذلك "الجلال السيوطي" فأولع بنقل كلامهما".
    شبهات مانعي الاحتجاج بالحديث النبوي في المسائل النحوية:
    الشبهة الأولى: أن رواة الحديث جوزوا النقل بالمعنى.
    الشبهة الثانية: أن رواة الحديث كانوا عجماً؛ لذا وقع اللحن كثيراً فيما رووه من الحديث.
    الشبهة الثالثة: أنه وقع اللحن كثيراً فيما روي من الحديث.
    الشبهة الرابعة: وقوع التصحيف والتحريف في الحديث.
    الشبهة الخامسة: الوضع في الحديث.
    الرد على الشبهات :
    رد الشبهة الأولى: تجويز رواة الحديث الرواية بالمعنى مقيد بـ: الإحاطة بجميع دقائق علم الحديث, وأن تكون جميع المحسنات الفائقة بأقسامها على ذكر منه, فيراعيها في كلامه, والعلم بما يحيل المعنى أو ينقصه, ومعرفته بمواقع الألفاظ, ولا تجوز الرواية بالمعنى لمن خشي الإخلال, ثم إن بعض الأئمة شدد في الرواية بالمعنى غاية التشديد,فمنع تقديم كلمة على أخرى, وحرفاً على آخر. فإن رواية الحديث والأثر تكون باللفظ, وإذا قصد الرواية بالمعنى أشار الراوي إلى ذلك بقوله: بما معناه. كما لا يخفى على العارف بمصطلح الحديث.

    رد الشبهة الثانية: قال" محمد بن الطيب": "أما كون كثير من الرواة كانوا غير عرب فصحيح وادعاؤه أنهم لا يعلمون النحو مخالف لما أطبق عليه علماء الحديث من أن شرط المحدث: أن يكون عالماً بما يحتاج إليه من العربية واللغة, بل قالوا: إنه لا بد أن يكون عارفاً بالغريب أيضاً, زيادةً على العلوم المتعلقة بالأسانيد والمتون. ومن خلا من تلك الشروط, ولم يستوفها لا تجوز له الرواية في نفسه". فإن اجتمعت في العجمي شروط الرواية قبلت روايته, ولم يشترط المحققون في الراوي أن يكون عربيا, كما أنهم لم يشترطوا أن لا يكون أعجميا, فقول فريق من النحاة: الحديث لا يستشهد به؛ لأنه من رواية العجم, قول تالف, وليس بشيء, لأن ذلك يقال في رواة الشعر والنثر للذين يحتج بهما, فإن فيهم الكثير من الأعاجم.

    رد الشبهة الثالثة: قال محمد بن الطيب: إن أراد باللحن الخطأ في الإعراب, بحيث لا يقبل التخريج على لغة من اللغات فممنوع؛ إذ ليس في شيء من الأحاديث تركيب يتعين الخطأ فيه. وإن أراد باللحن كونه في الظاهر على خلاف الأصل المقرر المشهور الجاري على خلاف الجمهور فمثله لا يضر. فهذا القرآن أبلغ الكلام وأفصحه, مع نقله بالتواتر, مشتمل على تراكيب لا مساس لها بظاهر القواعد, ولذلك احتاج المفسرون إلى تأويلها.

    رد الشبهة الرابعة: اهتم المحدثين بالتصحيف والتحريف فكانت جهودهم كبيرة في الكلام على التصحيف وبيانه, فلم يقع التصحيف إلا من أشباه المحدِّثين الذين يحملون ما لا يفهمون, ويكتبون ما لا يعقلون, فألف فريق من الأعلام كتبا لبيان التصحيف والمصحفين.
    وقد بلغ المحدثون من الصراحة والأصالة في النقد أنهم لا يرحمون من وقع في وهم مهما كانت منزلته العلمية. فطعن الأحاديث باحتوائها على التصحيف والتحريف, وتجريح المحدثين بأنهم يصحفون ويحرفون طعن ساقط, وأمر مرفوض. ولقد وقع التصحيف والتحريف في الحديث كما وقع في الشعر والنثر, ولم يقل أحد: إنه لا يحتج بهما في اللغة والنحو.

    رد الشبهة الخامسة: وهي شبهة الوضع في الحديث, فالحديث الموضوع ليس بحديث نبوي, وإنما ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبا واختلاقا مما لم يقله أو يفعله, أو يقره. وسمي حديثا لذكر السند والمتن. وقد تصدى أئمة الحديث للكشف عن أحوال الرواة, وتمييز الصادق من الكاذب, والضابط من الواهم, والموثوق بروايته من المطعون فيها.
    ومن هنا أنشأ علماء الحديث "علم الججرح والتعديل" وبذلوا جهدا عظيما للتحري والتنقيب عن أحوال الرواة, ودراسة حياتهم, وبذلك استطاع علماء الحديث أن يميزوا صحيح الحديث من مكذوبه.


    أما مذهب المتوسطين: فذهب جماعة إلى التوسط بين الفريقين, منهم "أبو إسحاق الشاطبي" في كتابه" المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية", فجعل الحديث قسمين:
    - قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه, فلم يقع به استشهاد أهل اللسان.
    - قسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص, كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم ككتابه لهمدان, والأمثال النبوية. فهذا يصح الاستشهاد به في العربية.
    ويقول الدكتور محمود فجال: "كان هذا التقسيم الذي قدمه "الشاطبي" الأساس الذي بنى عليه المعاصرون موقفهم من حجية الحديث."
    فلو أتقن النحويون علوم الحديث, ووقفوا على ثمرات علماء الحديث, وشدة ضبطهم وتحريهم في الرواية والدراية لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم, ولما التفتوا إلى الأشعار والأخبار التي لا تلبث أن يطوقها الشك إذا وزنت بموازين فنّ الحديث العلمية الدقيقة.

    احتجاج سيبويه في كتابه بالحديث والأثر:
    هناك من النّحاة من زعم أن سيبويه اعتمد في احتجاجه على الأصول الآتية : (القرآن الكريم بجميع قراءاته , وكلام العرب من شعر ونثر, والقياس), أمّا الحديث النبوي فقد قال « ابن الضائع » : إنّ سيبويه ترك الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث ، واعتمد في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب . ثمّ جاء تلميذه « أبو حيّان » وسلك دربه ، وقال : إنّ « ابن مالك » خالف سيبويه في استدلاله بالأحاديث على إثبات القواعد الكليّة في لسان العرب، وتبعهما على ذلك كثير من علماء العربية وبعض المعاصرين الذين رفضوا الاحتجاج بالحديث النبوي في المسائل النحوية, في حين يحتج به في الأدب والبلاغة واللغة والتفسير.
    ألف الدكتور محمود فجال-رحمه الله- كتابه (ارتكاز الفكر النحوي على الحديث والأثر في كتاب سيبويه) لبيان رأي "سيبويه" في قضية الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف والأثر في المسائل النحوية, وإثبات احتجاجه بهما من خلال الاستقراء والبحث في " كتاب سيبويه ", حيث أحصى أكثر من مئة وثلاثين شاهداً من حديث أو أثر ذكرهما سيبويه في إثبات الفكر النحوي .
    فرد على المعارضين وعلى رأسهم : ابن الضائع وتلميذه أبو حيان اللذان ذهبا أن سيبويه لم يحتج بالحديث والأثر في النحو .
    يقول الدكتور محمود: "قرأت في الكتاب لــ"سيبويه" فلم أجد فيه رفضه للاستشهاد بالحديث والأثر, لا تصريحاً ولا تلويحاً, بل قد وضعت يديَّ على أساليب وألفاظ موافقة للحديث والأثر سواء أقصد أنها حديث أو أثر أم لم يقصد, وُجد فيها الشاهد أم لم يوجد.
    ولم يشر إلى أي منها أنه حديث أو أثر, وإنما احتج بها ومثّل كما يحتج بأي كلام عربي منثور. فوضح في كتابه أن سيبويه أول المحتجين بالحديث والأثر وإن لم يصرح بذلك, فاستشهد بهما على أنهما من أقوال العرب, ولم يوردهما بطريقة أهل الحديث والأثر, وإنما سلك مسلك رواة اللغة.
    فكانت طريقة سيبويه في الاستشهاد بــ"الكلمة" و"جزء الجملة", استعملها في الحديث والأثر وكلام العرب, حتى أنه قد يستعملها في القرآن العزيز.
    كما أن هذه الطريقة مألوفة عند النحاة أمثال : ابن خروف, وابن عصفور, وابن هشام, فقد سلك النحاة هذا المسلك, فقد يكتفون بجزء من بيت, أو كلمات, ومألوفة عند أهل الحديث أيضا فقد يقتصرون على كلمة من حديث, إذن فليس غريباً أن يستشهد "سيبويه" بكلمة أو جملة من كلام العرب توافق الأحاديث والآثار.
    قيمة كتاب سيبويه تكمن بأنه استشهد بالأصول العربية كلها: القرآن, والحديث والأثر, وكلام العرب والشعر, ولولا ذلك ما كانت قيمة "الكتاب" تصل إلى هذه المنزلة العالية.

    أبرز المؤلفات في هذا المجال:
    ارتكاز الفكر النحوي على الحديث والأثر في كتاب سيبويه, للدكتور محمود فجال
    الحديث النبوي في النحو العربي : دراسة لظاهرة الاستشهاد بالحديث في النحو العربي, للدكتور محمود فجال.
    السير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث في النحو العربي, للدكتور محمود فجال.
    موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث النبوي, لخديجة الحديثي.
    الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه, لخديجة الحديثي.
    الاحتجاج في العربية, لمحمود شكري الألوسي.
    الإصباح في شرح الاقتراح للسيوطي, تحقيق الدكتور محمود فجال.
    فيض نشر الانشراح من روض طي الاقتراح لأبي الطيب الفاسي, تحقيق الدكتور محمود فجال.

    رأي الطالب في الاحتجاج بالحديث النبوي:
    أرى ضرورة الاحتجاج بالحديث النبوي في المسائل النحوية, فهو المصدر الثاني للاحتجاج بعد كلام الله -عز وجل-, وهو كلام أفصح من نطق بالعربية محمد صلى الله عليه وسلم , وكان المحدثون من أدق الناس في تحري الموثوقية في لفظ الحديث ومعناه, فلا يضرنا الرواية بالمعنى لأنها مشروطة, وهي للضرورة, كما لا يضرنا رواة الأعاجم لأنها أيضا مشروطة بشروط كثيرة, كما أن الشعر المحتج به رواه لنا كثير من الأعاجم وبروايات مختلفة ولم يقل فيه ما قيل في الحديث النبوي.
    وبالله التوفيق.
يعمل...
X